لماذا تستمر(إيني) بمشهد الغاز في مصر؟.. أكبر المستفيدين من تراجع الإنتاج والاستهلاك المتصاعد

- ‎فيتقارير

تُعد شركة إيني الإيطالية اللاعب الأكثر نفوذًا في قطاع الغاز المصري، وهي مستمرة في التوسع رغم الأزمة لعدة أسباب. أولها أنها المشغل الرئيسي لحقل ظهر، ما يمنحها سيطرة تشغيلية كاملة على وتيرة الإنتاج وتقييم الطبقات الجيولوجية وتحديد أولويات الاستثمار. وقد أعلنت الشركة الثلاثاء 18 مايو عن كشف جديد في دلتا النيل بإنتاج يصل إلى 50 مليون قدم مكعب يوميًا، إضافة إلى خطط لزيادة إنتاج ظهر بنحو 120 مليون قدم مكعب يوميًا عبر عزل طبقات المياه في بئرين بتكلفة 20 مليون دولار. كما أن إيني تعمل في مصر منذ عقود، وتتمتع بعلاقات سياسية واقتصادية مستقرة تجعلها الشريك الأكثر رسوخًا مقارنة بشركات أخرى. ما يجعل الشركة الإماراتية الايطالية المستفيد الأكبر من تراجع الإنتاج المصري.

 

لماذا تغادر «بي بي»؟… الربحية أولًا

على النقيض من إيني، تدرس شركة بي بي البريطانية التخارج من بعض أصولها البحرية في مصر، بما يشمل امتيازات شرق وغرب الدلتا. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها تراجع إنتاج ظهر الذي يؤثر مباشرة على أرباحها، إضافة إلى خطة عالمية لإعادة هيكلة عملياتها وخفض ديونها وتوجيه استثماراتها نحو مشروعات ذات هامش ربح أعلى. كما أن بيئة التشغيل في مصر أصبحت أكثر اضطرابًا مع انقطاع الكهرباء، وتراجع الصادرات، والاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي، ما يجعل السوق أقل جاذبية لشركة تبحث عن استقرار طويل الأمد.

وفي ضوء استمرار الشركة الايطالية المدعومة بشراكة إماراتية تعيش مصر منذ عام 2022 أزمة متفاقمة في قطاع الغاز الطبيعي، بعد سنوات من إعلان «الاكتفاء الذاتي» عقب تشغيل حقل ظهر.

والواقع الحالي يكشف عن فجوة واسعة بين إنتاج لا يتجاوز 4 مليارات قدم مكعب يوميًا وطلب محلي يصل إلى 7 مليارات قدم مكعب في أشهر الصيف، وهو ما أدى إلى انقطاعات كهرباء متكررة وتوقف شبه كامل لصادرات الغاز المسال منذ مطلع 2024.

وهذا التراجع لم يكن مفاجئًا للخبراء، إذ حذرت دراسات دولية خلال السنوات الماضية من أن مصر ستعود للاستيراد بسبب تزايد الاستهلاك وتراجع إنتاج الحقول البحرية، وعلى رأسها حقل ظهر الذي يمثل وحده ما بين 35% و40% من إنتاج البلاد.

 

غاز الكيان… قلب الأزمة

ويقدم الباحث خالد فؤاد تحليلًا قدمه في نهاية 2024 بالغ الأهمية حول الدور الخفي للغاز من الكيان في الأزمة الحالية. فمصر تحصل يوميًا على 1.1 مليار قدم مكعب من تل أبيب، أي ما يعادل 18% من استهلاكها المحلي، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إلى 25% وفق اتفاق فبراير 2024.

وكان الهدف من هذه الإمدادات إعادة تصديرها بعد تسييلها في إدكو ودمياط، لكن بسبب تراجع الإنتاج المحلي أصبحت كل الكميات تُوجَّه للسوق المصرية.

وهذا الاعتماد يمنح الكيان — وفق التحليل — أداة ضغط استراتيجية، إذ يمكن لقطع الإمدادات أن يضيف 5 ساعات إضافية من انقطاع الكهرباء، وهو ما حدث بالفعل في أكتوبر 2023 عندما أوقفت تل أبيب إمدادات حقل تمار.

