أبرزت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في 14 أغسطس 2026 ، ما حدث قبل 13 عاما، حيث "ارتكبت السلطات المصرية (سلطات الانقلاب) ما قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، إذ فرّقت اعتصام رابعة بالقوة، ما أسفر عن مقتل مئات المتظاهرين" أكثر من 1000 بحسب المنظمة.
وأبرزت كيف أن "اليوم، (14 أغسطس 2026) يستمر القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب وغير ذلك من الانتهاكات المروعة على يد قوات الأمن في ظل إفلات شبه تام من العقاب، مضيفة أنه "ينبغي لشركاء مصر الدوليين استخدام كل الوسائل المتاحة لهم لتتم محاسبة الجناة وإرساء سيادة القانون في مصر.".
https://x.com/hrw_ar/status/2088130748763025521
واهتمام الحقوقيين المستمر ليس ترفاً نظرياً، بل هو عمل دؤوب للحفاظ على الأهلية القانونية للملفات، بحيث يظل الاتهام قائماً وحياً، ولا تتحول الجرائم إلى مجرد "أحداث تاريخية منسية"، في انتظار اللحظة السياسية أو القضائية المناسبة لتفعيل مسارات المحاسبة والمساءلة.
واستعرضت "هيومن رايتس ووتش" التقرير الشهير الصادر في عام 2014 تحت عنوان: "حسب الخطة: مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر".
والذي أكد أن عمليات القتل الممنهج وواسع النطاق لما لا يقل عن 1150 متظاهراً (بينهم 817 شخصاً على الأقل في فض اعتصام رابعة العدوية وحده في 14 أغسطس 2013) ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.
ووصف التقرير الهجوم بأنه حملة قمعية عنيفة ومدبرة من أعلى مستويات الحكومة المصرية، وليست مجرد حالة من حالات استخدام القوة المفرطة أو ضعف التدريب، مشيراً إلى أن السلطات الأمنية توقعت حصيلة وفيات ضخمة مسبقاً.
ودعا التقرير إلى التحقيق مع كبار القادة ضمن تسلسل القيادة، ومنهم وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم، ووزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، وقائد عملية رابعة مدحت المنشاوي.
وأشار التقرير إلى إخفاق السلطات المصرية في محاسبة أي من المسؤولين عن أعمال القتل، وشدد على الحاجة الملحة إلى التحقيق والملاحقة الدوليين، وإنشاء لجنة لتقصي الحقائق تابعة لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، وتفعيل مبدأ الاختصاص الشامل، إلى جانب مطالبة الدول بتعليق المساعدات العسكرية لمصر حتى تتوقف الانتهاكات الجسيمة.
ويلفت النائب السابق والقيادي في تحالف دعم الشرعية المهندس د. حاتم عزام @drhatemazzam إلى أنه "..لا ينبغي أن تتحول رابعة، مع مرور السنوات، إلى مجرد ذكرى في كتاب التاريخ، ولا إلى صفحة يُطلب من المصريين طيّها والمضي قدمًا وكأن شيئًا لم يكن، فالدماء لا يمحوها الزمن، والجراح الوطنية الكبرى لا تندمل بالإنكار أو النسيان، وإنما بالحقيقة والعدل.".
مستشهدا بقول الله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
وأكد أن "..حرمة نفس واحدة؛ فكيف بمقتل أكثر من ألف إنسان خلال ساعات، بالرصاص الحي، وعلى أيدي أجهزة يموّلها المواطنون من جيوبهم، وكان الأصل أن تكون مهمتها حماية أرواحهم وصون أمنهم، لا أن تُوجَّه أسلحتها إليهم؟.. وليس هذا مجرد توصيف سياسي أو انطباع شخصي.".
https://x.com/drhatemazzam/status/2088270688737968229/
التكييف القانوني
وتندرج جرائم القتل الجماعي والجرائم ضد الإنسانية في بند الجرائم التي لا تسقط بالتقادم لا يمكن أن تأتي على سبيل الإطلاق، بل تتوقف ابتداءً على التكييف القانوني الدقيق لكل واقعة على حدة، نظراً لأن القواعد القانونية تختلف بحسب طبيعة الجريمة ونص التشريع الحاكم لها:
وجرائم القانون العام العادية تخضع لقواعد التقادم العامة في قانون العقوبات (كجرائم القتل العادي أو الشروع فيه)، والتي تختلف مدتها بحسب وصف الجريمة (جناية أم جنحة).
