بعد أكثر من 12 عامًا على إقرار الدستور المصري الذي حظر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والعلانية، لا يزال الصحفيون والمواطنون يواجهون الملاحقات الأمنية والقضائية بسبب تقارير صحفية أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل استمرار العمل بتشريعات تتيح الحبس على خلفية ممارسة حرية التعبير.
وكشفت هذه المفارقة عن اتساع الفجوة بين النصوص الدستورية والتطبيق العملي، بعدما تحولت مواد قانونية تتعلق بنشر الأخبار الكاذبة أو إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الترويج لأفكار جماعات إرهابية، بحسب حقوقيين، إلى أدوات يمكن استخدامها لملاحقة الصحفيين بسبب محتوى منشور.
وتأتي الأزمة في ظل تراجع مصر إلى المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، وتصاعد المطالب داخل نقابة الصحفيين بتشكيل تحالف وطني واسع لمواجهة القيود التشريعية التي تحاصر العمل الصحفي وحرية الرأي والتعبير.
وفي ندوة نظمتها لجنة الحريات بنقابة الصحفيين مساء 10 أكتوبر الحالي، تحت عنوان "أثر عدم إصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر على العمل الصحفي وحرية الصحفيين"، حذر مشاركون من أن استمرار تجاهل الاستحقاقات الدستورية يهدد حق المجتمع في المعرفة، ويضع الصحفيين أمام مخاطر الحبس والملاحقة بسبب أداء عملهم.
من وعود حرية الصحافة إلى اتساع الملاحقات
شهدت العلاقة بين السلطة والصحافة في مصر تحولات حادة منذ الانقلاب علي الرئيس الراحل محمد مرسي في 3 يوليو 2013، وسط انتقادات حقوقية متواصلة بشأن القيود المفروضة على الإعلام وحرية التعبير.
وخلال حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي، أصدر قرارًا بقانون في أغسطس 2012 بإلغاء الحبس الاحتياطي في جرائم النشر، عقب أزمة حبس رئيس تحرير صحيفة "الدستور" إسلام عفيفي، في خطوة قدمتها الرئاسة آنذاك باعتبارها حماية لحرية الصحافة.
وبعد يوليو 2013، اتسع نطاق القيود المفروضة على العمل الصحفي، وفق تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية، مع تزايد حالات حبس الصحفيين وحجب المواقع الإلكترونية والملاحقات المرتبطة بالنشر عبر الإنترنت.
ورغم إقرار دستور 2014 ضمانات تتعلق بحرية الصحافة وحظر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، فإن هذه الضمانات ظلت، بحسب المشاركين في الندوة، مقيدة بنصوص قانونية أخرى تسمح باستمرار الملاحقة والحبس.
26 صحفيًا محبوسًا… واعتقال فريق "متصدقش" يفاقم الأزمة
قالت رئيسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إيمان عوف، إن عدد الصحفيين المحبوسين ارتفع من نحو 20 صحفيًا خلال الأسبوع السابق للندوة إلى 26 صحفيًا خلال أكتوبر الحالي، وفق بيانات النقابة.
وجاءت الزيادة بالتزامن مع اعتقال 6 من الصحفيين عاملين بمنصة "متصدقش"، في واقعة أثارت انتقادات حقوقية ومخاوف بشأن مستقبل الصحافة المستقلة في مصر.
وحذرت عوف من أن استمرار الوضع التشريعي الحالي قد يؤدي إلى زيادة أعداد الصحفيين المحبوسين، في ظل اتساع نطاق الاتهامات التي يمكن توجيهها بسبب نشر الأخبار أو رصد الوقائع في الشارع.
واستشهدت بواقعة صحفية في محافظة قنا نشرت بثًا مباشرًا يوثق غرق أحد الشوارع بمياه الصرف الصحي، قبل أن تواجه دعوى واتهامات بنشر أخبار كاذبة وإثارة المواطنين وقلب الرأي العام.
واعتبرت أن الواقعة تكشف حجم المخاطر التي قد يتعرض لها الصحفي أثناء نقل مشكلات المواطنين، حتى عندما يتعلق الأمر بتوثيق أزمة خدمية يومية.
المادة 71.. حظر دستوري تصطدم به القوانين
أوضحت إيمان عوف أن المادة 71 من دستور 2014 تحظر فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، باستثناء حالات محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة.
كما تحظر المادة توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، مع استثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، وفقًا لما يحدده القانون.
وأكدت أن الحظر الدستوري لا يمنح الصحفيين حصانة مطلقة من المساءلة، لكنه يضع حدودًا واضحة للعقوبات التي يمكن فرضها بسبب النشر.
وأشارت إلى أن عدم إصدار التشريعات اللازمة لتفعيل هذه الضمانات أبقى الباب مفتوحًا أمام تطبيق مواد من قانون العقوبات تعود إلى عقود سابقة.
واستعرضت مواد قالت إنها تُستخدم في قضايا النشر، بينها المواد 102 و102 مكررًا، و177 و178 و178 مكررًا، فضلًا عن المواد 181 و184 و186.
