مصر رابع أكبر المقترضين من “صندوق النقد”.. دولار السيسي يتجاوز 53 ويتجه إلى 54 جنيها بالبنوك

- ‎فيتقارير

اقترب سعر الدولار الأمريكي من مستوى 53 جنيهًا، متجاوزًا هذا الحاجز في البنوك المصرية خلال أكتوبر 2026، في تطور أعاد ملف تراجع العملة المحلية إلى الواجهة، بالتزامن مع استمرار اعتماد الحكومة على برامج التمويل الخارجي، وارتفاع مديونية مصر لصندوق النقد الدولي إلى نحو 10.7 مليار دولار وفق بيانات نهاية سبتمبر الماضي.

 

وبحسب بيانات أسعار الصرف المنشورة في 15 أكتوبر الجاري، سجل الدولار نحو 53.53 جنيهًا للشراء و53.45 جنيهًا للبيع في البنك الأهلي المصري وبنك مصر، وفق الأسعار التي أوردها موقع «عرب فاينانس». ويأتي ذلك بعدما كان الدولار يدور حول 7 جنيهات في عام 2014، بما يعكس اتساع الفجوة بين قيمة العملة المحلية قبل أكثر من عقد ومستوياتها الحالية.

 

https://arabfinance.com/en/news/newdetails/usd-egp-exchange-rates-exceed-egp-53-at-local-banks

من 7 جنيهات إلى أكثر من 53.. رحلة تراجع الجنيه

وسلّط "حزب تكنوقراط مصر" الضوء على مسار تراجع العملة المحلية، متسائلًا عن أسباب اقتراب الدولار من 53 جنيهًا، والمسؤول عن تكلفة هذا التراجع على الاقتصاد والمواطنين.

وفي منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، أشار الحزب إلى أن الدولار ارتفع من نحو 7.08 جنيهات عام 2014 إلى قرابة 49.8 جنيهًا وفق المتوسطات السنوية التقريبية لعام 2025، قبل تجاوزه مستويات 52 جنيهًا خلال أكتوبر 2026.

وربط المنشور بين هذا المسار والتحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر، بداية من تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، مرورًا بموجات خفض قيمة الجنيه خلال السنوات اللاحقة، وصولًا إلى قرار مارس 2024 بخفض جديد للعملة وتوسيع برنامج صندوق النقد الدولي.

 

https://x.com/egy_technocrats/status/2110821412541796688

التعويم وبرامج صندوق النقد.. استقرار مؤقت أم معالجة للأزمة؟

وبدأت التحولات الكبرى في سوق الصرف المصري مع تحرير سعر الجنيه في نوفمبر 2016، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي، وانتقل الدولار حينها من مستويات تقل عن 9 جنيهات إلى نحو 18 جنيهًا، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية للأسر.

وبعد فترة من الاستقرار النسبي بين عامي 2018 و2021، عادت الضغوط بقوة مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، وخروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، وارتفاع احتياجات التمويل الخارجي.

وفي مارس 2024، خفّضت السلطات المصرية قيمة الجنيه مجددًا، ورفعت أسعار الفائدة، بالتزامن مع توسيع برنامج صندوق النقد الدولي من 3 مليارات دولار إلى نحو 8 مليارات دولار.

لكن عودة الدولار إلى تجاوز 50 جنيهًا ثم الاقتراب من 53 جنيهًا تثير تساؤلات بشأن مدى قدرة الإجراءات المتبعة على تحقيق استقرار مستدام لسوق الصرف، وتقليص اعتماد الاقتصاد على التمويل الخارجي.

ولا يعني تراجع الجنيه وحده أن برامج الصندوق لم تحقق أي نتائج؛ فالحكم على أثرها يتطلب النظر كذلك إلى التضخم والاحتياطيات وتوافر النقد الأجنبي والنمو والصادرات، إلى جانب تكلفة التمويل والالتزامات المستقبلية.

مصر رابع أكبر المدينين للصندوق.. نحو 10.7 مليار دولار

في موازاة تراجع الجنيه، تكشف بيانات صندوق النقد الدولي عن استمرار حجم الالتزامات المصرية تجاه المؤسسة الدولية.

فبحسب قاعدة بيانات الصندوق، بلغت مديونية مصر القائمة نحو 7.86 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة في 30 سبتمبر 2026، بما يعادل قرابة 10.7 مليار دولار وفق سعر الصرف المستخدم في البيانات.

