البيت المصرى لم يعد مصدر أمان.. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تهدد حياة الأطفال

- ‎فيتقارير

 

 

تزايد حالات العنف ضد الأطفال من الظواهر التى تكشف عن حدوث كوارث فى المجتمع المصرى فى زمن الانقلاب نتيجة الانهيار الاقتصادى والاجتماعى وسياسات التجويع التى تُمارسها عصابة العسكر ضد المواطنين .

فى هذا السياق استقبل أحد المستشفيات بمنطقة الصف بمحافظة الجيزة طفلاً رضيعاً مصاباً بإصابات غامضة فى منطقة الصدر ليُفارق الحياة متأثراً بها، وادعت الجدة أنها لدغة ثعبان، وبعد شهر تكررت الواقعة، حيث أصيبت شقيقته بأعراض مشابهة ونقلت إلى المستشفى فى حالة حرجة وكررت الجدة نفس السيناريو الأمر الذى أثار الشكوك، لتكشف التحقيقات أن الحادث لم يكن حادثاً عارضاً، بل جريمة ارتكبتها الجدة لحرق قلب الأم على أبنائها.

هذه الواقعة سبقتها واقعة الطفل مالك الذى تعرض لحروق من الدرجة الأولى بعد أن قامت والدته بمعاقبته بوضع يده فى الماء المغلى.

يُشار إلى أن العنف لم يعد قاصراً على حالات يكون فيها الجانى زوجة الأب أو زوج الأم بل امتدت ليصبح الجانى أحيانا الأم أو الأب أو الجدة، الذين من المفترض أن يكونوا مصدر الأمان للطفل.

 

أطفال فى خطر

حول هذه الكارثة كشفت تقارير لمنظمة اليونيسف، أن ما يقرب من 93% من الأطفال فى مصر يواجهون أشكالاً من العنف خلال عملية التربية، فى مؤشر خطير يعكس انتشار الظاهرة وتحولها إلى سلوك مجتمعى يتطلب مواجهة حاسمة.

وأكدت التقارير أنه خلال الربع الأول من عام 2026 سجلت حوالى 47 جريمة عنف ضد الأطفال تشمل حوادث حروق متعمدة ما دفع بعض المؤسسات الطبية للدعوة إلى تشديد العقوبة القانونية لحماية الأطفال.

 

ضغوط اقتصادية

من جانبها، قالت الدكتورة سارة الطيب طبيبة ومعالجة نفسية، إن العنف ضد الأطفال لم يعد مجرد تصرف فردى أو عصبية زائدة، بل يُمثل جرحاً عميقاً فى بنية المجتمع، خاصة حين يتحول المنزل من مصدر للأمان إلى مصدر للخوف خلف الأبواب المغلقة.

وأوضحت سارة الطيب فى تصريحات صحفية أن لجوء بعض الأهالى إلى العنف غالباً ما يكون نتيجة ميراث نفسى ثقيل، حيث يعيد البعض إنتاج ما تعرضوا له فى طفولتهم، مشيرة إلى أن العنف فى هذه الحالة لا يعكس قوة، بل يكشف عن عجز فى امتلاك أدوات تربوية سليمة، والاعتماد على الترهيب كوسيلة للسيطرة.

وأضافت أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تلعب دوراً كبيراً فى زيادة الظاهرة، إذ قد تصل ببعض الأفراد إلى حالة من الاحتراق النفسى تقل معها القدرة على التحكم فى الانفعالات، فيتم تفريغ الغضب فى الأطفال، مؤكدة أن هذه الضغوط تفسر السلوك لكنها لا تبرره.

 

تأهيل نفسى

وأكدت سارة الطيب أن هناك مؤشرات واضحة تدل على حاجة الوالدين إلى تدخل متخصص، من بينها تحول الضرب أو الصراخ إلى وسيلة أساسية للتعامل، أو تكرار الشعور بالندم بعد العقاب دون قدرة على التوقف، إلى جانب ظهور علامات الخوف أو الكذب أو التبول اللاإرادى على الطفل.