كما أشارت إلى مطالبة النقابة بحذف أو تعديل مواد أخرى تتيح الحبس في قضايا النشر، من بينها المواد 189 و190 و192 و193، بما يضمن اتساق التشريعات مع أحكام الدستور.
تغيير الاتهامات.. طريق للالتفاف على الحظر الدستوري
من جانبه، حذر المحامي والحقوقي نبيل جندي من أن الأزمة لا تتعلق بالصحفيين وحدهم، وإنما تمتد إلى المواطنين الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائهم أو توثيق المشكلات التي يواجهونها.
وقال إن الحماية الدستورية يجب أن تشمل كل من يمارس حق النشر، سواء كان صحفيًا مقيدًا بجداول النقابة أو مواطنًا يستخدم حسابه الشخصي.
وأوضح أن بعض الصحفيين يُقبض عليهم بسبب مواد منشورة، قبل أن تتحول الوقائع المرتبطة بعملهم إلى اتهامات أخرى، من بينها التحريض على ارتكاب جرائم أو اتهامات تتعلق بالإرهاب.
واعتبر أن هذه الممارسات تثير إشكالية قانونية تتعلق بإمكانية تجاوز الحظر الدستوري للحبس في جرائم النشر، من خلال تغيير الوصف القانوني للواقعة.
ودعا إلى مراجعة التشريعات بما يضمن عدم استخدام قوانين أخرى لفرض عقوبات سالبة للحرية على أفعال تدخل في نطاق الحماية الدستورية لحرية التعبير.
ثلاثة برلمانات دون قانون يمنع الحبس
انتقد وكيل نقابة الصحفيين، محمد سعد عبد الحفيظ، عدم إقرار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر رغم مرور أكثر من عقد على إقرار الدستور.
وقال إن ثلاثة برلمانات تعاقبت منذ عام 2014، هي برلمانات 2015 و2020 والبرلمان الحالي الذي بدأ عمله في يناير 2026، دون اتخاذ خطوات تشريعية كافية لمعالجة القوانين التي تسمح بحبس الصحفيين بسبب النشر.
وأشار إلى أن قوانين صدرت بعد الدستور، من بينها قانون الكيانات الإرهابية وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، تضمنت نصوصًا تتيح الملاحقة الجنائية في وقائع مرتبطة بالنشر والعلانية.
وأكد أن إقرار قانون واضح لمنع الحبس في قضايا النشر يمكن أن يوفر سندًا قانونيًا للمحامين عند المطالبة بإخلاء سبيل الصحفيين المحبوسين احتياطيًا بسبب عملهم.
وحذر عبد الحفيظ مما وصفه بـ "العدالة الانتقائية" التي قد تتحول إلى "انتقامية" في التعامل مع الصحفيين، مؤكدًا أن حرية الصحافة ليست امتيازًا مهنيًا، وإنما ضمانة أساسية لحق المجتمع في المعرفة ومراقبة أداء السلطة.
تحرك برلماني لجمع التوقيعات على مشروع القانون
في محاولة لتحريك الملف داخل مجلس النواب، أعلن النائب عاطف مغاوري عزمه البدء في جمع توقيعات النواب على مشروع قانون يمنع حبس الصحفيين في قضايا النشر، اعتبارًا من الاثنين 12 أكتوبر، موضحًا أنه سيتولى إعداد الأوراق اللازمة لعرض المشروع على أعضاء البرلمان، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات التشريعية المطلوبة.
وشدد مغاوري على أن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية وسّع نطاق النشر، فلم يعد التعبير عن الرأي حكرًا على الصحف والمؤسسات الإعلامية.
وأكد أهمية تقبل الرأي الآخر ما دام لا يتضمن اعتداءً على سلامة الوطن والمجتمع، معتبرًا أن الصحافة تمثل "عين المجتمع"، وأن دورها يشمل كشف أوجه القصور والفساد، وليس الاكتفاء بنشر الإنجازات.
خالد البلشي: استحقاق دستوري تأخر 12 عامًا
أكد نقيب الصحفيين خالد البلشي أن إصدار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر يمثل استحقاقًا دستوريًا تأخر تنفيذه، رغم بدء العمل على مشروع بهذا الشأن منذ عام 2014.
وأوضح أن إعداد المشروع شاركت فيه شخصيات قانونية وصحفية، من بينها الراحل حسين عبد الرازق وعلي عبد العال، رئيس مجلس النواب السابق.
وأشار إلى أن الحماية المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على الصحفيين، بل يجب أن تشمل جميع المواطنين الذين يمارسون حقهم في النشر والتعبير، ما دام المحتوى لا يتضمن تحريضًا على ارتكاب جرائم أو أفعالًا جنائية مستقلة.
وأضاف أن معالجة الأزمة تستلزم حزمة إصلاحات تشريعية، تشمل إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، ومراجعة المادة 12 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وتعديل النصوص التي تتيح ملاحقة الصحفيين بسبب عملهم.
ولفت إلى أن مطالب إلغاء الحبس في قضايا النشر تعود إلى سنوات طويلة، من بينها تحركات شهدتها الجماعة الصحفية عام 1996 وما قبله، معربًا عن أمله في ألا تظل النقابة مضطرة إلى تكرار المطالب نفسها مع كل أزمة جديدة.
