بعد 12 عامًا من “الحوارات” الفاشلة.. إثيوبيا تبدأ بالتصعيد وتطرد دبلوماسيًا مصريًا والقاهرة تكتفي بالمعاملة بالمثل

- ‎فيتقارير

بعد 12 عامًا من المفاوضات التي لم تنتهِ إلى اتفاق حاسم بشأن سد النهضة، تنتقل الأزمة المصرية الإثيوبية إلى مستوى جديد من التصعيد الدبلوماسي. فقد أعلنت أديس أبابا دبلوماسيًا مصريًا شخصًا غير مرغوب فيه وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، لترد مصر بإجراء مماثل ضد دبلوماسي إثيوبي، في تطبيق لمبدأ المعاملة بالمثل.

 

الواقعة تتزامن مع عودة القتال في إقليم تيجراي، وتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وتبادل الاتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة، فيما تربط أديس أبابا ما يجري داخل أراضيها بأدوار خارجية، من بينها الدور المصري. وفي المقابل، تنفي القاهرة التدخل في الشأن الإثيوبي وتؤكد تمسكها بحقوقها المائية وملف سد النهضة.

 

وتتسع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية الإثيوبية والقوى المناوئة لها، بالتزامن مع أزمة حادة بين أديس أبابا وأسمرة، وخلافات حول طموحات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، فضلًا عن ارتباط الأزمة بملفات السودان والبحر الأحمر وسد النهضة.

القاهرة ترد بالمثل

 

بحسب ما أوردته المواد الإعلامية المصرية، اعتبرت القاهرة الخطوة الإثيوبية «مؤسفة وغير مبررة»، وردت عليها وفق مبدأ المعاملة بالمثل. ونقلت الإعلامية لميس الحديدي أن مصر تتمسك بموقفها المعلن بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام القانون الدولي.

 

وفي السياق نفسه، نقلت «عربي بوست» عن مصدر مصري مطلع أن تجدد القتال في تيجراي لا يصب في مصلحة القاهرة، خلافًا لما يتداول بشأن إمكانية استفادة مصر من انشغال الحكومة الإثيوبية بأزمة داخلية. وقال المصدر إن استمرار الاضطرابات قد يؤدي إلى قيادة إثيوبية أكثر تشددًا ويزيد تعقيد أزمة سد النهضة.

لماذا تربط أديس أبابا القاهرة بأزمة تيجراي؟

 

تأتي الاتهامات الإثيوبية لمصر في وقت تحاول فيه حكومة آبي أحمد التعامل مع جولة جديدة من القتال في شمال البلاد، وسط اتهامات بالدعم الخارجي للأطراف المتصارعة. وتقول أديس أبابا إن مصر والسودان وإريتريا تقدم أشكالًا من الدعم للقوى المناوئة لها، بينما تنفي الدول المعنية ذلك.

 

ويربط الخطاب الإثيوبي بين التطورات العسكرية داخل البلاد وما تعتبره الحكومة تدخلات خارجية، في حين ترى القاهرة أن الزج باسمها في الصراع الداخلي لا يغير من طبيعة موقفها، وأن القضية الأساسية بالنسبة إليها هي مياه النيل وسد النهضة.

 

وتكتسب الاتهامات حساسية إضافية بسبب الخلاف الممتد حول السد، إذ لم تنجح جولات التفاوض السابقة في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قواعد الملء والتشغيل وآليات التعامل مع فترات الجفاف والنزاعات المستقبلية.

هاني إبراهيم: نقل الأزمة إلى الخارج

 

من أبرز الأصوات التي تناولت الاتهامات الإثيوبية الباحث في شأن النيل هاني إبراهيم (@HanyIbrahim)، الذي نشر سلسلة من التعليقات ركز فيها على ما اعتبره محاولة إثيوبية لتفسير الأزمة الداخلية من خلال افتراض وجود أطراف خارجية.

 

وفي منشور له، كتب إبراهيم أن الخطاب الإثيوبي «يحاول تقديم افتراضات سياسية» يرى أنها بعيدة عن الواقع الفعلي، معتبرًا أن هذا الطرح يتجاوز ما وصفه باختلالات داخلية ومسؤولية النظام الحاكم عن إدارة الأزمة.

