أرشيف القادة الشهداء بالميدان.. غُرَفٌ جديدة لإدارة القسام بعد استشهاد قيادات الصف الأول؟

- ‎فيعربي ودولي

لم يظهر قادة كتائب القسام في صور الفنادق، ولا في صالات الاجتماعات الدبلوماسية بأنقرة أو الدوحة، ولا في مشاهد الاستقبال الرسمي بالعواصم، المشاهد التي أثارت الاهتمام جاءت من سياق مختلف تماماً: مواقع ميدانية، ولقاءات في ظروف الحرب، وصور لقادة كانوا يعيشون تحت تهديد الاستهداف، فيما أظهر أحد المقاطع قائداً يؤدي الصلاة جالساً على كرسيه.

 

هذه الصور، إلى جانب ظهور قائد لواء غزة في كتائب القسام ضمن برنامج "ما خفي أعظم" على قناة الجزيرة، أعادت طرح سؤال يتجاوز استعادة صور القادة الذين استشهدوا خلال الحرب: كيف تستمر المؤسسة بعد مقتل عدد كبير من قياداتها؟ وهل يمثل ظهور شخصيات جديدة إعلاناً عن انتقال القيادة إلى جيل آخر، أم أن ما نشاهده هو كشف متأخر عن أرشيف سابق، أتيح نشره بعدما زالت الاعتبارات الأمنية المرتبطة بأصحابه؟

المهم هنا التمييز بين ثلاثة مستويات: أرشيف يوثق مرحلة سابقة، ورسالة إعلامية تسعى إلى تثبيت صورة الاستمرارية، وواقع تنظيمي وعسكري لا يمكن استنتاج تفاصيله أو بنيته الجديدة من مجرد ظهور الأشخاص أمام الكاميرات.

فالفيديوهات لا تثبت وحدها ولادة غرفة قيادة جديدة، ولا تكشف من يشغل مواقع القيادة الحالية أو طبيعة علاقات المسؤولية داخلها، لكنها تفتح نقاشاً واسعاً حول معنى الخلافة القيادية، وقدرة التنظيم على الاستمرار بعد الخسائر البشرية الكبيرة، ومن يملك رواية تاريخ المرحلة التي شهدت مقتل معظم قادته المعروفين.

أرشيف أعاد القادة إلى المشهد

شكلت حلقة "ما خفي أعظم"، نقطة تحول في النقاش حول تاريخ القيادة العسكرية للقسام، بعدما عرضت مشاهد ووثائق وتسجيلات لم تكن منشورة من قبل، تتناول سيرة القائد العام السابق محمد الضيف (@محمد_الضيف)، وعلاقاته بقيادات الصف الأول، ومحطات من تاريخ الحركة العسكري.

وأظهرت المشاهد اجتماعات جمعت الضيف بعدد من القادة، بينهم يحيى السنوار ومروان عيسى ومحمد السنوار ورائد سعد وأحمد الغندور ورافع سلامة وعز الدين الحداد، داخل مواقع تحت الأرض.

وبحسب معد البرنامج تامر المسحال، فإن القادة الذين ظهروا في تلك الاجتماعات استشهدوا جميعاً، وهو ما منح الصور دلالة تتجاوز قيمتها التوثيقية؛ إذ تحولت إلى سجل بصري لقيادة عسكرية غابت شخصياتها الأساسية عن المشهد.

ولم تقتصر الحلقة على الصور الجماعية، بل عرضت مشاهد للضيف وهو يتحرك داخل الأنفاق، ويلتقي رفاقه، ويشاركهم الصلاة، إلى جانب وثائق وشهادات تتناول تاريخ القيادة العسكرية للقسام منذ الانتفاضة الأولى وحتى حرب غزة.

ومن أبرز ما أثار الاهتمام ظهور قادة في ظروف جسدية وصحية بالغة الصعوبة، ومن بينها مشهد القائد الذي يصلي جالساً على كرسيه، وهي صورة أعادت النقاش حول حياة القادة في سنوات المطاردة والحرب، وما تعنيه مشاهدتهم في لحظات إنسانية بعيدة عن البيانات العسكرية والخطابات الرسمية.

كما أعادت الحلقة طرح سؤال الذاكرة: لماذا خرجت هذه المواد إلى العلن الآن؟ وهل كان نشرها ممكناً قبل استشهاد أصحابها، أم أن رحيلهم أتاح عرض أرشيف ظل محاطاً بالسرية سنوات طويلة؟

الجزيرة – «ما خفي أعظم» يكشف وثائق سرية ومشاهد حصرية لتاريخ محمد الضيف 

وتناولت الجزيرة في تقرير لاحق بتاريخ 31 أكتوبر الوثائق التي عرضتها الحلقة، ومن بينها محضر اجتماع قيادي يعود إلى فبراير 2023.

