بدأت أزمة مصانع التجفيف الكبرى (مثل مصنع سوهاج ومصنع القباري بالإسكندرية) مع موجة الخصخصة واسعة النطاق التي تبناها النظام في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك منتصف التسعينيات، والتي يراها خبراء سياسات تم تطبيقها بصورة غير مدروسة أدت إلى "تصفية" القلاع الصناعية لصالح مستثمرين هدفهم السريع كان بيع المخزون أو الأصول والأراضي بأسعار زهيدة مقارنة بقيمتها الحقيقية.
واستمر النهج؛ حيث وُجهت اتهامات متكررة لحكومات الانقلاب العسكري؛ بسوء الإدارة والبطء الشديد في إنقاذ هذه الأصول أو محاسبة المتسببين في تخريدها، فضلاً عن ترك الأراضي والمعدات عرضة للإهمال المتعمد لسنوات طويلة، وسط مخاوف مستمرة من تحويل مساحات هذه المصانع (مثل مساحة الـ 17 فداناً بسوهاج) إلى مشروعات عمرانية وأبراج سكنية بغرض تحقيق مكاسب عقارية على حساب الإنتاج الصناعي والتصدير.
كما حافظت حكومات الانقلابي بشكل عام على ذات الفلسفة الاقتصادية الرامية إلى تقليص دور الدولة المباشر في الإدارة الإنتاجية التقليدية لصالح القطاع الخاص، وهو ما يظهر في استمرار صفقات بيع الأصول أو طرحها للشراكة في إطار برامج التخارج الحكومي.
وتعامل مصر مع تركة هائلة من المصانع المعطلة والمتعثرة منذ عهد مبارك (مثل مصانع قطاع الأعمال العام التي توقفت في التسعينيات وبداية الألفينيات)، حيث لم يشهد العديد منها عمليات إحياء جذرية، بل بقيت الأصول عرضة للتآكل أو تحويل مساحتها لاستخدامات أخرى، مما يعتبره المعارضون "استكمالاً لنهج تصفية الأصول الصناعية لصالح قيمتها العقارية أو التجارية".
قطاع "البصل" والإنتاج الزراعي
من الناحية المفاهيمية والتقليدية، الأصح والافتراض أن تكون هذه المشروعات تابعة حصرياً لوزارات مدنية متخصصة مثل وزارة الصناعة، وزارة الزراعة، أو وزارة التموين والتجارة الداخلية، باعتبارها قطاعات مدنية خدمية وإنتاجية تديرها كوادر اقتصادية وإدارية مدنية.
ولكن، توسع دور المؤسسة العسكرية والجيش وصل لهذه المؤسسة (شركة النصر-مصنع تجفيف البصل) وفي الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية (عبر أجهزة مثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أو الهيئات التابعة) يأتي وفق لاعتبارات يطرحها إعلام الانقلاب.
ومنها ما يتعلق بالأمن القومي المرتبط بالغذاء، ومنها السلع الاستراتيجية والمشروعات القومية الكبرى (مثل مشروعات التصنيع الزراعي الحديثة في الدلتا الجديدة أو غيرها) باعتبارها قضايا تتطلب تدخلاً مباشراً وفرض سيطرة إدارية وتنفيذية سريعة لتجاوز "البيروقراطية" والتعثر الحكومي التقليدي.
ويبرر مؤيدو هذا التوجه تدخل القوات المسلحة بقدرتها على إنجاز المشروعات وضمان إدارتها بانضباط وحسم، في ظل وجود إشكالات هيكلية وبيروقراطية تعاني منها القطاعات المدنية أدت تاريخياً إلى تعثر أو إغلاق مصانع قطاع الأعمال العام (مثل مصنع سوهاج القديم).
وفي المقابل، يرى معارضون وخبراء أن توسع المؤسسة العسكرية في الإنتاج المدني والتجاري يزاحم القطاع الخاص، ويُضعف دور الوزارات المدنية والمؤسسات الرقابية والدستورية المفترض أن تكون هي صاحبة الولاية الأصيلة في التخطيط والتنفيذ الاقتصادي والتنموي.
