انتشار الفساد من مقدمات زوال الأمم وانهيار الحضارات، من أجل ذلك تعمل الأمم المتحضرة على الارتقاء بقيم العدل والمساواة والشفافية والمحاسبة المستمرة للمسؤولين ومحاكمة المتورطين وإبعادهم عن مراكز الحكم ذات الحساسية في الدولة، يحدث في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو عكس ذلك تماما، في الحكومة الحالية تم التحقيق مع وزيرة الإسكان في قضايا فساد وقامت بإعادة الأموال المختلسة وتم تسوية القضية، وزيرة الثقافة متورطة في قضيتي فساد مع ذلك مستمرة في منصبها الوزاري هذا ما نعلم وما خفي أعظم.
بداية يوليو الحالي، خلال أداء رؤساء الهيئات القضائية الجدد لليمين الدستورية أمام الرئيس، كرم السيسي رؤساء محكمة النقض ومجلس الدولة والنيابة الإدارية بعد انتهاء ولايتهم ببلوغهم سن التقاعد، لكن غاب عن التكريم رئيس هيئة قضايا الدولة المستشار حسين مدكور.
لاحقا نشر موقع "مدى مصر"، تقرير كشف فيه أن سبب غياب مدكور عن التكريم، هو اتهامه بارتكاب مخالفات مالية بقيمة 75 مليون جنيه، تم استقطاعها من رواتب ومستحقات مستشاري الهيئات الحاليين والسابقين لتمويل تكريمات ومشروعات أخرى.
التقرير نقل عن بيان داخلي لمجلس إدارة نادي مستشاري الهيئة، بأن المخالفات دي تجاوزت "حدود الإدارة الرشيدة".
3 مخالفات مالية
أحد نواب رئيس هيئة قضايا الدولة قال لنفس المصدر: إن "هذه الاتهامات جاءت بناءً على بلاغات من نواب حاليين وسابقين لرئيس الهيئة للنائب العام، كذلك قدموا شكاوى لوزارة العدل وعدد من أجهزة الدولة ضد حسين مدكور".
نواب رئيس الهيئة قالوا: إنه "تم خصم مبالغ مالية ما بين 10 إلى 16 ألف جنيه من مستحقات 4800 مستشار ومستشارة المالية السنة اللي فاتت، بمبررات زي حفلات تكريم وإنشاء نادي للهيئة في الإسكندرية، وبالرغم من رفض المتضررين، إلا أن مدكور لم يعيد المبالغ التي استولى عليها، هذا بجانب خصم 5 آلاف جنيه من عدد من المستشارين بجانب مبالغ أخرى لحفلات تكريم بدون لم يكون فيها أي أوراق رسمية."
أبرز هذه الاحتفالات كان حفل نظمته هيئة قضايا الدولة بمناسبة مرور 150 سنة على إنشائها، قيل لهم إن الرئيس سوف يحضر الاحتفال وبالفعل نظم الحفل اللي أحياه عمر خيرت بحضور وزير العدل، لكن لا الرئيس ولا رئيس الوزراء حضروا، وهذا ما جعلهم يتساءلون عن تكاليف الحفلة فعليا، خصوصا وأنه قيل من مقربين من مدكور أن الحفل كلف 50 مليون جنيه، بينما مستشارون أكدوا أنه التكلفة 7 ملايين جنيه فقط، هذا بجانب حفلات أخرى مثل إفطار رمضان، بدون ما يتم إعلان التكاليف الفعلية للحفلات وبعد تقديم البلاغات والشكاوى تم التحقيق مع إدارة الموازنة، قالوا إن مدكور هو المسؤول عنها، وما زالت التحقيقات مستمرة.
وبناءً عليه نشر مجلس إدارة نادي الهيئة بيان داخلي قال فيه تفاصيل هذه المخالفات المالية، ومطالبتهم بمستندات توضح تفاصيل إنفاق فلوسهم، بل ورفضوا احتفالات لاحقة وهذا الذي واجهه مدكور بإحالتهم للتفتيش الفني والتهديد بحل مجلس الإدارة ووصل لحد تحويل اشتراكات أعضاء النادي لحساب آخر.