الجزيرة – وثائق «ما خفي أعظم».. كيف أديرت كواليس طوفان الأقصى؟ 

تركوا جيلاً من القيادات

ورسالة ياسين عز الدين (@yaseenizeddeen) أنه قرأ ظهور قائد لواء غزة في البرنامج باعتباره رسالة تتعلق باستمرار المؤسسة، رغم الخسائر الكبيرة التي طالت قياداتها خلال الحرب.

وكتب الصحفي ياسين: "ارتقى جميع قادة القسام الذين في الصورة، وارتقى أغلب قادة حماس خلال الحرب، رغم ذلك ما زالت تعمل وما زالت صامدة وتقاوم وتحارب".

 

وربط الكاتب بين استضافة القائد الحالي للواء غزة وبين ظهور جيل جديد من القيادات، معتبراً أن الشهداء لم يتركوا فراغاً بشرياً وتنظيمياً كاملاً، بل تركوا وراءهم جيلاً يحمل المسؤولية.

وأضاف: "استضافة القائد الحالي للواء غزة في كتائب القسام في البرنامج، هي رسالة من الحركة أن الشهداء رحلوا لكنهم تركوا جيلاً بأكمله من القادة".

ويختتم عز الدين منشوره بعبارة: "إن سقط منا قائد خرج من تحت الركام ألف قائد حتى الانتصار وتحرير الأقصى بإذن الله"، تصوراً منه عن الاستمرارية عبر تعاقب الأجيال، لكنه لا يقدم دليلاً مستقلاً على تشكيل غرفة قيادة جديدة أو تحديد هويتها.

لماذا تخرج المقاومة أرشيفها السري الآن؟

وقدم المحلل  السياسي أدهم أبو سلمية (@AdhamSelmiya)  قراءة مختلفة تركز على توقيت إخراج الأرشيف، معتبراً أن نشر المشاهد بعد استشهاد معظم القادة الذين يظهرون فيها يغير طبيعة المخاطر المرتبطة بكشفها.

وكتب تحت عنوان «لماذا تنشر المقاومة جانباً من أرشيفها السري؟!!»: "في تقديري أن إخراج هذا الأرشيف بعد استشهاد معظم القادة الظاهرين فيه يؤدي أربع وظائف».

ثم حدد الوظائف التي يراها وراء النشر، وفي مقدمتها تحويل المواد السرية إلى ذاكرة تاريخية، وتثبيت الرواية الفلسطينية، وإظهار الطابع المؤسسي للقيادة، وصناعة إرث للقادة الذين رحلوا.

وفي تفسيره لوظيفة الأرشيف، كتب: "ما كان إظهاره خطراً أمنياً في حياتهم أصبح بعد رحيلهم مادة للتاريخ".

كما أضاف أن نشر هذه المشاهد يهدف إلى تقديم القادة باعتبارهم حلقات في مسار ممتد، وليس شخصيات منفصلة ارتبطت بعملية أو مرحلة واحدة.

ويختم أبو سلمية قراءته بالقول: "فالحلقة ليست كشفاً صحفياً فقط؛ إنها أيضاً معركة على مَن يكتب الذاكرة، وبأي كلمات ستعرف الأجيال ما جرى".

وفي منشور آخر، استعاد صورة القادة ومنازلهم، وكتب: "هذه قصورهم! يا لعار أمةٍ خذلتهم، ويا لعار من وقف في صف عدوهم".

وتحدث عن الظروف التي عاشوا فيها، وعن مساهماتهم الشخصية في بناء ما يصفه بالقدرات العسكرية للحركة، مختتماً بالترحم عليهم والقول إنهم أدوا الأمانة.

https://x.com/AdhamSelmiya/status/2116320010289451126 

قرار الطوفان لم يكن قراراً فردياً

وركز المحلل السياسي الغزاوي سعيد زياد (@saeedziad710)  في قراءته على الجانب القيادي والسياسي الذي كشفته الحلقة، وخصوصاً طبيعة النقاشات التي سبقت السابع من أكتوبر 2023.

ويرى زياد أن المواد المعروضة تناقض الروايات التي اختزلت قرار العملية في شخص يحيى السنوار أو دائرة محدودة من المقربين منه.

وكتب: "لم يكن قرار الطوفان فردياً استأثر به السنوار وأخوه، أو قراراً ناتجاً عن حلقة قيادية ضيقة كما روجت بعض المزايدات والمناكفات، بل كان قراراً جماعياً شارك فيه كافة أعضاء المجلس العسكري في القطاع بلا استثناء واحد منهم".

