“انتخابات” المجالس المحلية .. السيسي يُعيد إنتاج “الدور الوظيفي” وعسكرة للسبوبة والفساد

- ‎فيتقارير

يرى محللون أن أي انتخابات محليات قادمة لن تخرج عن كونها استنساخاً لـ "برلمانات العسكر" الحالية (مجلسي النواب والشيوخ)، والتي لا تملك سوى حق "الموافقة البصمية" على القرارات السيادية وقروض صندوق النقد الدولي، وأنه بناءً على المعطيات الدستورية 2014 (مثل المادة 210 التي تنظم الطعون الانتخابية أمام محكمة القضاء الإداري)، فإن الإطار القانوني لانتخابات المحليات منزوع الصلاحيات السياسية الفعلية.

وكما لخصت الإعلامية رانيا بدوي المشهد: "البرلمان حقق لنا الشكل على الأقل، صحيح خاوي من المضمون، بس أهو نص العمى ولا العمى كله، إنما المحليات.. لا شكل.. ولا مضمون!" @RaniaBadawy.

ما يعني أنه في هذه المنظومة المقترحة، يتم هندسة المشهد ليهيمن عليه اتجاه واحد موالٍ للأجهزة الأمنية (مثل حزب مستقبل وطن)، بينما تُمنح المعارضة "الكرتونية" مساحة محددة سلفاً لتأدية "دور وظيفي" يمنح النظام شكلاً ديمقراطياً خارجياً أمام الدول المانحة والمنظمات الدولية.

وجاء الدعم الأبرز لهذا الاتجاه من قبل وزير الخارجية الأسبق ودولاب الدولة العميقة عمرو موسى، الذي سارع عبر حسابه الرسمي لشرعنة دعوة السيسي، حيث كتب عبر حسابه على منصة (X):     "أؤيد وأدعم ما أكده  عبدالفتاح السيسي بشأن ضرورة تنشيط الحياة السياسية وإجراء انتخابات المجالس المحلية كخطوة أولى، فمصر تحتاج اليوم إلى إيقاظ نظامها السياسي، وإعادة الحيوية إلى أحزابها السياسية وتركها لتصبح ذات حضور وتأثير وقدرة على التعبير عن المواطنين وطرح البدائل وتقديم الكوادر."

ويبدو أن هذا التأييد من رموز النظام القديم والجديد يراه مراقبون بمثابة "طعم سياسي" لتمرير مآرب أخرى، وحذر حساب "هناك أمل" من أن هذه الخطوة ما هي إلا "شماعة" لتمرير تعديلات دستورية أعمق، حيث علق قائلاً:

"بيشركهم في اللقطة عشان يمرروا تعديل الدستور وفي الحقيقة كمان بيدبسهم في جرايمه… فيرميلك طعم محليات وحريات فيخطف تعديل الدستور بحجة قانون المحليات". @NewEgypt_

عسكرة المحليات: هل يستغني اللواءات عن "السبوبة"؟

 

إن التساؤل الجوهري يدور حول مدى قدرة أو رغبة النظام في التخلي عن الهيمنة العسكرية والأمنية على المحليات لصالح مجالس شعبية منتخبة ذات صلاحيات رقابية حقيقية، تشير الوقائع إلى أن المحليات تحولت طوال السنوات الماضية إلى مكافآت نهاية الخدمة لرجال الجيش والشرطة والقضاء (اللواءات)، مما أدى إلى بناء شبكة مصالح مغلقة يصعب اختراقها.

 

وفي هذا السياق، يرى الناشط السياسي عمرو عبد الهادي أن الفساد المحلى بات مؤسساً ومحميّاً من قِبل القيادات العسكرية المعينة، مشيراً إلى اعترافات رئيس حي الإسكندرية المقبوض عليه في قضايا رشوة، حيث قال: إن "من عرّفه على الراشي هو اللواء أشرف الجندي، محافظ الغربية حالياً"، وعقّب عبد الهادي قائلاً: "السيسي يدوّر 'سبوبة' المحافظين على لواءات الجيش والشرطة والقضاء ليضمن استمرار الفساد". @amrelhady4000

 

وهذا ما تؤكده الإعلامية رانيا بدوي في نقدها الحاد لاستمرار غياب الرقابة الشعبية منذ عام 2008، حيث كتبت عبر وسم #فاصلة_ومنقوطة:

