أعاد الهجوم بطائرات مسيّرة على محطة براكة النووية في الإمارات فتح ملف بالغ الخطورة يتعلق بمصادر التهديد في الخليج، خصوصًا بعد إعلان أبوظبي أن المسيّرات لم تأتِ من جهة إيران، بل دخلت من الحدود الغربية، أي من اتجاه السعودية والعراق.
وقلب هذا التصريح الرسمي الرواية المتداولة رأسًا على عقب، إذ كانت بعض التقارير الإعلامية قد نسبت الهجوم إلى إيران، قبل أن يتضح أن المسيرات جاءت من اتجاه آخر، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول وجود طرف ثالث يسعى لتأجيج الصراع الإقليمي عبر ضرب منشآت حساسة ثم إلصاق التهمة بطهران.
وتزداد حساسية الحادث لأن محطة براكة تُعد أهم منشأة للطاقة النووية السلمية في المنطقة، وتوفر ربع احتياجات الإمارات من الكهرباء، ما يجعل استهدافها رسالة تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة ضرب نموذج اقتصادي وتنموي ناجح.
في هذا السياق، برزت مجددًا الاتهامات المتداولة منذ سنوات حول وجود قاعدة إسرائيلية سرية في شمال وغرب العراق، خصوصًا في مناطق صحراوية قرب النجف والأنبار، وهي مناطق لطالما أشارت تقارير استخباراتية غربية إلى نشاط إسرائيلي فيها.
وتستند هذه الاتهامات إلى أن العديد من الهجمات التي استهدفت السعودية والكويت خلال السنوات الماضية خرجت من الأراضي العراقية، بينما اكتفت الحكومة العراقية بالنفي المتكرر والتعهد بالتحقيق دون نتائج معلنة. ويرى محللون أن هذا النمط يعكس وجود قوى مسلحة غير خاضعة لسيطرة الدولة، وأن بعض العمليات قد تُنفذ من مناطق نفوذ ميليشيات أو أطراف خارجية، ما يجعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وتذهب بعض التحليلات إلى أن إسرائيل قد تستخدم هذه المناطق لتنفيذ ضربات تُنسب لاحقًا لإيران، بهدف خلق صدام مباشر بين طهران ودول الخليج.
وتتعمق الشكوك بعد تصريحات إعلاميين وخبراء، مثل عبد الباري عطوان، الذين تحدثوا عن «قواعد إسرائيلية سرية في صحراء النجف» كُشف أمرها بعد هجمات مسيّرات على السعودية.
كما أشار محللون آخرون إلى أن استهداف براكة قد يكون جزءًا من حرب ظلّ تدور بين أطراف متعددة، حيث تسعى بعض القوى إلى جرّ الإمارات إلى مواجهة مباشرة مع إيران، بينما تحاول أطراف أخرى — بينها إسرائيل — إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة عبر ضرب منشآت حساسة وإشعال صراع لا يمكن احتواؤه بسهولة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحًا حول الجهة التي تقف وراء الهجوم، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التصعيد تُستخدم فيها الأراضي العراقية كمنصة لعمليات سرية تستهدف الخليج، مع محاولة توجيه أصابع الاتهام نحو إيران لخلط الأوراق وتغيير موازين القوى.
استهداف محيط محطة "براكة" للطاقة النووية في الإمارات بطائرة مسيرة، يعيد ملف المخاطر النووية إلى واجهة حرب إيران، رغم إعلان سلطات أبوظبي أن الحادث لم يؤدِّ إلى إصابات أو يؤثر على مستويات السلامة الإشعاعية.
حساسية الحادث تكمن في أن "براكة" ليست منشأة هامشية في منظومة الطاقة الإماراتية. فالمحطة تضم 4 مفاعلات من طراز APR-1400، وتنتج نحو 40 تيراواط/ساعة سنوياً، بما يعادل قرابة 25% من احتياجات الإمارات من الكهرباء، وفق مؤسسة الإمارات للطاقة النووية
القاعدة الصهيونية في العراق
ويربط الكاتب الصحفي عبد الباري عطوان وآخرون بين الهجوم على محطة براكة النووية وبين قواعد "إسرائيلية" سرية في صحراء النجف بالعراق، معتبرًا أن المسيّرات التي استهدفت السعودية سابقًا كشفت نشاطًا عسكريًا "إسرائيليًا" غير معلن في تلك المناطق.
ويطرح عطوان @abdelbariatwan أسئلة حول سبب وجود منشأة نووية حساسة في الإمارات، وما إذا كانت جزءًا من صراع إقليمي أكبر، كما يشير إلى ما يسميه الكنز الذي سيطرت عليه إيران في قاع مضيق هرمز، في إشارة إلى موارد أو معلومات ذات قيمة استراتيجية. ويستخدم عطوان هذه الأحداث لانتقاد السياسة الأميركية، معتبرًا أن التهديدات الأميركية «صوتية» ولا تغيّر من واقع الصراع المتصاعد في المنطقة.