كما توقف عند ما اعتبره تبايناً في تقديرات القادة بشأن العملية، مشيراً إلى أن الحلقة عرضت اختلافاً في تقديراتهم للمخاطر، وأن بعضهم لم يمنح موافقته النهائية بصورة مطلقة.

وكتب في منشوره أن القادة لم يكونوا، بحسب الوثائق والشهادات التي ناقشها، مندفعين إلى اتخاذ القرار في لحظة انفعال، بل جرى تداوله على مدى فترة طويلة.

وفي قراءة أخرى للشخصيات التي ظهرت في الحلقة، كتب زياد: "ظهر الرجل الذي لطالما وصف بالجنون في نهاية المطاف إنساناً رقيق القلب يتأثر بقضايا شعبه حد البكاء".

وتحدث عن ظهور محمد الضيف بصورة إنسانية مختلفة عن صورته العامة، مشيراً إلى اهتمامه بالفن والمسرح، وإلى إدراكه لأهمية السردية ومخاطبة الناس، وتعكس قراءة زياد اهتماماً بكيفية اتخاذ القرار داخل القيادة السابقة، وبالمسافة بين الصورة الإعلامية للقادة وما تكشفه التسجيلات عن شخصياتهم وحواراتهم.

https://x.com/saeedziad710/status/2116541599094030810 

السنوار يقود إلى بقية القادة

وتناول الكاتب د. أمين الشامي (@aminalshami5)   الحلقة من زاوية البحث التاريخي في سيرة القادة، مشيراً إلى أن دراسة شخصية يحيى السنوار لا يمكن أن تكتمل دون تتبع الشخصيات التي أحاطت به وشاركت في مراحل العمل القيادي.

وكتب: "لقد وفقني الله للكتابة عن قادة حماس، والغوص في حياتهم من الأساس، وكان محور الحديث يحيى السنوار، لكنك لن تستطيع السير في المسار، إلا بتتبع الأسرار والأخبار، ومعرفة من حوله من القادة الأخيار".

ويقول الشامي إن سؤالاً ظل يطارده خلال بحثه في سيرتهم، يتعلق بكيفية وصول الاحتلال إلى مخابئهم، ولماذا انتهت الحرب باستشهاد عدد كبير من القيادات التي ظهرت في الأرشيف.

وأضاف أن مشاهد الاجتماع والصلاة بين القادة تعيد إحياء أسئلة تتعلق بحياتهم وملابسات مقتلهم، وبالظروف التي أحاطت بقيادتهم خلال سنوات المطاردة.

ويستشهد الشامي بالآية القرآنية: "يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم"، في سياق حديثه عن السرية والاحتياطات الأمنية.

https://x.com/aminalshami5/status/2116957110982660533 

الرسالة موجهة إلى الجيل الذي تسلم المسؤولية

الباحث في الشأن العسكري محمود جمال (@mahmoud14gamal) قرأ نشر الفيديوهات باعتباره رسالة معنوية تتجاوز استعادة تاريخ القادة الذين استشهدوا، لتصل إلى الأجيال الحالية داخل الحركة.

وكتب: "من خلال إخراج هذه الفيديوهات، توجه المقاومة رسالة معنوية مباشرة إلى عناصرها وأجيالها الحالية".

ويرى أن استحضار أسماء قادة مثل محمد الضيف ورائد سعد ومحمد شبانة، وغيرهم، يحمل معنى انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر، وأن من يتولى المسؤولية اليوم مطالب بالتعامل مع إرث مرحلة سابقة.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما طرحه ياسين عز الدين بشأن استمرار القيادة، لكنها تركز بصورة أوضح على الوظيفة المعنوية والإعلامية للأرشيف، وعلى مخاطبة جمهور الحركة وأعضائها.

رواية شخصية عن السنوار

واستعاد د. فايز أبو شمالة (@FayezShamm18239) تجربتين شخصيتين جمعته بيحيى السنوار، قبل سنوات من مقتله، تكشفان جانباً من طبيعة التعامل الشخصي للسنوار مع المحيطين به، وحرصه على تصحيح المعلومات المتعلقة بالقيادة العسكرية.

وقال أبو شمالة: "إنه اكتشف خلال صلاة الجمعة في مسجد القبة بخان يونس أن الشخص الذي يصلي إلى جواره هو يحيى السنوار، مشيراً إلى أن الأخير صافحه بعد الصلاة وخرج بمفرده دون مرافقين".