 

سوء إدارة حقل ظهر… خطأ فني تحوّل إلى أزمة وطنية

وفي تحليل نشره الباحث خالد فؤاد @Khaled_A_Fouad   على حسابه الشخصي،  أوضح أن جوهر أزمة الغاز في مصر لا يتعلق فقط بتراجع الإنتاج المحلي، بل بالتحول الخطير في مصادر الإمداد، حيث أصبحت مصر تعتمد بشكل متزايد على الغاز من الكيان لتغطية فجوة آخذة في الاتساع بين الإنتاج والاستهلاك. ويشير فؤاد إلى أن هذا البعد لا يُناقش بجدية في الإعلام المصري رغم أنه يمثل العامل الأكثر حساسية في أزمة انقطاع الكهرباء.

بدأت الأزمة عندما تراجع إنتاج حقل ظهر، الذي يمثل ما بين 35% و40% من إنتاج مصر من الغاز، بالتزامن مع ارتفاع الاستهلاك المحلي، ما أنهى عمليًا حالة «الاكتفاء الذاتي» التي أعلنتها الحكومة عام 2018. ومع هذا التراجع، لم تعد مصر قادرة على إعادة تصدير الغاز من الكيان بعد تسييله في محطتي إدكو ودمياط، وأصبحت كل الكميات الواردة من الكيان تُوجَّه مباشرة للسوق المحلية لتعويض النقص. ونتيجة لذلك، تراجعت صادرات الغاز المسال بشكل حاد في 2023، ثم توقفت تمامًا مع بداية 2024، قبل أن تعلن الحكومة رسميًا وقف التصدير مؤقتًا.

ويشير فؤاد إلى أن مصر تتلقى يوميًا نحو 1.1 مليار قدم مكعب من غاز الكيان، بينما يبلغ الاستهلاك المحلي 6.1 مليارات قدم مكعب، ما يعني أن 18% من احتياجات مصر تأتي من الاحتلال، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إلى 25% وفق اتفاق فبراير 2024. هذا الاعتماد الكبير على مصدر واحد، وفي سياق سياسي معقد، يخلق — بحسب فؤاد — مخاطر مباشرة على أمن الطاقة المصري. فلو قرر الكيان وقف الإمدادات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انقطاع كهرباء يصل إلى 5 ساعات إضافية يوميًا، ليصبح مجموع الانقطاعات نحو 8 ساعات، أي ثلث اليوم بلا كهرباء.

ويذكّر فؤاد بأن هذا السيناريو ليس افتراضًا نظريًا، فقد حدث بالفعل في أكتوبر 2023 عندما أوقفت تل ابيب إمدادات حقل تمار عبر خط العريش–عسقلان، مبررة ذلك بالحرب، بينما كان الهدف — وفق التحليل — الضغط على مصر بسبب موقفها من تهجير سكان غزة. ورغم أن معظم الغاز الذي يصل مصر يأتي من حقل ليفياثان وليس تمار، فإن تل أبيب أثبتت قدرتها على استخدام الغاز كأداة سياسية.

ويشير فؤاد إلى أن الحكومة المصرية أدركت متأخرًا خطورة الاعتماد على الغاز من الكيان، فعادت لاستيراد الغاز المسال واستأجرت سفينة تغويز في السخنة، لكن هذه الخطوات جاءت في وقت ترتفع فيه الأسعار عالميًا وتشتد المنافسة على الشحنات، ما جعل الحصول على الغاز المسال أمرًا معقدًا ومكلفًا. ويؤكد أن الأزمة لم تكن مفاجئة، إذ حذرت دراسات دولية منذ سنوات من تراجع الإنتاج وعودة مصر للاستيراد، لكن الحكومة لم تتحرك مبكرًا لتأمين مصادر بديلة.

ويخلص فؤاد إلى أن الخطأ الجوهري كان في إدارة حقل ظهر، حيث جرى التعجيل في الإنتاج على حساب الحفاظ على سلامة الآبار، ما أدى إلى تراجع كبير في إنتاجه. وبينما تتعامل إسرائيل مع ملف الغاز من منظور أمني وجيوسياسي، تتعامل الحكومة المصرية معه من منظور اقتصادي ضيق، متجاهلة المخاطر الاستراتيجية للاعتماد على إسرائيل في مصدر حيوي للطاقة. والنتيجة — كما يصفها — كارثية على المدى القريب.