 

كما تناول تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا (@HItefa)، بشأن تشكيل لجنة تعويضات بدعوى عرقلة مصر لنحو 22 مشروعًا إثيوبيًا، إضافة إلى مطالب مرتبطة بتكاليف التشجير وزراعة الأشجار.

 

وركز إبراهيم في رده على البنية المائية الإثيوبية، مشيرًا إلى بيانات مبادرة حوض النيل التي يقول إنها تتحدث عن وجود عدد كبير من السدود في إثيوبيا، وإلى تقارير صحفية ودراسات تناولت مشكلات مرتبطة ببعض هذه المشروعات.

 

وفي منشور آخر، أشار إلى تقرير نشرته صحيفة «المراسل الإثيوبي» في يوليو 2023 بشأن عدم جدوى بعض السدود، بحسب التقرير، لأسباب تتعلق بسوء التنفيذ وغياب بعض الدراسات وأعمال الصيانة. كما تناول ملف التشجير، معتبرًا أن توظيف أرقام زراعة الأشجار في السجال السياسي حول النيل يحتاج إلى مناقشة علمية منفصلة عن الخطاب السياسي.

 

ويربط إبراهيم أزمة تيجراي بالسياق الأوسع للبحر الأحمر والممرات المائية، كما انتقد في منشوراته التغطية الإعلامية العربية للحرب، معتبرًا أن بعض القنوات تضخم تقدم القوات الحكومية وتقلل من حجم التطورات على الجانب الآخر. وهذه مواقف وتقييمات إعلامية وسياسية من صاحب الحساب.

صلاح بديوي: حرب داخلية أم صراع إقليمي؟

 

أما الصحفي صلاح بديوي (@bedewi110)، فقد ركز على أن ما يجري في إثيوبيا ينبغي النظر إليه أساسًا باعتباره صراعًا داخليًا، وليس حربًا بالوكالة بين دول المنطقة.

 

وكتب بديوي أن «لا منتصر في إثيوبيا حتى الآن»، ووصف الحرب بأنها «أهلية بحتة»، مضيفًا أن دول الإقليم، بحسب تقديره، لا تؤدي الدور الذي ينسبه إليها البعض في إدارة الحرب، وإنما تنشغل أنظمتها بملاحقة معارضيها داخل حدودها وخارجها.

 

وفي طرحه، لا ينفي بديوي وجود مصالح إقليمية في إثيوبيا، لكنه يرفض اختزال مسار الحرب في فكرة أن دولة خارجية تدير العمليات العسكرية داخل البلاد. وأشار إلى أن بعض دول المنطقة تدعم حكومة آبي أحمد، وهو طرح يختلف عن الروايات التي تتحدث عن تدخل خارجي واسع لدعم المعارضة الإثيوبية.

 

ويضع هذا الطرح سؤالًا حول طبيعة الصراع في تيجراي: هل هو امتداد لأزمة إثيوبية داخلية بين الحكومة والقوى الإقليمية والإثنية المختلفة، أم تحول إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات مصر وإريتريا والسودان وقوى أخرى؟

الإمارات وإسرائيل في النقاش الإقليمي

 

على منصة «إكس»، طرح الذراع أحمد موسى (@ahmeda_mousa) رواية تربط التطورات الدبلوماسية بالأزمة الداخلية الإثيوبية، واتهم حكومة آبي أحمد بمحاولة تحميل أطراف خارجية مسؤولية أزماتها.

 

أما المخابراتي سامح عسكر (@sameh_asker)، فوسّع النقاش ليشمل الإمارات ودورها الإقليمي، وربط بين دعم أبوظبي لأطراف في السودان والصومال وبين موقفها من الحكومة الإثيوبية، كما انتقد التغطية الإعلامية الإماراتية والقطرية للأزمة. وهذه مواقف سياسية لصاحب الحساب وليست مواقف رسمية للدول المعنية.

