يشكل انتخاب خليل الحية رئيساً لحماس محطة مفصلية في تاريخ الحركة، حيث يجمع بين كونه قائداً ميدانياً من "الداخل" ومفاوضاً سياسياً محنكاً، في وقت تواجه فيه الحركة تحديات غير مسبوقة على المستويين الفلسطيني والإقليمي. ويبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع "أبو الشهداء" قيادة الحركة عبر هذه المرحلة العصيبة، وتحقيق التوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع السياسي المعقد؟
ففي خطوة وصفت بأنها الأبرز في تاريخ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ تأسيسها، أعلنت الحركة الإثنين 20 يوليو2026 انتخاب القيادي البارز خليل الحية رئيساً جديداً للمكتب السياسي، خلفاً للقائد الشهيد يحيى السنوار الذي اغتيل في أكتوبر2024، وجاء هذا الانتخاب بعد جولة إعادة حاسمة في مجلس الشورى العام، حيث حسم الحية السباق بفارق صوت واحد (35 مقابل 34) أمام منافسه رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل.
حماس إذ تنتخب قائدها
وفي مقال تحليلي بعنوان "حماس إذ تنتخب قائدها"، يتناول الأستاذ الدكتور محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، عملية انتخاب رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس ويرى أن الإنجاز الأبرز لهذه الانتخابات هو إنهاء الوضع الاستثنائي الذي عاشته الحركة لمدة 21 شهراً بعد استشهاد رئيسها يحيى السنوار.
ويشير إلى أنه بعد استشهاد السنوار، تولى مجلس قيادي مؤقت مهام الرئاسة، برئاسة محمد درويش رئيس مجلس الشورى العام، وعضوية رؤساء أقاليم غزة والضفة والخارج وأمين سر قيادة الحركة، وقد تمكنت حماس خلال هذه الفترة من تفعيل بنيتها المؤسسية ومتابعة دورها الحيوي، مما يعكس قدرة الحركة على الصمود التنظيمي رغم الظروف الاستثنائية.
إدارة الاختلاف
ويسلط المقال الضوء على المشهد "الحضاري" الذي صاحب الانتخابات، حيث حسم صوت واحد التنافس الذي استمر لأشهر بين خليل الحية وخالد مشعل. وبمجرد إعلان النتائج، قام مشعل بمعانقة الحية وتهنئته، والتعهد بالعمل تحت قيادته، وفي اليوم التالي، أصدر مشعل تصريحاً هنأ فيه "أخاه الحبيب" خليل الحية، وأكد احترامه الكامل لنتائج الانتخابات.
ويقارن الكاتب هذا السلوك بما هو "غير معتاد في معظم الفصائل والأحزاب والتنظيمات العربية التي تتم هندسة انتخاباتها الداخلية مسبقاً لصالح الزعيم المؤبد، أو تنفجر فيها الخلافات منتجة تهميشاً أو انشقاقات".
ويؤكد المقال أن حماس حافظت على وحدتها وبنيتها الشورية المؤسسية منذ نشأتها عام 1987، مع متابعة الانتخابات الداخلية بشكل دوري منتظم كل أربع سنوات، ويشير إلى أن القاعدة والقيادات تحترم نتائج الانتخابات وتعمل تحت قيادة الفائز، بغض النظر عن الخلافات والاجتهادات في طرق العمل.
ويرى الكاتب أن هذا النموذج يكتسب قيمة إضافية لأنه يحدث في بيئات تعاني فيها الحركة من الحصار والتضييق والمطاردة ومحاولات الاختراق، وتدخل الحروب والمواجهات، ويستشهد الكثير من الصف الأول من قياداتها.
ولا يدّعي المقال أن قيادات حماس وأفرادها "ملائكة"، فهم بشر تنطبق عليهم عوارض البشر في حركة جماهيرية واسعة ممتدة في بيئات مختلفة (غزة والضفة والخارج)، لكنه يؤكد أن حماس نجحت حتى الآن في القدرة على الاستيعاب وإدارة الاختلاف، وتكريس أدبيات وبنى مؤسسية شورية وتنفيذية ترى في الوحدة والعمل المؤسسي ركناً أصيلاً في تكوينها وتربيتها ومسيرتها.
وقف الحرب وإعمار غزة
في أول كلمة له بعد توليه المنصب، وضع الحية وقف الحرب على قطاع غزة في مقدمة أولويات الحركة، داعياً الدول الراعية للمفاوضات إلى ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه والمضي نحو المرحلة التالية، وأكد أن "أولويتنا الأولى والواضحة هي الوقف الشامل للعدوان وتحقيق الانسحاب الكامل من قطاع غزة"، مشدداً على أن الحركة تعمل بالتوازي على استعادة الحياة الكريمة في القطاع وإعادة الإعمار.
