في مواجهة أزمات متصاعدة ومتشعبة، لجأ الانقلاب إلى مأسستها وعسكرتها؛ حيث أصدر عبد الفتاح السيسي قراراً بتعيين الفريق محمد عبد الرحمن بسيوني سالم ربيع، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، رئيساً للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ بعد ترقيته، وتعيين اللواء هاني محمود مدير سلاح الإشارة نائباً له، واللواء سامح نبيل من وزارة الداخلية مساعداً له.
عندما تتحول الأزمات من أحداث عارضة إلى نمط حياة يومي، تتغير استراتيجية الأنظمة السياسية من محاولة حل الأزمة إلى محاولة مأسستها وإدارتها بأدوات خشنة. وفي مصر الحالية، أصبح التعامل مع التحديات الاقتصادية والخدمية يمر عبر بوابتين: العسكرة المباشرة للملفات المدنية، والتحصن الجغرافي بعيداً عن الكتل السكانية التقليدية.
والمشهد الراهن في مصر يظهر فجوة عميقة بين نظام يزداد تحصيناً وعسكرة لإدارته وقراراته، وبين دولة تضعف مؤسساتها الخدمية وتنوء تحت أعباء ديون تلتهم ثلثي موازنتها، مما يجعل من الهيئات المستحدثة والعواصم الجديدة مجرد دروع لحماية الحكم لا حلولاً لإنقاذ الوطن.
ويعزز هذا الطرح البرلماني النائب محمد الشويخ، الذي وجه انتقادات حادة للأوضاع المعيشية مؤكداً أن المواطن أصبح "فريسة" لتوالي الضغوط الحكومية ورفع الدعم وفصل الكهرباء والحبس بسبب المخالفات، معبراً عن حرج النواب الشديد أمام الشارع بقوله: "إحنا خجلانين نقابل الناس… هنقولهم إيه؟".
صرخة جيل
ويعبر حساب "جيل زد" عن لسان حال الشباب والمعاناة اليومية في الشارع تحت عنوان "جمهورية الظلام"، مؤكداً أن المبررات الجاهزة التي تسوقها الحكومة لم تعد تجدي نفعاً أو "تأكل عيش" مع المواطنين.
ويرى الحساب @GenZ002_eg أن الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن الكهرباء ليست مجرد رفاهية أو لمبة منورة، بل هي عصب الحياة، الشغل، التعليم، وحتى صحة الناس وطاقتهم النفسية. وينتقد الحساب استسهال الإدارة للحلول على حساب المواطن؛ ففي الوقت الذي ترفع فيه الأسعار ويطالب الناس بتركهم ليعملوا وينتجوا، تقوم الحكومة بقطع الكهرباء عنهم بدعوى "الترشيد"، وهو في نظره ليس ترشيداً بل تعطيل لبلد بحالها. ويتساءل الحساب بمرارة: إلى متى سيظل المواطن البسيط هو الشماعة التي تتحمل ثمن كل قرار اقتصادي خاطئ، بينما دول أخرى تعيش في قلب نفس الأزمات العالمية وشوارعها وبيوتها منورة لأن إدارتها تبحث عن حلول حقيقية لا عن حجج معلبة.
ويتطرق الحساب ذاته في تدوينة أخرى إلى ملف الرعاية الصحية، متهماً السلطة بالاستخسار في علاج الغلابة وتوجيه الأموال لجيوبهم، حيث تحولت منحة بنصف مليار دولار مخصصة لإنقاذ مرضى الفيروسات الخطيرة بقرار رئاسي إلى سبوبة عبر إنشاء "هيئة الشراء الموحد" لتكون ستارة للسرقة. ويشير الحساب إلى أن الدواء الأصلي المستورد يُباع في السوق السوداء بأغلى الأسعار، بينما يُرمى للمريض دواء مغشوش بلا مادة فعالة، مما يخلص على حياة المرضى بدلاً من علاجهم، مؤكداً أن السبوبة مقسمة بنسبة 80% للسيسي والباقي لتجار الدم في وزارة الصحة، مستغرباً من تزايد الأزمات وقلق المرضى كلما أُنشئت هيئة جديدة.
حلول يتجاهلها الانقلاب
من جانبه، يسخر الدكتور حمزة زوبع من الواقع المتعدد الأزمات، مشيراً إلى أن مصر لا تعيش أزمة واحدة بل أزمات مركبة ومتشابكة، ويدعو زوبع بتهكم إلى إجراء محاكاة شاملة لحل هذه الكوارث؛ ويقترح عمل محاكاة لحل أزمة سد النهضة، ومحاكاة لأزمة الديون المتراكمة، ومحاكاة لانخفاض متوسط دخل الفرد المصري الغلبان، يضاف إليها محاكاة لارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وتراجع التصدير للخارج، وأزمة التمرد المدعوم إماراتياً في السودان، وتأثير عدم استقرار المنطقة على مستقبل مصر.