غياب المعلومات يضاعف القيود على الصحافة
لم تقتصر المناقشات على قضية الحبس في جرائم النشر، بل امتدت إلى غياب قانون ينظم الحق في تداول المعلومات، رغم النص عليه دستوريًا.
وقالت البرلمانية السابقة سميرة الجزار إن عدم إتاحة البيانات والمعلومات يعرقل عمل النواب أنفسهم عند مناقشة التشريعات وإعدادها، ويحد من قدرتهم على تكوين صورة دقيقة عن القضايا المطروحة.
ويواجه الصحفيون بدورهم صعوبات في الوصول إلى البيانات الرسمية، بما يضعف قدرتهم على التحقق من المعلومات ومساءلة الجهات العامة.
ويؤكد المشاركون أن حرية النشر لا يمكن فصلها عن الحق في الحصول على المعلومات؛ إذ إن غياب البيانات الرسمية يفتح الباب أمام النزاعات المتعلقة بصحة الأخبار، بينما تظل الجهات المسؤولة عن إتاحتها بعيدة عن المساءلة.
اتهامات الإرهاب بدلًا من جرائم النشر
حذرت مسئولة وحدة الوثائق القانونية في مركز ذاكرة المعرفة للدراسات، أسماء عبد النعيم، من أن تعدد التشريعات التي تسمح بملاحقة الصحفيين باتهامات لا ترتبط مباشرة بطبيعة عملهم يؤدي إلى إفراغ الحظر الدستوري من مضمونه.
وأشارت إلى أن بعض الصحفيين يواجهون اتهامات بالترويج لأعمال إرهابية، دون وضوح الفعل المحدد الذي يشكل هذا الترويج أو الأدلة التي تربطه بالمادة المنشورة، وفقًا لرصدها للقضايا.
واعتبرت أن تغيير الوصف القانوني من جريمة نشر إلى جريمة أخرى قد يسمح باستمرار الملاحقة الجنائية، رغم وجود ضمانات دستورية لحماية حرية التعبير.
وفي السياق نفسه، قال عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات المدنية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن إصدار قانون يمنع العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة.
وأوضح أن هناك تشريعات أخرى تتيح الملاحقة باتهامات تشمل الانضمام إلى جماعة إرهابية أو تمويلها، أو استخدام وسائل تقنية المعلومات في ارتكاب جرائم.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق بالنصوص القانونية وحدها، وإنما تمتد إلى كيفية تطبيقها، محذرًا من أن توظيف التشريعات لمعاقبة الصحفيين والمواطنين بسبب التعبير عن آرائهم قد يؤدي إلى تجاوز الضمانات الدستورية.
استراتيجية حقوق الإنسان تنتهي دون تحقيق الإصلاحات
انتقد عبد الرحمن عدم تحقيق الإصلاحات التشريعية اللازمة لتفعيل ضمانات حرية التعبير خلال فترة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي انتهت في سبتمبر 2026.
وأشار إلى أن إصدار قانون يضمن الحق في تداول المعلومات، وهو أحد الأهداف المعلنة للاستراتيجية، لم يتحقق خلال فترة تنفيذها.
كما لفت إلى أن الاستراتيجية لم تتضمن هدفًا واضحًا لتعديل التشريعات بما يضمن التطبيق الفعلي للمادة 71 من الدستور، رغم استمرار الملاحقات المرتبطة بالنشر.
ودعا إلى توسيع التحرك الذي تقوده نقابة الصحفيين ليشمل النقابات المهنية والمنظمات الحقوقية والقوى المدنية والأحزاب السياسية، مؤكدًا أن القضية تتجاوز حدود المهنة، لأنها تتعلق بمستقبل الحريات العامة في مصر.
معركة تتجاوز الصحفيين إلى حق المجتمع في المعرفة
تكشف المناقشات التي شهدتها نقابة الصحفيين عن أزمة تتجاوز مجرد تأخر إصدار قانون، إلى استمرار فجوة بين الضمانات الدستورية والممارسات القانونية والأمنية المرتبطة بحرية التعبير.
فبعد 12 عامًا على إقرار الدستور، لا يزال الصحفيون يواجهون خطر الحبس بسبب عملهم، بينما قد يجد المواطن نفسه عرضة للملاحقة نتيجة منشور ينتقد أداء جهة حكومية أو يوثق مشكلة خدمية.
ومع ارتفاع عدد الصحفيين المحبوسين إلى 26، وفق بيانات النقابة، وتصاعد المطالب بإصلاح التشريعات، تتجه الأنظار إلى البرلمان لمعرفة ما إذا كان سيتحرك لإقرار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر، أم ستظل الضمانات الدستورية عاجزة عن توفير الحماية الفعلية للصحفيين والمواطنين.
وفي جوهرها، لا تتعلق هذه المعركة بحق الصحفي في ممارسة مهنته فحسب، وإنما بحق المجتمع في الاطلاع على المعلومات، وكشف الفساد، ومناقشة السياسات العامة، والتعبير عن الرأي دون الخوف من الحبس أو الملاحقة.