وأكد الحية أن تحقيق الوحدة الوطنية يمثل أولوية أساسية في المرحلة المقبلة، معلناً انفتاح الحركة على جميع القوى الفلسطينية لإطلاق حوار شامل يفضي إلى برنامج وطني مشترك، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس الشراكة والتوافق.
يواجه الحية جملة من التحديات الداخلية، أبرزها إعادة تموضع الحركة بعد إنهاء مهام لجنة الطوارئ الحكومية، والاستعداد للانتقال من موقع إدارة القطاع إلى ممارسة دور سياسي في حال تولت لجنة تكنوقراط إدارة غزة، إلى جانب التعامل مع ملف الانقسام الفلسطيني.
وشدد الحية على رفض الحركة "بشكل قاطع كل ما ينتقص من حقوق شعبنا، وخاصة حقه في التحرير والدولة وتقرير المصير"، مؤكداً أن القيادة الجديدة ستواصل السير على "ذات الدرب والخطى" التي انتهجتها الحركة، حتى "تستقر الراية فوق الأقصى وربوع فلسطين"، وتوجه الحية بالتحية إلى سكان قطاع غزة، قائلاً إن الحركة ستواصل العمل "في كل مسار واتجاه" لرفع معاناتهم وإعادة الحياة إلى القطاع، معرباً عن ثقته بإمكان إعادة إعمار غزة "بكثير من العمل الجاد مع المخلصين من أبناء شعبنا وأمتنا وأحرار العالم".
كما وجه تحية إلى الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية، مؤكداً أن الدفاع عن الضفة الغربية "مسئولية وأمانة في أعناقنا"، ومشيداً بصمود فلسطينيي عام 1948 وتمسكهم بالهوية الفلسطينية، إضافة إلى الفلسطينيين في مخيمات اللجوء والشتات، وخاطب الحية كوادر حركة "حماس" وكتائب القسام، داعياً إلى مواصلة العمل وتحمل المسؤولية في هذه المرحلة، ومستذكراً عدداً من قادة الحركة الذين اغتيلوا، بينهم أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف وصالح العاروري.
وقال الحية: "إن توليه رئاسة المكتب السياسي للحركة يمثل أمانة عظيمة ومسئولية كبيرة في مرحلة وصفها بالحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الحركة ستواصل العمل لتحقيق أهدافها والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني".
وبعد أيام قليلة من توليه المنصب، أرسل الحية رسائل رسمية إلى قادة الدول الوسيطة في مفاوضات وقف إطلاق النار، دعاهم فيها إلى التدخل العاجل لإلزام الاحتلال بوقف انتهاكاته المستمرة، واستعرض تفاصيل الانتهاكات التي شملت استهداف المدنيين وتدمير المنازل وإعادة احتلال أراض جديدة، مبيناً أن حصيلة هذه الخروقات بلغت 1143 شهيداً منذ بدء وقف إطلاق النار، بينهم 409 من النساء والأطفال والمسنين.
النشأة والتعليم
ولد خليل إسماعيل الحية في 5 نوفمبر1960 في قطاع غزة. تلقى تعليمه الأساسي في مدارس غزة، حيث درس المرحلة الابتدائية في مدرسة حطين، ثم واصل تعليمه الإعدادي في مدرسة هاشم بن عبد مناف. حصل على شهادة البكالوريوس من الجامعة الإسلامية في غزة عام 1983، ثم نال شهادة الماجستير من الجامعة الأردنية عام 1989، وأكمل دراساته العليا حتى حصل على درجة الدكتوراه في السنة النبوية وعلوم الحديث.
وانخرط الحية في العمل الإسلامي مبكراً، وكان من أوائل المنتمين لحركة حماس منذ انطلاقتها عام 1987، يتمتع الحية بمكانة خاصة داخل الأوساط العسكرية للحركة، ويُنظر إليه بوصفه واحداً من أكثر السياسيين قرباً من قيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، كما عُرف بعلاقته الوثيقة مع مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين، حيث رافقه عن قرب وتأثر بمنهجه وفكره.
شغل الحية منصب نائب رئيس حركة حماس في قطاع غزة، وكان مسؤولاً عن مكتب حماس للعلاقات الإسلامية. انتخب عام 2006 عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني عن قائمة حماس، كما برز كقائد لوفد الحركة التفاوضي على مدار أكثر من عامين، حيث قاد المفاوضات في أبرز منعطفات الحرب الإسرائيلية على غزة.