ويُعد مصنع تجفيف البصل بسوهاج التابع لشركة النصر لتجفيف المنتجات الزراعية واحداً من أهم الصرح الاقتصادية والإنتاجية التي عرفتها مصر في القرن العشرين، فقد مثّل المصنع على مدار عقود عملاقاً صناعياً وتصديرياً تنافس به الدولة المصرية في الأسواق العالمية، قبل أن تواجهه مسارح التدهور والخصخصة التي أفضت إلى توقفه التام وتسريح عمالته، وسط مطالبات شعبية مستمرة بإنقاذه وإعادة إحياء دوره التنموي.
الاتهامات والتحديات الحالية
وتوجّه أصابع الاتهام من قبل المراقبين والمهتمين بالشأن المحلي نحو سياسات الإهمال المتعمد بهدف تحويل أرض المصنع الممتدة على مساحة 17 فداناً إلى كتل صخرية وأبراج سكنية، رغم أن خطوط الغاز الطبيعي تمر بجوار أسواره، وأن ماكينات التشغيل وغلاياته ظلت لسنوات صالحة وتعمل بكفاءة عالية داخل مخازن مغلقة.
وتسببت عملية الإغلاق في حالة من الإحباط الشديد بين فلاحي ومزارعي الصعيد نتيجة ضياع جهودهم وغياب العائد الاقتصادي المجزي لمواسم الحصاد المتعاقبة.
في إطار جهود الدولة لتعظيم الاستفادة من المحاصيل الزراعية وتعويض الفاقد القديم، شهدت محافظة سوهاج تحركات رسمية لإنشاء كيانات صناعية ومنها؛ مصنع تجفيف البصل والثوم بالكوثر:
وبين الحين والأخر (كل عام تقريبا) يعلن اقتراب الانتهاء من إنشاء مصنع جديد لتجفيف البصل والثوم بالمنطقة الصناعية بحي الكوثر باستثمارات تبلغ 150 مليون جنيه وعلى مساحة 20 فداناً، بتنفيذ من هيئة تنمية الصعيد وبالتعاون مع محافظة سوهاج لتقليل الفاقد الزراعي، ورفع القيمة الاقتصادية للمحاصيل عبر تحويلها من منتجات خام إلى صناعات ذات قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل جديدة لأبناء المحافظة، مع تحديد موعد التسليم النهائي ودخول الخدمة نهاية عام 2026.
مسار المأساة
وشهد المصنع محطات قاسية أدت في النهاية إلى خروجه عن الخدمة:
بداية الخصخصة (1996): بدأت الأزمة الفعلية بقرار خصخصة الشركة المالكة (شركة النصر لتجفيف المنتجات الزراعية) عبر طرح أسهمها للمستثمرين.
بيع الأسهم (2000): جرى بيع 37.44% من أسهم الشركة لأحد المستثمرين بمبلغ يقدر بـ 9 ملايين و885 ألف جنيه، وتشير التقارير إلى أن المستثمر قام فور توليه ببيع مخزون جاهز للتصدير قدر بـ 2400 طن بقيمة 13 مليون جنيه، متجاوزاً قيمة حصته المادية فور الشراء.
التوقف النهائي (2008): توقف المصنع تماماً ونهائياً عن العمل، وتم إنهاء عقود العمالة الدائمة والمؤقتة، والاستغناء عن الموردين والفلاحين بمحافظات الصعيد رغم تجاوز المساحات المنزرعة بالمحافظة آلاف الأفدنة.
البدائل
وتحصل مصر على بودرة البصل والثوم المجففين محلياً بشكل أساسي، وتأتي هذه المنتجات عبر عدة مصادر رئيسية داخل الدولة منها؛ شركات ومصانع التجفيف (الخاصة): يوجد في مصر العديد من الشركات والمصانع المتخصصة في تجفيف وتصنيع الخضروات (مثل مصانع القطاع الخاص في المدن الصناعية كالسادس من أكتوبر، وبني سويف، وغيرها).
أو التي تقوم بتقطيع وتجفيف وطحن البصل والثوم الخام وتعبئته في صورة رقائق أو بودرة للاستخدام المحلي أو التصدير، الإنتاج الزراعي المحلي: تعتمد هذه المصانع على المحاصيل الاستراتيجية الوافرة التي تنتجها المحافظات المصرية المشهورة بزراعة البصل والثوم (مثل سوهاج، أسيوط، المنيا، والفيوم).