وتضع هذه الأرقام مصر بين أكبر الدول المدينة للصندوق، في المرتبة الرابعة وفق الترتيب المشار إليه في البيانات المتداولة، بعدما كانت تحتل المركز الثاني في سبتمبر 2023، عندما بلغت مديونيتها نحو 12.38 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة، أو ما يقارب 16.4 مليار دولار.

وتشير المقارنة بين نهاية 2025 وسبتمبر 2026 إلى ارتفاع القيمة الدولارية المقدرة للمديونية من نحو 8.4 مليار دولار إلى 10.7 مليار دولار، أي بنحو 27.4%.

ويجب التمييز هنا بين ارتفاع رصيد الدين وبين قيمة المبالغ التي يصرفها الصندوق في كل مراجعة؛ فالرصيد يتأثر بالسحوبات والسداد وتغيرات أسعار الصرف، كما أن تحويل حقوق السحب الخاصة إلى الدولار قد يغير القيمة المحسوبة من دون أن يعكس وحده زيادة مماثلة في أصل الدين بوحدته المحاسبية.

https://www.imf.org/external/np/fin/Tad/extcredt1.aspx?date1key=2026-09-30&dateyear=2026-09-30&memberKey1=275&roption=M

 

برنامج الـ8 مليارات دولار يقترب من نهايته.. هل تطلب القاهرة تمويلًا جديدًا؟

ومع اقتراب موعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي الحالي في ديسمبر 2026، عاد الجدل بشأن مستقبل علاقة الحكومة المصرية بالمؤسسة الدولية، وما إذا كانت القاهرة ستتقدم بطلب للحصول على برنامج تمويل جديد.

وكان الصندوق قد وافق في ديسمبر 2022 على برنامج بقيمة 3 مليارات دولار، قبل زيادة حجمه إلى نحو 8 مليارات دولار في مارس 2024، في إطار ترتيبات تمويلية مشروطة بتنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية.

وفي المقابل، أعلن رئيس حكومة السيسي؛ مصطفى مدبولي في يونيو الماضي أن الحكومة لا ترى حاجة في الوقت الراهن إلى برنامج تمويل جديد بعد انتهاء البرنامج الحالي.

لكن انتهاء البرنامج لا يعني اختفاء احتياجات التمويل الخارجي أو الالتزامات القائمة، كما أن أي اتفاق جديد يظل مرهونًا بقرار الحكومة والتفاوض مع الصندوق والاتفاق على الشروط والإجراءات المطلوبة.

وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن في فبراير 2026 استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التسهيل الممدد، بما أتاح تمويلًا إضافيًا بنحو ملياري دولار ضمن البرنامج، إلى جانب نحو 273 مليون دولار في إطار تسهيل منفصل للاستدامة والمرونة.

https://www.imf.org/en/news/articles/2026/02/26/pr-26064-egypt-imf-completes-5th-and-6th-revs-under-ext-arrange-under-eff-and-1st-rev-under-rsa

 

وتظل المسألة الأساسية هي ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من تعزيز الموارد الدولارية الذاتية، وزيادة الصادرات والاستثمار الإنتاجي، بما يقلل الحاجة إلى الاقتراض المتكرر لتغطية الفجوات التمويلية.

 

من التسعينيات إلى ما بعد 2016.. كيف تضخمت مديونية مصر للصندوق؟

تُظهر البيانات التاريخية الواردة في المادة أن مديونية مصر لصندوق النقد الدولي كانت محدودة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إذ سجلت نحو 215 مليون دولار في 1984، قبل أن تتراجع تدريجيًا خلال السنوات التالية.

وخلال التسعينيات، واصلت المديونية الانخفاض، حتى اختفت القروض القائمة بحلول عام 1997، بحسب الأرقام المشار إليها في قاعدة بيانات الصندوق.

لكن المسار تغير بعد عام 2016، مع لجوء مصر إلى برامج تمويل أكبر لمواجهة اختلالات الاقتصاد الكلي واحتياجات النقد الأجنبي. وارتفعت المديونية في السنوات التالية، مسجلة مستويات مرتفعة خلال أزمة التمويل التي تزامنت مع تداعيات جائحة كورونا وما أعقبها من صدمات عالمية.

ويعكس هذا التحول اختلافًا كبيرًا بين مرحلة كانت فيها مديونية مصر للصندوق محدودة، ومرحلة أصبح فيها التمويل الدولي عنصرًا مهمًا في إدارة احتياجات الاقتصاد.