وشددت على أهمية التأهيل النفسى والتربوى قبل الزواج، معتبرة أنه ضرورة وليس رفاهية، لأن تربية الأطفال تعد من أخطر المسئوليات التى يخوضها الإنسان وهو ما يتطلب وعياً يساعد على كسر دائرة العنف قبل أن تبدأ. 

وأشارت سارة الطيب إلى أن العنف يترك آثاراً نفسية عميقة على الطفل، تبدأ بشعوره بأنه غير محبوب، وقد تتطور إلى سلوكيات عدوانية أو انسحابية، وصولاً إلى اضطرابات نفسية، مثل القلق والاكتئاب فى مراحل لاحقة، مؤكدة أن الجروح الجسدية قد تلتئم، لكن الأثر النفسى قد يستمر طويلاً.

 

منظومة التنشئة

أكد الدكتور أحمد متولى سعد، الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر، أن العنف الأسرى تحول إلى ظاهرة مقلقة تعكس خللاً واضحاً فى منظومة التنشئة الاجتماعية، وتراجع الوعى التربوى، فضلاً عن ضعف القدرة على إدارة الضغوط والانفعالات داخل بعض الأسر.

وحذر سعد فى تصريحات صحفية من أن العنف بمختلف صوره سواء كان جسدياً أو نفسياً أو لفظياً يترك آثاراً عميقة وممتدة فى تكوين شخصية الطفل، حيث يفقد الإحساس بالأمان الذى يعد أساس النمو النفسى السليم، ما يؤدى إلى ظهور اضطرابات، مثل القلق والخوف والاكتئاب، وتدنى تقدير الذات كما ينعكس ذلك على سلوكه الاجتماعى، إذ قد يميل إلى العدوانية كوسيلة للدفاع عن نفسه، أو إلى الانسحاب والعزلة نتيجة فقدان الثقة بالآخرين.

وأوضح أن لجوء بعض الآباء إلى العنف لا يمكن فصله عن مجموعة من العوامل المتداخلة، فى مقدمتها ضعف الوعى بأساليب التربية السليمة والخلط بين الحزم والقسوة إلى جانب تأثير التنشئة التى تعرض لها الأبوان أنفسهم فى طفولتهم، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التى تضعف القدرة على التحكم فى الانفعالات وغياب الحوار الفعال داخل الأسرة.

 

ثقافة التربية الإيجابية

وشدد سعد على أن العنف لا يمكن اعتباره وسيلة تربوية بل هو مؤشر على قصور فى الوعى التربوى وعجز عن إدارة المواقف بشكل صحى.

وأكد أن الطفل الذى ينشأ فى بيئة يسودها العنف يكون أكثر عرضة لاكتساب هذا السلوك وإعادة إنتاجه فى مراحل لاحقة من حياته، سواء فى علاقاته الاجتماعية أو داخل أسرته المستقبلية، ما قد يحول العنف إلى نمط متوارث يهدد استقرار المجتمع .

وقال سعد إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الأسرة فقط، بل تتطلب تكاتفاً بين مختلف مؤسسات الدولة، بما يشمل المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والتشريعية من خلال نشر ثقافة التربية الإيجابية، وتقديم برامج إرشاد أسرى لتنمية مهارات التواصل وضبط الانفعالات لدى الآباء، إلى جانب سن وتطبيق تشريعات رادعة تحمى الأطفال من جميع أشكال العنف.

وحذّر من أن العنف ضد الأبناء يمثل خطراً حقيقياً على حاضر المجتمع ومستقبله، وأن الانتقال من ثقافة العقاب إلى ثقافة التربية الواعية القائمة على الرحمة والحوار لم يعد خياراً، بل ضرورة حتمية لبناء أجيال سوية نفسياً وأخلاقياً قادرة على المساهمة فى استقرار المجتمع وتقدمه.