كتب- سيد توكل:
"تسهل الكتابة عن الألم"، عبارة جانبها الصواب خصوصًا لمن عاين هذا الألم وعايشه، أربعة أعوام مرت على مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية أم المذابح ولم تسكن الذكرى ولم يهدأ الألم.
لم يتبق للمراقبين شيء يصفون به أم المذابح المروعة، بعد أن شاهدها ملايين عبر بث حي من داخل الاعتصام نفسه، وقت حدوث الفض وعبر تقارير حقوقية عدة وثقت جرائم القتل والحرق، وشهادات عن الدم الذي سال ولم تشربه أرضية الميدان، يبقى فقط ذكرى المواقف التي لا تنسى والألم الشخصي.
وبالأمس مرت الذكرى الرابعة لمذبحة فض اعتصامي رابعة والنهضة، وتذكر ناشطون وسياسيون في تغريدات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد وصور ضحايا المجزرة الذين رفضوا انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب «محمد مرسي»، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، مؤكدين أنهم لن ينسوهم.
ولفت الناشطون إلى أن «مذبحة رابعة» هي الأكبر في تاريخ مصر، مشددين على ضرورة الانتصار للضحايا، ومعاقبة الجناة.
من جانبها قالت السيدة "سناء عبد الجواد"، زوجة القيادي في جماعة الإخوان الدكتور محمد البلتاجي، الذي تعتقله عصابة الانقلاب: "يعز عليّ ترك بلادي التي ضحّت من أجلها ابنتي أسماء.. زوجي محمد ما يزال في سجون العسكر، وكذلك ابني أنس".
وتوضح سبب مغادرة بلدها بالقول: "بعد أن اعتقلوا أنس صدر حكم قضائي بحقي، وتمت مطاردتي، ثم اعتقلوا ابني خالد (17 عاما) مرتين، تعرض خلالهما لتعذيب جسدي ونفسي، وتم إخفاؤه قسريا، قبل أن يعتقلوه مجدداً لأنه ابن البلتاجي.. وحتى حسام، هذا الطفل الوديع (13)، لم يتركوه.. طاردوه وسألوا عنه في كل مكان.. فاضطررت إلي مغادرة بلدي الحبيب".
يشار أن الدكتور محمد البلتاجي طبيب مصري وأحد رموز ثورة 25 يناير 2011، التي أطاحت بالمخلوع محمد حسني مبارك الذي حكم مصر من العام 1981 وحتى العام 2011، وبعد الانقلاب على مرسي، اعتقلت عصابة العسكر البلتاجي، عام 2013، وصدرت بحقه قرابة ستة أحكام، بينها إعدام ومؤبد.
أمل في نهاية الانقلاب
عمار نجل القيادي الدكتور محمد البلتاجي، يتذكر شقيقته «أسماء»، إحدى الضحايا البارزات لأحداث فض «رابعة»، قائلا: «لم ينل أحد من ذوي الشهداء حقوقه بما في ذلك نحن».
وأشار إلى أن عصابة الانقلاب العسكري تتحمل مسؤولية إراقة دمائها، في إشارة إلى أن السفيه عبد الفتاح السيسي، كان وزير الدفاع آنذاك.
وأضاف: «نحن نريد عدالة شاملة ومحاسبة للمتورطين، ولن نيأس من السعي لها، لأنها الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الجرائم وإيقاف
نزيف الدماء».
وتابع: «الدماء تُعمق الأزمة كثيرًا، وتدخل البلاد والشعوب في نفق مظلم من دائرة الدم والانتقام، وتعمق الاستقطاب المجتمعي، والانقسام بين أبناء الوطن الواحد، وفي مصر لم يتوقف نزيف الدماء منذ أولى لحظات الثورة والربيع العربي وحتى الآن».
فيما تمسك عمار بالأمل بسقوط الانقلاب، قائلا بتفاؤل: "هناك لحظة عدالة آتية بلا شك طال الوقت أم قصر".
فخورون بالقتل
ومن شهادات المعسكر القاتل، يحكي مجند ضمن قوات الجيش بسلاح المظلات، فيقول: "فرقتي انتقلت من مقرها الدائم في إحدى محافظات الدلتا إلى نادي الحرس الجمهوري".
ويضيف: "كنا موزعين في أعالي بنايات نادي الحرس الجمهوري، بحيث لا يرانا من هو خارج النادي، فرقتي وأخريين من سلاح المظلات جاءوا خصيصًا في هذا المكان منذ منتصف يونيو 2013، وكانت توجد قوات أخرى من أسلحة مختلفة، كنا نخرج وقت الفض خارج النادي وحتى نهاية شارع الطيران لنحمي الضباط"، مضيفًا بسخرية:" المعتصمين كانوا بيحدفوا علينا طوب"!
وفي شهادة ثانية لأحد المجندين في وزارة داخلية، كان ضمن القوات الخاصة، يقول مفتخراً بالقتل:"إحنا أعلى تسليح في الداخلية، وإحنا تحت الجيش على طول".
مؤكداً أنه لا يعرف تحديًا اسم شارع أو المنطقة التي تمركز فيها يوم مذبحة رابعة، وأضاف أنه كان ضمن طاقم مدرعة، ويروي :"الضابط فتح باب المدرعة، وقبل ما يحط رجله على الأرض الطوب اشتغل ودخل الضابط جوه المدرعة بسرعة وقفل بابها"، مؤكداً أنه أفرغ في أجساد المعتصمين أكثر من 8 خزنات من السلاح الآلي المتعدد الذي كان مثبتاً فوق المدرعة.
فيما يحلل أحد خبراء علم النفس والاجتماع، موقف المجندين بالقول:" المشترك بين الحالتين هو فخرهم بضرب النار، وأن ما فعلوه بحسب كلامهم شيء عادي، حسب الأوامر الصادرة لهم".
مضيفاً:"لم ألمح من أي منهما ولو علامات ندم أو إحساس بالخطأ، حتى بعد أن أنهيت خدمات تجنيدهما الإلزامية، وخروجهما للحياة العامة".
وتابع:"الواضح بشاعة حجم ونوع الشحن الذي وجه لهؤلاء المجندين، لكن الغريب هو مدى استجابتهم لتلك الأوامر، والذي يظهر ضحالة ثقافتهم ووعيهم وإلمامهم بالأمور العامة".