تجد مصر، بقيادة المنقلب السفيه السيسى ، نفسها أمام مفارقة لافتة في ملف الطاقة؛ فبعد سنوات قليلة من احتفالها بتحولها إلى دولة مصدّرة للغاز الطبيعي، باتت تعتمد بصورة متزايدة على استيراد الغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية وتشغيل محطات الكهرباء، بل وتستورد كميات متنامية من الغاز الإسرائيلي، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى التعاقد على شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية.
وتثير هذه المفارقة تساؤلات سياسية واقتصادية حول الأسباب التي دفعت أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان إلى هذا الوضع، خصوصاً أن مصر كانت قد أعلنت، عقب بدء الإنتاج من حقل "ظهر"، تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز والتحول إلى مركز إقليمي لتداول وتصدير الطاقة.
وبحسب تقارير إعلامية، ارتفعت إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر خلال الفترة الأخيرة إلى نحو 1.25 مليار قدم مكعبة يومياً، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 1.5 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2027، بالتزامن مع زيادة إنتاج حقل "ليفياثان" وتوسيع البنية التحتية لنقل الغاز.
من الاكتفاء الذاتي إلى البحث عن شحنات الغاز
التحول الحالي لا يرتبط فقط بالغاز الإسرائيلي، إذ تجري مصر، وفق ما نقلته "رويترز"، محادثات مع شركات طاقة كبرى، بينها "شل" و"توتال إنرجيز" و"بي.بي"، للحصول على ما بين 15 و18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال شهرياً لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
ويعكس ذلك حجم الضغوط التي تواجهها القاهرة في سوق الطاقة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب، خاصة خلال أشهر الصيف، عندما يقفز استهلاك محطات توليد الكهرباء من الغاز الطبيعي.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف انتقلت مصر من دولة كانت تتحدث عن تصدير الغاز إلى أوروبا والأسواق الإقليمية إلى دولة تبحث عن تأمين واردات عاجلة لتغطية احتياجاتها الداخلية؟**
حقل ظهر.. نقطة التحول الأبرز
يُعد تراجع إنتاج حقل "ظهر" أحد أبرز العوامل التي تقف وراء أزمة الغاز الحالية، بعدما كان الحقل يمثل حجر الأساس في استراتيجية مصر لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.
ومع انخفاض الإنتاج المحلي، وجدت القاهرة نفسها مضطرة إلى تعويض الفجوة عبر زيادة الواردات، سواء من إسرائيل أو من خلال شراء الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، وهو ما يفرض أعباء مالية إضافية على الاقتصاد المصري في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط على موارد النقد الأجنبي.
ويرى منتقدون للسياسات الحكومية أن الأزمة الحالية تكشف هشاشة استراتيجية الاعتماد على حقل واحد، وعدم نجاح خطط زيادة الإنتاج المحلي بالسرعة الكافية لتعويض التراجع الطبيعي في بعض الحقول.
هل خسرت مصر موقعها في شرق المتوسط؟
ويعيد الوضع الحالي إلى الواجهة الجدل حول إدارة مصر لملف الغاز في شرق المتوسط، وخصوصاً اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي أبرمتها القاهرة مع دول المنطقة، وفي مقدمتها اليونان، إضافة إلى علاقاتها مع إسرائيل وقبرص.
ويطرح المعارضون للسياسات الحالية تساؤلات حول ما إذا كانت مصر قد استفادت بالشكل الأمثل من حقوقها ومواردها المحتملة في شرق المتوسط، وما إذا كانت الاتفاقيات التي أبرمتها القاهرة قد حافظت على مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى.
غير أن الربط المباشر بين تراجع إنتاج الغاز المصري وبين "التنازل عن حقوق الغاز" يحتاج إلى أدلة فنية وقانونية واضحة، إذ إن ملف الحدود البحرية وحقوق الاستغلال يرتبط بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، والامتيازات الممنوحة لشركات التنقيب، ونتائج عمليات البحث والاستكشاف، ولا يمكن اختزاله في اتفاق سياسي واحد.
المفارقة الإسرائيلية
في المقابل، تستفيد إسرائيل من تطوير حقولها البحرية، وعلى رأسها "ليفياثان" و"تمار"، لتوسيع صادراتها إلى مصر والأردن، بينما تتحول القاهرة تدريجياً إلى سوق رئيسية للغاز الإسرائيلي.
وتكمن المفارقة في أن مصر، التي كانت تراهن على أن تصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الغاز، باتت تعتمد على واردات من دولة كانت تستورد منها الغاز في السابق، في وقت تستخدم فيه بنيتها التحتية ومحطات الإسالة في إدكو ودمياط لاستقبال الغاز وإعادة تصدير جزء منه إلى الأسواق الخارجية.
ومن منظور اقتصادي، قد ترى الحكومة أن استيراد الغاز الإسرائيلي ثم إسالتَه وإعادة تصديره يمثل نشاطاً تجارياً يدر عائداً من النقد الأجنبي. إلا أن منتقدين يرون أن الأولوية كان ينبغي أن تكون لتأمين احتياجات السوق المصرية من الإنتاج المحلي، قبل التوسع في نموذج يعتمد على شراء الغاز من الخارج.
هل أصبحت مصر رهينة للغاز المستورد؟
المشكلة الأساسية التي تواجه مصر اليوم لا تتمثل فقط في مصدر الغاز، وإنما في ارتفاع درجة الاعتماد على الواردات لتغطية العجز بين الإنتاج والاستهلاك.
فكلما تراجع الإنتاج المحلي، زادت حاجة الحكومة إلى شراء الغاز من الخارج، ما يجعل قطاع الطاقة أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة الدولية.
كما أن استمرار هذا الاتجاه يضع الاقتصاد المصري أمام معادلة صعبة: إنفاق مزيد من العملة الصعبة على استيراد الطاقة من أجل توفير الكهرباء، في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى جذب الاستثمارات وزيادة الصادرات وتحسين مواردها من النقد الأجنبي.
السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق الجدل إذن فقط بكون مصر تستورد الغاز من إسرائيل، وإنما بكيفية إدارة موارد الطاقة خلال السنوات الماضية، ومدى نجاح الدولة في الحفاظ على معدلات الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الطاقة، والاستفادة من موقعها الجغرافي وثرواتها المحتملة في شرق المتوسط.
وبينما تؤكد الحكومة أن زيادة الواردات ترتبط بتراجع مؤقت في الإنتاج وارتفاع الطلب المحلي، يرى منتقدوها أن التحول من تصدير الغاز إلى استيراده يكشف خللاً أعمق في إدارة ملف الطاقة، ويطرح تساؤلات حول جدوى السياسات التي اتبعتها القاهرة في السنوات الأخيرة.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل كان انتقال مصر من دولة مصدّرة للغاز إلى مستورد نتيجة طبيعية لتراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك، أم أن خيارات إدارة موارد الطاقة واتفاقيات شرق المتوسط ساهمت في تكريس هذا التحول؟**
الإجابة تتطلب مراجعة دقيقة للأرقام الخاصة بالإنتاج والاستهلاك والاحتياطيات، إلى جانب تحليل الاتفاقيات البحرية وحقوق الاستكشاف، بدلاً من اختزال الأزمة في اتهام واحد أو تحميل اتفاقية بعينها مسؤولية التحول الكامل في خريطة الطاقة المصرية.