"أبو الشهداء"
يُلقب خليل الحية بـ"أبي الشهداء"، بعد أن استشهد أربعة من أبنائه في هجمات إسرائيلية متفرقة. فقد استشهد نجله حمزة أولاً، ثم استشهد نجله الأكبر أسامة وزوجته وأطفاله في قصف مدفعي صهيوني، وفي سبتمبر2025، نجا الحية من محاولة اغتيال إسرائيلية في قطر أسفرت عن استشهاد عدد من الأشخاص بينهم أحد أبنائه ومدير مكتبه. وفي مايو 2026، استشهد ابنه الرابع عزام متأثراً بجراحه إثر غارة إسرائيلية. ولم يتبقَّ من أبنائه سوى نجل واحد أصيب في قصف إسرائيلي بمدينة غزة.
وقد نجا الحية من ثلاث محاولات اغتيال إسرائيلية سابقة في أعوام 2007 و2014 و2025.
محطات وقيادة حماس
جاء تأسيس المكتب السياسي في أعقاب إبعاد سلطات الاحتلال مئات من كوادر حماس إلى مرج الزهور جنوب لبنان عام 1992، وهو ما دفع الحركة إلى إنشاء إطار سياسي منظم لإدارة علاقاتها الخارجية والإشراف على مؤسساتها.
وانتُخب الدكتور موسى أبو مرزوق أول رئيس للمكتب السياسي، حيث ركز خلال سنوات قيادته على ترسيخ الحضور السياسي للحركة، وبناء شبكة علاقات عربية وإسلامية، إلى جانب وضع اللبنات الأولى للبنية التنظيمية للمكتب السياسي خارج فلسطين.
وشهدت تلك المرحلة اعتقال أبو مرزوق في الولايات المتحدة عام 1995 بطلب من الاحتلال، قبل أن يغادر لاحقًا إلى الأردن، لتبدأ مرحلة جديدة بقيادة خالد مشعل.
خالد مشعل.. عقدان من التحولات الكبرى
في عام 1996، تولى خالد مشعل رئاسة المكتب السياسي، ليصبح صاحب أطول فترة قيادة في تاريخ الحركة، امتدت لأكثر من عشرين عامًا.
شهدت تلك المرحلة أحداثًا مفصلية، من بينها محاولة اغتياله في العاصمة الأردنية عمّان عام 1997، ثم انتقال قيادة الحركة من الأردن إلى سوريا، قبل أن تستقر في العاصمة القطرية الدوحة.
وخلال فترة مشعل، مرت الحركة بمحطات سياسية وعسكرية بارزة، أبرزها انتفاضة الأقصى، وفوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، وتوليها إدارة قطاع غزة عام 2007، إضافة إلى الحروب الصهيونية المتكررة على القطاع.
كما قاد مشعل ملفات المصالحة الفلسطينية، ووسع شبكة العلاقات الإقليمية والدولية للحركة، قبل أن يغادر منصبه عام 2017 بعد استكمال المدد التي يحددها النظام الداخلي للحركة.
إسماعيل هنية.. الحضور السياسي والدبلوماسي
مع انتخاب إسماعيل هنية رئيسًا للمكتب السياسي في مايو 2017، دخلت الحركة مرحلة اتسمت بتعزيز نشاطها السياسي الخارجي، مع استمرار إدارة الملفات الداخلية في قطاع غزة.
وخلال ولايته، برزت جهود الحركة في ملفات التهدئة، وصفقات تبادل الأسرى، والمصالحة الفلسطينية، إلى جانب توسيع قنوات التواصل مع الوسطاء الإقليميين.
كما شهدت فترة هنية معركة "سيف القدس" عام 2021، ثم الحرب التي اندلعت عقب السابع من أكتوبر 2023، ليصبح أحد أبرز الوجوه السياسية للحركة على المستوى الإقليمي والدولي، قبل اغتياله في العاصمة الإيرانية طهران في يوليو/تموز 2024.
السنوار.. أقصر ولاية في تاريخ المنصب
في أغسطس 2024، انتخب مجلس شورى الحركة يحيى السنوار رئيسًا للمكتب السياسي خلفًا لإسماعيل هنية، في خطوة عُدّت تأكيدًا على استمرار القيادة من داخل قطاع غزة برغم ظروف الحرب.
إلا أن فترة رئاسته كانت الأقصر منذ تأسيس المنصب، إذ استمرت نحو شهرين فقط، قبل أن يعلن الاحتلال اغتياله في أكتوبر من العام نفسه، لتنتهي مرحلة استثنائية ارتبطت بإدارة الحركة خلال واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا في تاريخها.