في حين الجرائم الدولية (الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية، جرائم الحرب)، ووفقاً لقواعد القانون الدولي العرفي واتفاقيات عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتکبة ضد الإنسانية لعام 1968، فإن هذه الجرائم لا تخضع للتقادم أبدًا، بغض النظر عن المدة المنقضية على ارتكابها.
وفي القانون المصري (الداخلي) تنص المادة (15) من قانون الإجراءات الجنائية على أن دعوى الجنايات تنقضي بمضي 10 سنوات من تاريخ وقوع الجريمة، ما لم تكن هناك إجراءات قطع تقادم (مثل التحقيق أو الاتهام أو المحاكمة التي تعيد سريان المدة).
ولا يوجد في نصوص قانون العقوبات المصري أو قانون الإجراءات الجنائية تصنيف تشريعي صريح يحمل مسمى "الجرائم ضد الإنسانية" بالمعنى الدولي المستقر، بل تُكيف الوقائع تحت بنود الجنايات العادية مثل "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد" أو "الاستعمال المفضي إلى الموت" أو "التجمهر المصحوب بجرائم القتل".
القانون الدولي
بالمقابل، يستند القانون الدولي بحسب قانونيون إلى ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والقواعد العرفية الدولية التي تعتبر الجرائم ضد الإنسانية والقتل المنهجي الواسع النطاق موجهة ضد المدنيين بلا تقادم زمني.
ولا يعترف القانون الدولي بمرور الزمن عائقاً أمام ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتظل الولاية القضائية العالمية أو المحاكمات الجنائية الدولية قائمة وممكنة متى توفرت الإرادة السياسية أو الصلاحيات القضائية العابرة للحدود وإلا فإن الأمم المتحدة وفرت مبدأ لا يطبق في كثير من الأحيان "لكلِّ فرد حقُّ التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتُّع به خلاصًا من الاضطهاد. لايمكن التذرُّعُ بهذا الحقِّ إذا كانت هناك ملاحقةٌ ناشئةٌ بالفعل عن جريمة غير سياسية أو عن أعمال تناقض مقاصدَ الأمم المتحدة ومبادئها." المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
غياب المحاسبة لمدة 13 عامًا: هل يعني انتهاء إمكانية المحاسبة؟
ومن منظور القانون الجنائي الداخلي (المصري) فإن مرور 13 عامًا دون صدور أحكام قطعية أو اتخاذ إجراءات قاطعة للتقادم في الجرائم العادية يثير إشكاليات قانونية حول سقوط الدعوى بمرور المدة. غير أن هذا يتطلب مراجعة دقيقة لملفات القضايا لمعرفة ما إذا كانت هناك مذكرات توقيف، أو تحقيقات جارية، أو إجراءات قانونية اتُخذت وساهمت في قطع مدة التقادم.
ومن منظور العدالة الانتقالية والقانون الدولي فإن مرور الزمن لا يلغي الوقائع ولا يمحو الأثر القانوني للانتهاكات الجسيمة، وغياب المحاسبة طوال مدة زمنية معينة
يعد عائقًا سياسيًا وواقعيًا مؤقتًا وليس عقبة قانونية نهائية في حال توافر مسارات مستقبلية للعدالة الانتقالية.
