شهدت شركة أبو زعبل للأسمدة "فركيم مصر" موجة عارمة من الاستياء، دفعت العاملين إلى تنظيم وقفة احتجاجية سلمية داخل مقر الشركة، تعبيراً عن رفضهم القاطع لما وصفوه بالظلم الصارخ في آلية توزيع الأرباح السنوية.
وتعود جذور الأزمة إلى تحقيق الشركة طفرة إنتاجية ومالية غير مسبوقة، حيث قدرت الأرباح بنحو أربعة أضعاف ما حققته في العام الماضي، إلا أن هذه القفزة المليونية لم تترجم إلى عدالة في التوزيع، بل كشفت عن فجوة أخلاقية وإدارية بين القوة العاملة الحقيقية وفئة "المستشارين" المحيطين بالإدارة.
ووفقاً لشهادات العمال الميدانية، بحسب تصريحات صحفية فإن حالة الغضب تأججت حين تبين أن فئة محدودة من المستشارين لا يتجاوز عددهم ستة أفراد، قد استأثروا بمكافآت خيالية بلغت نحو 3 ملايين جنيه لكل مستشار، في حين لم تتجاوز حصة العامل الذي يواجه مخاطر الإنتاج يومياً مبلغاً يتراوح بين 20 إلى 30 ألف جنيه، وهو ما يعادل أجر 12 شهراً من الأجر الأساسي الهزيل.
واعتبر المحتجون هذا التفاوت الذي أقره رئيس مجلس الإدارة عبد السلام الجبلي؛ إهانة لجهودهم وتجاهلاً متعمداً لمن يمثلون الركيزة الأساسية لاستمرار الشركة، مطالبين بربط الحوافز بالإنتاج الفعلي لا بالمحسوبيات، مع ضرورة إعلان الشفافية الكاملة في الميزانيات، موجهين استغاثات عاجلة لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء للتدخل لوقف هذا العبث بمقدرات العمال.
تضامن نقابي
من جانبه، أعلن الكيان النقابي المعروف بـ "المنظومة العمالية" تضامنه الكامل مع عمال أبو زعبل، مشيداً بالوعي الوطني الذي أبداه العمال من خلال التوفيق بين استمرار عجلة الإنتاج والتعبير عن المطالب المشروعة.
وأكدت المنظومة أن هذا السلوك الحضاري يقطع الطريق على أي محاولة للتشكيك في وطنية الحركة العمالية، مشددة على أن الاستجابة لمطالب العمال ليست تفضلاً من الإدارة، بل هي استثمار حقيقي في الولاء المؤسسي، ودعت المنظومة إدارة الشركة إلى فتح حوار جاد وفوري لإنهاء حالة الاحتقان، محذرة من أن تجاهل صوت العمال قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الوظيفي في واحدة من أهم قلاع صناعة الأسمدة في مصر.
مأساة عمال المياومة بشركة "تجارة الجملة"
وعلى جبهة أخرى لا تقل مأساوية، تبرز معاناة عمال "الأجر اليومي" في الشركة المصرية لتجارة الجملة، الذين يعيشون في بيئة عمل تفتقر لأدنى معايير الإنسانية والقانون. ورصدت التقارير الحقوقية سلسلة من المخالفات الجسيمة التي تمارسها إدارة الشركة، حيث يتم حرمان هؤلاء العمال بشكل تام من الراحات الأسبوعية مدفوعة الأجر، وإجبارهم على العمل المتواصل دون مراعاة لحقوقهم الجسدية أو النفسية.
كما تمتد الانتهاكات لتشمل تجاهل العطلات الرسمية والأعياد التي تقررها الدولة، دون أي تعويض مادي أو معنوي، في استنزاف صارخ لجهد بشري يعمل في صمت بعيداً عن مظلة الرقابة.
وتتمثل الطعنة الأكبر لهؤلاء العمال في استبعادهم الكامل من الأرباح السنوية والحوافز، رغم أنهم القوة الضاربة التي تنفذ مهام الشركة الميدانية وتحقق عوائدها، إن هذا النظام الذي يحرم العامل من التأمين الصحي والاجتماعي ويتركه عرضة لتقلبات السوق دون أمان وظيفي، يمثل انتهاكاً للدستور وقانون العمل المصري، وهو ما دفع المنظومة العمالية لوصف الوضع بالـ "كارثي" الذي يتطلب تدخلاً رقابياً حازماً لوقف سياسة السخرة المقنعة.
3 مطالب عاجلة لإنقاذ كرامة العمال
أمام هذا المشهد المتأزم، وضعت المنظومة العمالية ثلاث ركائز أساسية كخارطة طريق لإنصاف عمال الشركة المصرية لتجارة الجملة واستعادة حقوقهم المهدرة، وتتمثل في:
أولاً: التحقيق الفوري والعاجل، حيث طالبت وزارة العمل والجهات الرقابية بفتح ملف ممارسات الشركة والوقوف على حجم المخالفات التي تعرض لها عمال المياومة طوال الفترة الماضية.
ثانياً: تقنين الأوضاع والتثبيت النهائي، وذلك عبر إلزام الإدارة بتحويل كافة عقود الأجر اليومي إلى عقود عمل قانونية دائمة تضمن الأمان الوظيفي والرواتب العادلة والتغطية التأمينية الشاملة.
ثالثاً: التطبيق الصارم للقانون بأثر رجعي، من خلال إجبار الشركة على منح العمال حقوقهم في الإجازات والراحات، وصرف نصيبهم العادل من الأرباح السنوية التي حُرموا منها لسنوات، تأكيداً على أن كرامة العامل المصري وحقوقه هي "خط أحمر" لا يمكن تجاوزه تحت وطأة الحاجة أو استغلال ثغرات التشغيل.
ويخوض عمال مصر في مطلع مايو 2026 معركة شرسة من أجل البقاء، حيث لم تعد المطالب العمالية ترفاً أو بحثاً عن تحسين مستويات المعيشة، بل باتت ضرورة قصوى في ظل الارتفاع الرهيب في أسعار السلع الأساسية الذي التهم القيمة الحقيقية للأجور.
وتصدرت الاحتجاجات العمالية الواجهة من جديد، لترسم صورة قاتمة عن التفاوت الطبقي داخل المؤسسات الإنتاجية، حيث يواصل العمال نضالهم لانتزاع مستحقاتهم المالية المتأخرة، مؤكدين أن عجلة الإنتاج التي يديرونها بعرقهم لا يمكن أن تستمر في الدوران بينما تُهدر حقوقهم وتُمنح الأرباح لمن لا يلمسون الماكينات.