وأضاف أنه التقى السنوار مرة أخرى خلال تقديم واجب العزاء لعائلة الزهار، وأن السنوار اقترب منه وأخذه جانباً ليصحح معلومة وردت في منشور سابق له.

 

وكتب أبو شمالة أن السنوار قال له: "أنت قلت في منشورك إن يحيى السنوار هو قائد كتائب القسام؛ وهذا خطأ، قائد كتائب القسام هو محمد الضيف". فصحح المعلومة في منشور لاحق".

وتكتسب هذه الشهادة أهمية في سياق النقاش حول الفصل بين القيادة السياسية لحماس والقيادة العسكرية للقسام، كما تقدم رواية شخصية عن حرص السنوار على عدم الخلط بين موقعه السياسي وموقع محمد الضيف العسكري.

صورة إنسانية خارج الصورة العسكرية

وتوقف أبو حفص (@Funndamentalist)  عند مشهد القائد الذي ظهر وهو يؤدي الصلاة جالساً على كرسي، وقرأ الصورة من زاوية دينية وإنسانية، رابطاً إياها بما ورد في الروايات عن صلاة النبي محمد ﷺ جالساً بعد أن أصابه الإعياء.

وكتب: "رؤية الرجل الذي أمضى حياته كلها في الجهاد وهو يصلي جالساً تبعث في النفس شعور بأن هذا المشهد مألوف، وأنه حلقة في سلسلة متصلة يعود سندها إلى المجاهد الأول في هذا الدين، محمد ﷺ".

واستشهد بما ورد في الأثر عن صلاة النبي ﷺ قاعداً بعدما حطمه الناس، في محاولة لإضفاء دلالة دينية على المشهد.

وتبرز في هذه القراءة صورة مختلفة عن الصور العسكرية المعتادة؛ إذ يصبح الجسد المتعب والجلوس أثناء الصلاة جزءاً من الذاكرة التي يتداولها المتابعون، وليس مجرد تفصيل عابر في تسجيل أرشيفي.

غرفة قيادة جديدة

السؤال الذي يتقدم على بقية الأسئلة بعد عرض هذه المواد هو ما إذا كان ظهور قائد لواء غزة، إلى جانب استعادة صور القادة الذين استشهدوا، يعكس انتقالاً إلى مرحلة قيادية جديدة داخل القسام، أو أن الأمر يتعلق أساساً بكشف أرشيف قديم وإظهار شخصيات كانت موجودة في المشهد منذ سنوات، لكنها لم تكن معروفة إعلامياً.

ثمة فارق بين ظهور قيادة جديدة أمام الكاميرات وبين إعلان تشكّل غرفة قيادة جديدة، الأول واقعة إعلامية يمكن مشاهدتها وتوثيقها، أما الثاني فيحتاج إلى معلومات مستقلة عن الهيكل القيادي والقرارات والتعيينات، ولا يمكن إثباته بالصور وحدها.

وتسمح المواد المعروضة بقراءة ثلاثة أبعاد رئيسية للمشهد:

البعد التاريخي: إخراج أرشيف القادة الشهداء وتحويل تسجيلاتهم إلى مادة توثيقية تحفظ صورة القيادة السابقة.

البعد المؤسسي: تقديم صورة عن تعاقب القيادات وعدم اختزال المؤسسة في شخصيات الصف الأول التي استشهدت.

البعد الإعلامي: مخاطبة جمهور فلسطيني وعربي، وإعادة صياغة الذاكرة العامة للحرب والقادة الذين ارتبطت أسماؤهم بها.

وفي المقابل، تبقى أسئلة الخلافة الفعلية، وهوية أصحاب القرار الحاليين، وطبيعة الهيكل القيادي بعد الخسائر، مسائل لا تجيب عنها الحلقة بصورة كاملة.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الأرشيف الذي يكشف الماضي، والظهور الإعلامي الذي يقدم الحاضر، والمعلومات المستقلة التي يمكن أن تثبت ما طرأ على بنية القيادة.

فالمشهد الذي يجمع القادة الشهداء حول طاولة واحدة، ومشهد الصلاة، وشهادة القائد الذي ظهر في البرنامج، لا يقدم مجرد استعادة لوجوه غابت؛ بل يفتح نقاشاً حول معنى المؤسسة عندما تفقد معظم رموزها، وحول الكيفية التي تتحول بها ذاكرة الجيل السابق إلى جزء من هوية الجيل اللاحق.

 

حلقة الجزيرة «ما خفي أعظم» – 30 أكتوبر 2026 .

الجزيرة – وثائق «ما خفي أعظم» – 31 أكتوبر 2026 .