ويكون الاستيراد الخارجي (بنسب محدودة): في حالات نادرة أو لبعض الأنواع الخاصة التي قد تطلبها الصناعات الغذائية أو العطارة المتميزة، قد يتم استيراد كميات ضئيلة من بعض الدول المجاورة أو الآسيوية، إلا أن السوق المصري يعتمد أساساً على الإنتاج المحلي نظراً لوفره الضخم واكتفائه الذاتي تاريخياً في هذين المحصولين.
عناصر قوة مصنع سوهاج
وقد يتساءل البعض في ظل وجود مصانع (خاصة) وتوسعات حديثة (مثل مصانع القطاع الخاص أو المشروعات الجديدة): ما هي القيمة الاستثنائية التي تجعل مصنع سوهاج القديم أو إعادة إحيائه علامة فارقة؟ وما هي عناصر قوته الفريدة التي تُميزه عن باقي المصانع في مصر؟
وتقع محافظة سوهاج في قلب الصعيد المصري، وهي المحافظة التي تنتج وحدها نحو 75% من إجمالي محصول البصل في مصر، بجوار محافظات قريبة مثل أسيوط والمنيا.
ووجود المصنع مباشرة وسط حقول المزارعين (حيث كان يستقبل المحصول الخام من مئات الموردين المحليين) يعني انعدام تكاليف النقل الباهظة، والحفاظ على جودة البصل طازجاً دون أن يتعرض للتلف أو "التهالك" نتيجة نقله لمسافات طويلة لمصانع في محافظات الوجه البحري أو المدن الجديدة البعيدة.
ولم يكن مصنع سوهاج مجرد منشأة عادية، بل كان الأكبر في قارة أفريقيا ودول الشرق الأوسط بطاقة تصنيعية هائلة بلغت 52 ألف طن سنويا مستقبلاً المحصول الخام من نحو 780 مورداً من مختلف محافظات الصعيد.
وهذه القدرة الهائلة جعلته قادراً على استيعاب الفائض الضخم من الإنتاج المحلي وحماية المزارعين من انهيار الأسعار نتيجة كثرة المعروض في موسم الحصاد.
وكان المصنع يتربع على عرش تصدير البصل المجفف للعالم دون منافس حقيقي، وتسابقت نحو 69 دولة ومستورد عالمي لحجز حصصهم منه.
وحصل المصنع خلال فترة تشغيله على 4 شهادات جودة دولية (منها شهادة الجودة والغذاء الآمن)، وهو ما يمنحه موثوقية عالية في الأسواق العالمية تفتقر إليها العديد من المصانع الحديثة التي تحتاج لسنوات طويلة لبناء هذه السمعة حيث تصدّر إنتاج المصنع لجميع دول العالم بلا منافس حقيقي، متصدرًا قائمة أجود أنواع البصل عالمياً.
الصناعات التكميلية
ومن مميزات المصنع؛ كان استخلاص وتصدير "زيت قشر البصل" إلى دول كبرى (مثل فرنسا وإنجلترا وبلجيكا) ليدخل في صناعات العطور والمستحضرات الطبية ذات العائد الدولاري المرتفع.
واستخدام قشور البصل الناتجة عن التجهيز كـ "علف حيواني"، مما يحقق قيمة مضافة كاملة للمنتج دون أي إهدار.
وضم المصنع قبل إغلاقه نحو 3580 عاملاً ومهندساً وفنياً من أبناء الصعيد، ما خلق "ذاكرة مؤسسية" وخبرة متراكمة في إدارة وتشغيل وصيانة خطوط الإنتاج الكبرى الخاصة بهذا المحصول الحساس، وهي ميزة تفوق مجرد امتلاك المباني والآلات الحديثة.
وأنشئ المصنع عام 1960 (وتشير بعض السجلات إلى فترات سابقة قريبة من منتصف الخمسينيات)، على مساحة شاسعة تصل إلى 17 فداناً بمدينة سوهاج، ويُعتبر محصول البصل محصولاً زراعياً إستراتيجياً يحظى بأهمية بالغة توازي محصول القطن.
وتمتع مصنع سوهاج بسجل حافل من الإنجازات الصناعية والتصديرية التي جعلته فريداً من نوعه على مستوى أفريقيا والشرق الأوسط.