ولا ينسى الدكتور زوبع @drzawba الإشارة إلى غياب الحريات والرأي الآخر، وزيادة رقعة الفساد، والمشاريع غير المنتجة التي ابتلعت مليارات الدولارات، متسائلاً عن موعد ومكان بدء هذه المحاكاة لمواجهة تصاعد الغضب الشعبي من سياسات سعادته.
البديل العلمي ورصد الموازنة
يطرح "حزب تكنوقراط مصر" رؤية علمية قائمة على دراسات معمقة لموارد الدولة، مؤكداً أن مصر ليست دولة فقيرة بل غنية بمواردها وبشرها وكوادرها المعطلة. ويرى التكنوقراط أن الأزمة الاقتصادية لا تكمن في نقص الموارد بل في سوء إدارتها وغياب الرؤية، رافضين استمرار سياسة الاقتراض والاستدانة دون إنتاج حقيقي لأنها مجرد تأجيل للمشكلة وتضخيم لها، ويطرح الحزب بديلاً قائماً على الإنتاج وإعادة توظيف الموارد الحالية والتزام كامل بعدم بناء أي مشروع على قروض جديدة، مع تصور قانوني واقتصادي لتسوية الديون الحالية.
وفي ذات السياق، يوضح المحلل الاقتصادي محمود وهبه أسباب عدم صمود الاقتصاد المصري أمام الأزمات، مرجعاً ذلك إلى "تفتيت الاقتصاد" وعدم وجود وحدة ميزانية حقيقية في مصر، معتبراً أن البحث عن قروض جديدة وزيادة أسعار الوقود ليس صموداً، خاصة وأن إيرادات مصر الحقيقية لا تمثل سوى 23% فقط (بالتحديد 4 تريليون جنيه)، مما يجعل الاقتصاد هشاً للغاية.
عسكرت الإدارة وبيانات التعيين
وتشتبك منصة "متصدقش" مع هذا الخطاب الذي يربط بين إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة ومقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون" وبين قدرة الدولة على مواجهة الأزمات وحماية المؤسسات السيادية من سيناريوهات ثورة 25 يناير. وتستعين المنصة بكتاب الراحل سامر سليمان "النظام القوي والدولة الضعيفة" المنشور عام 2006، لتوضح مفارقة نجاح النظام أمنياً في البقاء واحتواء المعارضة وتوسيع أدوات السيطرة، مقابل فشل الدولة وضغفها في أداء وظائفها التنموية والخدمية والمؤسسية بكفاءة. وتدلل المنصة على ذلك ببيانات الموازنة الحالية لعام 2026/2027، حيث تحايلت الحكومة على النسب الدستورية للتعليم والصحة، بينما التهمت مستحقات فوائد الديون وسداد القروض نسبة مرعبة بلغت 63.99% من الاستخدامات العامة في السنوات الثلاث الأخيرة، كما تحولت الدولة إلى دولة جباية تستهدف زيادة الضرائب بنسبة 33% لتسجل 3.5 تريليون جنيه، يتحمل المستهلكون والأفراد نصفها بينما لا تدفع الفئات الأعلى دخلاً سوى 20.75%، مما يكرس غياب العدالة الضريبية.
وتختم المنصة بالعودة إلى كتاب "لماذا تفشل الأمم؟" لعالمي الاقتصاد دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون (الحاصلين على جائزة نوبل 2024)، لتؤكد أن قوة المؤسسات لا تقاس بالمباني المحصنة والمعزولة في العاصمة الجديدة، بل بطبيعتها وقواعد عملها. وتوضح النظرية أن مصر تقع في مرتبة متأخرة (المرتبة 128 في مؤشر الديمقراطية للإيكونوميست لعام 2024) بسبب سيطرة "المؤسسات الاستخراجية" التي تركّز السلطة والثروة في يد نخبة ضيقة تستخدم القوانين لخدمة مصالحها وتجفيف موارد الأغلبية، وهو ما أفرغ مفهوم قوة الدولة من مضمونه التنموي وحصر إدارتها للأزمات في التحصين الأمني البحت وتعيين القيادات العسكرية للسيطرة على الطوارئ المدنية.