يقول النقابي والطبيب د. محمد فتوح @mfatouh838: "أتعجب من الذين ما زالوا يبحثون عن مبررات للدماء التي سالت في رابعة العدوية، وكأن قتل المصريين يمكن أن يصبح مقبولًا حين تبرره السلطة أو السياسة.. رابعة ليست صفحة تُطوى.. إنها جريمة إنسانية وسياسية ستظل شاهدة على زمنٍ لا يجوز أن يتكرر.
لا تبرير للقتل، ولا حصانة فوق الحقيقة، ولا عدالة بلا محاسبة".
تغير النظام السياسي
ويراهن كثير من أولياء الدم (رغم أن القضية أكبر وتنحو بجهة المعركة الوجودية على حد قول المفكر رفيق حبيب) على تفعيل مسارات العدالة الانتقالية وأنه غالبًا ما تشهد التحولات السياسية الكبرى تشريعات أو آليات استثنائية (مثل لجان تقصي الحقائق، أو قوانين العزل السياسي، أو تعديل التشريعات الإجرائية لتمديد أو إلغاء التقادم عن جرائم بعينها).
ويعتبرون أن إعادة فتح الملفات وإلغاء القيود الإدارية يمكن وأن ذلك مرتبط بتغير السلطة الذي يزيل الحصانات والعراقيل العملية التي كانت تحول دون ملاحقة المسؤولين، مما يتيح للأجهزة القضائية الوطنية أو الهيئات المستقلة إعادة فحص الملفات المجمّدة.
وذلك لأن ترزية القوانين العسكرية والمدنية يحاولون حماية القتلة بكل الوسائل، فما يسمى ب "قانون الكيانات الإرهابية" يعدل للمرة الرابعة في 2020 وكل مرة يتفنون في تقنين القمع وإرهاب الدولة وشرعنة كل صنوف التخويف وتكبيل المجتمع وزجره عن التعبير حتى عن رأيه، فكل عمل سلمي بات إرهابا ، إنه نظام إرهابي خارج عن القانون الطبيعي ويتحصن بقانون أبو رجل مسلوخة" على حد قول الحقوقي والأكاديمي أسامة رشدي @OsamaRushdi.
وبحسب الأخضر الإبراهيمي (الدبلوماسي الدولي المخضرم): "إن ما جرى في رابعة كان صدمة للضمير العربي والدولي، ويؤكد أن غياب الحلول السياسية واللجوء للحلول الأمنية يترك جراحاً غائرة يصعب التئامها."
هل يمكن فتح ملفات "رابعة والنهضة" مستقبلًا؟
ومن الناحية العملية والقانونية؛ يمكن فتح أي ملف طالما ظلت الوثائق والشهادات محفوظة، وطالما لم يصدر حكم قضائي نهائي وبات (حكم براءة نهائي مستنفد لجميع درجات التقاضي لا يمكن نقضه).
والأحكام الصادرة في غياب أدلة كافية أو عبر مسارات إجرائية مقيدة لا تغلق الباب نهائيًا أمام إمكانية المراجعة متى توفرت ظروف سياسية وقضائية مختلفة.
قيمة الأدلة الموجودة
وتشكل شهادات الناجين وأقارب الضحايا؛ ركيزة أساسية من ركائز توثيق الحقائق التاريخية، وتعد أدلة شفوية معتبرة في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان الجماعية في مدى قبولها مستقبلاً.
وباتت الفيديوهات والصور الرقمية تكتسب قيمة عالية بعد خضوعها للتحليل الجنائي الرقمي (Digital Forensics) للتأكد من صحتها وعدم تعرضها للتلاعب، وتُستخدم لإثبات الزمان والمكان ونوعية الأسلحة والممارسات الميدانية.
والتقارير الدولية الصادرة عن المنظمات الأممية (مثل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان) ومنظمات دولية وازنة (مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية) تمثل أدلة قرينية قوية ومرجعية موثقة يمكن الاستناد إليها أمام اللجان الدولية والمحاكم المستقبلية لتأسيس النمط المنهجي للجريمة.