ومع ذلك، فإن المقارنة التاريخية لا تكفي وحدها لتقييم السياسات الاقتصادية؛ إذ ينبغي وضع الدين في سياق حجم الاقتصاد والاحتياطيات وإجمالي الالتزامات الخارجية وتكلفة خدمتها والقدرة على توليد موارد دولارية مستدامة.

حقوق السحب الخاصة.. ما طبيعة المديونية المعلنة؟

وتعتمد بيانات صندوق النقد الدولي في تسجيل جزء من التزامات الدول على وحدة حساب تُعرف باسم حقوق السحب الخاصة (SDR)، وهي أصل احتياطي دولي أنشأه الصندوق عام 1969، وليست عملة مستقلة متداولة مثل الدولار أو اليورو.

وتُحدد قيمة هذه الوحدة استنادًا إلى سلة من خمس عملات رئيسية هي الدولار الأمريكي واليورو واليوان الصيني والين الياباني والجنيه الإسترليني.

وتُستخدم حقوق السحب الخاصة في حساب بعض الالتزامات المالية والمعاملات بين الصندوق والدول الأعضاء، ولذلك، فإن التعبير عن المديونية بالدولار هو تحويل تقريبي لقيمة الرصيد بوحدة حقوق السحب الخاصة، وليس بالضرورة القيمة الدولارية الثابتة نفسها في كل تاريخ.

وتكتسب هذه النقطة أهمية عند مقارنة الأرصدة عبر السنوات، خصوصًا عندما تتغير أسعار الصرف أو تتباين تواريخ احتساب البيانات.

أين ذهبت الموارد؟

ويرى مراقبون للسياسات الاقتصادية المصرية أن التوسع في الاقتراض والإنفاق على المشروعات الكبرى، من دون تحقيق عائد إنتاجي أو دولاري يتناسب مع حجم الالتزامات، ساهم في زيادة الضغوط على الاقتصاد.

فالقروض توفر تمويلًا آنيًا، لكنها تخلق التزامات مستقبلية تشمل سداد أصل الدين والفوائد، وإذا لم تترافق مع زيادة مستدامة في الإنتاج والصادرات والإيرادات الأجنبية، فقد تتجدد الحاجة إلى مصادر تمويل جديدة لتغطية الالتزامات القائمة.

ولا يقتصر النقاش على جدوى البنية التحتية في حد ذاتها، بل يمتد إلى ترتيب أولويات الإنفاق، وشفافية التكلفة، والعائد الاقتصادي للمشروعات، ومدى مساهمتها في خلق فرص العمل وزيادة القدرة التصديرية.

وفي المقابل، تواجه مصر ضغوطًا خارجية لا يمكن تجاهلها، تشمل ارتفاع تكاليف التمويل العالمي، واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، والتوترات الإقليمية، وتقلبات أسعار الطاقة، فضلًا عن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية في الأسواق العالمية.

لكن أثر هذه الصدمات يتوقف أيضًا على مدى قدرة السياسات الاقتصادية على بناء احتياطيات كافية، وتنويع مصادر الدخل الأجنبي، وتعزيز دور القطاع الخاص والإنتاج المحلي.

في مواجهة فاتورة تراجع الجنيه

ولا يقتصر أثر ارتفاع الدولار على سوق الصرف أو حسابات الحكومة، بل يمتد إلى تكلفة المعيشة والإنتاج.

فتراجع قيمة الجنيه يرفع تكلفة استيراد السلع ومستلزمات الإنتاج والأدوية والأجهزة ومدخلات الزراعة والصناعة، وقد تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى أسعار المستهلكين، بحسب طبيعة السلعة وحجم المكون المستورد والمنافسة في السوق.

كما تواجه الشركات صعوبة في التخطيط طويل الأجل عندما تتعرض تكاليف الاستيراد والتمويل لتقلبات حادة، بينما ترتفع القيمة بالجنيه للالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية.

وفي ظل هذه الضغوط، تصبح قدرة الأجور والمعاشات على مواكبة الأسعار عاملًا أساسيًا في تحديد الأثر الاجتماعي للأزمة، إذ لا يكفي قياس التحسن الاقتصادي من خلال المؤشرات المالية وحدها إذا لم ينعكس على القوة الشرائية ومستويات المعيشة.