ويرى علي رضا @AliRed1328179 "أن أطرافًا تسعى إلى سيناريو تصعيد وتوضيح أن دفع الولايات المتحدة للإمارات نحو مواجهة مباشرة مع إيران، وأن استهداف محطة براكة يمثل بداية مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي".
ويُصوَّر الهجوم على أنه "جزء من محاولة لجرّ الإمارات إلى حرب برية، مع التركيز على أن المنشأة النووية تحترق وأن المنطقة مقبلة على سيناريوهات أكثر خطورة". ويعكس هذا الخطاب رؤية ترى أن الهجوم ليس حادثًا معزولًا، بل خطوة ضمن سلسلة عمليات تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الخليج، وربما خلق مواجهة مفتوحة بين أبوظبي وطهران.
بين اتهامات قطيش وبيان وزارة الدفاع الإماراتية
المذيع اللبناني بـ"سكاي نيوز" نديم قطيش" سارع عبر @NadimKoteich إلى اتهام إيران باستهداف محطة براكة بالطائرات المسيّرة، مؤكدا ان ذلك ينسف بالكامل سردية الدفاع التي تروّج لها إيران، معتبرًا أن ضرب منشأة نووية مدنية وسلمية هو شكل من إرهاب البنى التحتية الذي يستهدف الاقتصاد الخليجي.
وزعم المقيم بابوظبي أن القيمة العسكرية للهجوم معدومة، لأن براكة ليست منشأة عسكرية، بل رمز لنموذج تنموي ناجح يهدد إيران سياسيًا واقتصاديًا.
ومن جانبها، وبعد اتهامات قطيش بدقائق نفت الإمارات أن تكون المسيّرة التي أصابت محطة براكة قد جاءت من جهة إيران، مؤكدة أنها دخلت من الحدود الغربية، أي من اتجاه السعودية والعراق.
وأشارت وزارة الدفاع الإماراتية إلى أن الدفاعات الجوية تعاملت مع ثلاث مسيّرات، أسقطت اثنتين بينما أصابت الثالثة مولدًا كهربائيًا خارج المحيط الداخلي للمحطة، دون تسجيل إصابات أو أي تأثير على مستويات الإشعاع.
وأكدت السلطات أن جميع أنظمة المحطة تعمل بشكل طبيعي، وأن التحقيقات جارية لتحديد الجهة المسئولة. كما عبّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن قلقه، مؤكدًا أن أي نشاط عسكري قرب منشأة نووية أمر غير مقبول. حيث أعادت الإمارات التأكيد على جاهزيتها للتعامل مع أي تهديد، وعلى أن الهجوم يأتي في سياق إقليمي متوتر بعد الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة والكيان.
الكاتب الصحفي قطب العربي وعبر @kotbelaraby أشار إلى أن القصف المجهول لمنشآت نووية إماراتية وبعده بيوم قصف أهداف سعودية وكلا القصفين من الاتجاه الغربي أي ليس من إيران، يعني أنه من طرف ثالث معروف طبعا .. ماذا لو قصف هذا الطرف قوة الرافال المصرية في الإمارات؟! وكيف ستتصرف مصر؟".
وفي وقت سابق اليوم، اندلع حريق إثر ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت محطة براكة للطاقة النووية في أبوظبي، ولم يتم تسجيل إصابات أو أي تأثير على مستويات الإشعاع.
وقال مكتب أبوظبي الإعلامي في منشور على منصة إكس "تعاملت الجهات المختصة في إمارة أبوظبي مع حريق اندلع في مولد كهربائي خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة للطاقة النووية في منطقة الظفرة، ناجم عن استهداف بطائرة مسيرة دون تسجيل أي إصابات، ودون أي تأثير على مستويات السلامة الإشعاعية".
وتابع "وقد تم اتخاذ كافة الاجراءات الاحترازية، وسيتم موافاتكم بالمستجدات حال توافرها".
وأكدت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية أن الحريق لم يؤثر على سلامة محطة الطاقة أو جاهزية أنظمتها الأساسية، وأن جميع الوحدات تعمل بشكل طبيعي.
بدوره، أعرب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي عن "قلقه الكبير" بعد الضربة التي استهدفت المحطة.
وأضاف مدير الوكالة الأممية المعنية بالسلامة النووية على منصة إكس أن "أي نشاط عسكري يهدد السلامة النووية غير مقبول"، مشيرا إلى أن الإمارات أبلغته بأن "مستويات الإشعاع في محطة براكة للطاقة النووية لا تزال طبيعية، ولم تُسجَّل أي إصابات".
وبدأت المحطة عملياتها في عام 2020، وهي تقع على بُعد 200 كيلومتر إلى غرب العاصمة الإماراتية أبوظبي، بالقرب من الحدود مع المملكة العربية السعودية وقطر.
واتهمت إيران الإمارات وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في الخليج بالسماح للقوات الأميركية بشن هجمات انطلاقا من أراضيها، هو ما نفته الإمارات بشدة.