 

ونشر حساب «الحكاية» (@Elhekayashow) مقاطع من حديث الذراع عمرو أديب بشأن التطورات الداخلية الإثيوبية، مرفقًا بعبارة «كل شيء مباح ومسموح من أجل مصلحة مصر»، كما نشر خبرًا عن سيطرة مجموعة موالية للحكومة على مطار عاصمة إقليم تيجراي.

تطورات ميدانية في تيجراي وأديس أبابا

 

بالتزامن مع التصعيد السياسي، ظهرت منشورات حول تطورات عسكرية وأمنية داخل إثيوبيا. ونشر حساب «القائد إبراهيم» (@IbrahemMoi11973) حديثًا عن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع عسكرية في أديس أبابا، وذكر أن تحالفًا معارضًا تبنى الهجوم.

 

وفي منشور آخر، قال الحساب إن قوات الدفاع الإثيوبية لم تدخل مكلي في الوقت الذي كتب فيه المنشور، وانتقد التغطية الإعلامية العربية للحرب، معتبرًا أن بعض القنوات تضخم تقدم القوات الحكومية.

 

أما التقارير الدولية فتحدثت عن اقتراب القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها من مكلي، مع استمرار القتال حول المدينة، وسط مخاوف من عودة المواجهات واسعة النطاق التي شهدها الإقليم خلال الحرب السابقة.

سد النهضة والبحر الأحمر

 

الموقف المصري الذي تنقله المصادر الرسمية والإعلامية يركز على نفي التدخل في الحرب الإثيوبية الداخلية، مع إبقاء التركيز على الحقوق المائية وأزمة سد النهضة.

 

ونقلت وكالة الأناضول أن اضطرابات إثيوبيا الداخلية، وتصاعد الخطاب بين القاهرة وأديس أبابا، وتراجع الاهتمام الدولي بالملف تمثل عقبات أمام استئناف مفاوضات سد النهضة. كما أشارت إلى تمسك مصر باتفاق قانوني ملزم وحقها في حماية أمنها المائي، مقابل وصف إثيوبيا لبعض التصريحات المصرية بأنها تحريضية.

 

وبالتوازي، يظهر البحر الأحمر في خلفية التصعيد، خصوصًا مع سعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري، وهو الملف الذي تنظر إليه إريتريا بحساسية في ظل امتلاكها ساحلًا وموانئ على البحر الأحمر.

 

ويرى الكاتب الصحفي محمود لعوتة أن الاهتمام المصري بالأزمة يتجاوز سد النهضة إلى توازنات استراتيجية مرتبطة بالبحر الأحمر، بينما يربط هاني إبراهيم بين أزمة تيجراي والتنافس الأوسع على الممرات المائية.

الاتحاد الإفريقي

 

في ظل تزامن هذه التطورات، دعا الاتحاد الإفريقي إلى ضبط النفس وتجنب الإجراءات التي يمكن أن تزيد التوتر بين دول المنطقة.

 

وفي هذا السياق، طرح هاني إبراهيم (@HanyIbrahim) فكرة نقل مقر الاتحاد الإفريقي من إثيوبيا إلى دولة أخرى، معتبرًا أن البعثات الدبلوماسية الموجودة في أديس أبابا مرتبطة كذلك بأعمال الاتحاد الإفريقي، وأن نقل المقر سيحمل تداعيات دبلوماسية وجغرافية على إثيوبيا. ويظل هذا الطرح موقفًا لصاحب الحساب، ولم يرد في المادة ما يثبت وجود مسار رسمي لنقل مقر الاتحاد.

 

وتظهر التغريدات والمواد الإعلامية المرفقة اختلافًا في تفسير الأزمة بين من يركز على جذورها الداخلية، كما في طرح صلاح بديوي، ومن يركز على الأدوار الخارجية والتنافس الإقليمي، كما في منشورات هاني إبراهيم وأحمد موسى والقائد إبراهيم، بينما تركز القاهرة على نفي التدخل في الشأن الإثيوبي وإبقاء ملف سد النهضة في صدارة خلافاتها مع أديس أبابا.