"يروح لواء يجي لواء.. هتفضل نفس الوجوه تدير نفس الأزمات، بنفس الطريقة.. بلا أي إصلاح حقيقي.. طالما لا يوجد قانون إدارة محلية ولا مجالس محلية منتخبة تقوم بالرقابة الشعبية على أداء السلطة التنفيذية.. فكل ما يحدث أوامر فوقية لا قيمة لها". @RaniaBadawy

وعليه، فإن الاندفاع نحو انتخابات المحليات لا يستهدف محاربة الفساد أو تمكين الشباب، بل هو عملية شرعنة وتوسيع لشبكات "السبوبة" لتشمل القواعد الشعبية للنظام، وضمان بقاء اللواءات والمحاسيب في صدارة المشهد المالي والإداري للدولة.

نموذج "المنوفية": الفساد برعاية السلطة وتزوير الشهادات

إذا أردنا تفكيك بنية الفساد المحلي الذي ترعاه المنظومة، فإن محافظة المنوفية تقدم نموذجاً صارخاً لآلية اختيار القيادات في عهد السيسي. ففي عام 2018، سقط محافظ المنوفية الأسبق هشام عبد الباسط في قبضة الرقابة الإدارية بتهم فساد مذهلة، كشف عنها بالتفصيل "حزب تكنوقراط مصر" عبر الرابط التالي:

https://x.com/egy technocrats/status/2005201302804947048

التقرير كشف أن عبد الباسط، المعين في عام 2015، كان يحمل شهادة دكتوراه مزورة من جامعة "كامبريدج" البريطانية (مكتوبة باللغة العربية وهو لم يغادر مصر أصلاً)، والأنكى أنها كانت في تخصص "كيفية مواجهة الفساد"! فضلاً عن دكتوراه فخرية وهمية في "الشجاعة في اتخاذ القرار".

ولم تكن الأجهزة الرقابية لتتحرك لولا أن زوجته الثانية (الموظفة بالرقابة الإدارية) بلغت عنه نكاية برغبته في الزواج بثالثة، لتتكشف الأرقام والوقائع المفزعة:

    تخصيص قطعة أرض للدولة بالأمر المباشر لرجل أعمال مقابل رشوة بـ 2 مليون جنيه.

    تضخيم ميزانية صيانة مباني المحافظة من 12 مليون جنيه إلى 92 مليون جنيه للاستيلاء على الفارق.

    غسل الأموال في عقارات وسيارات، ورفض إنشاء جامعة حكومية بالمنوفية لحماية مصالحه في جامعة خاصة يمتلك أسهمها.

    طلب رشاوى عينية لتشطيب فيلته بالمهندسين، واستخدام شفرات هاتفية لتمرير الرشاوى مثل طلب "أجندات، بنطلونات، وبلوفرات".

انتهت القضية في 2019 بالحكم عليه بالسجن 10 سنوات وإلزام برَدّ 58 مليون جنيه، لكن هذا النموذج يطرح السؤال الأهم الذي صاغه حساب حساب "عبد الفتاح القصري" على فيسبوك متهكماً على شعار "تحيا مصر": "على أي أساس يتم اختيار هؤلاء؟"، خاصة وأن هذا النهج يمتد لرأس السلطة الذي يصر على الإبقاء على وزراء متهمين بالتزوير والسرقة الأدبية؛ مثل وزير التعليم الحالي المتهم بتزوير شهاداته الأكاديمية، ووزيرة الثقافة التي ثبتت بحقها سرقة رواية أدبية بحكم محكمة النقض.

عبد الفتاح السيسي، يسعى إلى تفعيل استحقاق انتخابات المجالس المحلية الغائبة منذ حلها بحكم المحكمة الإدارية العليا عقب ثورة يناير في عام 2011، ومع خروج وجوه بارزة من "دولاب الدولة العميقة" لتأييد هذا المسار، يتزايد التساؤل حول حقيقة هذا التوجه؛ هل يعكس رغبة جادة في الإصلاح واللامركزية، أم أنه مجرد مناورة سياسية وتكريس جديد لشبكات الفساد والمحسوبية تحت غطاء الديمقراطية الصورية؟