جيد وماذا عن الوزراء؟
الحقيقة هذا شيء جيد إنه يتم إبعاد متهم بمخالفات مالية من التكريم والحصول على وسام الجمهورية، لكنه غير مكتمل، وهذا ببساطة في ظل انعدام الشفافية وعدم مصارحة الرأي العام بهذه المعلومات المهمة.
لكن وفي نفس الوقت لا يجب أن ينسى الرئيس الذي تجنب تكريم رئيس هيئة قضائية متهم بفساد، بأنه فيه وزراء في حكومة حلفت اليمين قصاده وما زالت تؤدي مهامها تحت إدارته وهم متهمين في قضايا فساد.
مثل وزيرة الثقافة جيهان زكي التي تقول مستندات وتقارير رسمية أن لجنة رصدت مخالفات مالية كبيرة تصل إلى 5 ملايين يورو خلال أداء عملها في الأكاديمية المصرية للفنون في روما، الي جانب اتهامات باختلاس تمثال أوز وريس، هذا طبعا غير القضية اللي أدينت فيها في حكم أولي بسرقة أدبية من كتاب.
ومثل راندا المنشاوي وزيرة الإسكان، التي حققت معها مباحث الأموال العامة أكثر من مرة لما كانت مديرة مكتب وزير الإسكان مصطفى مدبولي في 2017، كذلك حقق معها في نيابة الأموال العامة في اتهامات فساد انتهت بتسوية برد مبالغ مالية ضخمة لوزارة الإسكان.
فساد ينخر الدولة
كذلك ولأنها مش المرة الأولى اللي يتهم مستشار سابق في منصب قضائي رفيع باتهامات فساد بدون ما يتم إعلان تفاصيل القضية، وهذا الذي شفناه في قضية المستشار حمادة الصاوي النائب العام الأسبق ونجله.
في يوليو 2024، كشف موقع "مدى مصر" وقتها، عن وقوع النائب العام السابق ونجله في قبضة العدالة للتحقيق معهم أمام الرقابة الإدارية في قضية فساد خلال توليه منصبه بين 2019 و2023، بالتزامن مع استقالة نائب رئيس محكمة النقض وقتها بعد ما تم إيقافه في مطار القاهرة ومعه مليون و200 ألف جنيه والتحقيق معه قبل إخلاء سبيله، وكان كذلك بعد ما تم تجميد تعيين الصاوي في المحكمة الدستورية بعد تركه للنيابة العامة على خلفية اتهامه بالاستيلاء على 9 ملايين جنيه.
والي الان لا نعرف هل السيد حمادة الصاوي اللي تولى منصب النائب العام الذي كان يحتكر سلطة إقامة الدعاوى الجنائية باسم الشعب والإشراف القضائي والطعن على الأحكام، وغيرها من المهام التي يضيفها له النظام بما فيها مخالفة القانون والدستور بحبس المعارضين والتحيز ضد المواطنين على أساس سياسي، هو أصلا فاسد واستولى على ملايين الجنيهات.
وبالتالي الرأي العام بحاجة لشفافية واضحة، ونشر تفاصيل قضية حمادة الصاوي بجانب قضية حسين مدكور رئيس هيئة قضايا الدولة، الذي كان رئيس أعرق وأقدم هيئة قضائية "مستقلة" في مصر، التي أصلا إحدى مهماته تمثيل الدولة قانونيا لحماية المال العام.
هذا ببساطة لأنه لو كان أرفع منصب مهمته حماية المال العام هو نفسه فاسد، فهذا سوف يساهم في دق المسمار الأخير في نعش دولة فيها الحد الأدنى من القانون، لأننا كلنا نعرف عن شبهات الفساد في المشروعات القومية والإسناد المباشر في المشروعات التي تتم على أعلى مستوى من العاصمة الإدارية بقصورها الفاخرة ومقراتها الاستراتيجية … إلخ، إلى الطائرات الرئاسية الفخمة والاستراحات وقصور الرئاسة، لحد مسؤولين في الهيئة العامة للنظافة والتجميل بمحافظة الجيزة مثلا.