بين مقصلة “التجديد السنوي” وضغط الودائع الخليجية.. كيف تآكلت استقلالية البنك المركزي المصري؟

- ‎فيتقارير

خبراء: تعيين المحافظ  قائما بالأعمال.. والودائع الخليجية تقود استقلالية البنك المركزي النقدية

لم يعد الحديث عن "استقلالية البنك المركزي المصري" مجرد ترف أكاديمي يدور في غرف مغلقة، بل تحول إلى قلب السجال السياسي والاقتصادي الساخن على منصات التواصل الاجتماعي وفي أروقة المؤسسات الدولية.

فبينما تُصدر السلطة التنفيذية توجيهاتها المباشرة لإدارة الملفات النقدية ومكافحة التضخم، يرى خبراء ومحللون اقتصاديون أن السيادة النقدية للبلاد باتت محاصرة بين فكي كماشة: أولهما داخلي يتمثل في مقصلة التعيين بصفة "قائم بالأعمال" وتجديدها سنوياً بمرسوم رئاسي بما يفرغ الحصانة الدستورية للمنصب من مضمونها، وثانيهما خارجي يرتبط بضغط الودائع والالتزامات التمويلية الخليجية.
 
هذا التداخل الحرج يكشف كيف تتحول الودائع الخارجية من أداة دعم مالي مؤقت إلى وسيلة ضغط غير مباشرة تسلب المصرف المركزي قدرته على اتخاذ قرارات تكنوقراطية مستقلة، مما يجعله مدفوعاً لمجاراة الإملاءات السياسية أو شروط الصناديق الدولية.

وبين أرقام الاحتياطي النقدي البالغة 52 مليار دولار والودائع الخليجية المتشابكة، ينقسم الشارع الرقمي بين من يرى في هذه الأموال نفوذاً يقيد القرار السيادي، ومن يدافع عن صلابة الموقف المصري في وجه الضغوط؛ ليبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء اقتصاد مرن ومستقر في ظل غياب "جدار الحماية" التشريعي الذي يضمن استقلال القرار المصرفي عن رغبات الحاكم الفرد؟

وانطلق السجال الرقمي الأخير عقب تداول الأنباء الرسمية حول الاجتماعات التنسيقية بين رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي؛ حيث تغطيات تفيد بالتوجيه المباشر لإدارة السياسة النقدية وكيف أنه بعد توجيهات المنقلب السيسي يلتقي أخيرا وخلال سبتمبر الجاري رئيس حكومة السيسي مصطفى مدبولي ويبحث مع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله الملفات الاقتصادية ذات الأولوية وجهود خفض التضخم وزيادة التدفقات الدولارية، مع العمل على تأمين احتياطي آمن من النقد الأجنبي وتعزيز الاستقرار المالي والنقدي".

 

ويواجه هذا المشهد "الإداري" نقد أكاديمي حاد من قبل متخصصين، حيث اعتبروا أن مناقشة القادة السياسيين للقرارات النقدية تضرب صلب القواعد المصرفية المستقرة، وفكك الباحث والاقتصادي د. محمد الشريف هذه الإشكالية قانونياً وعلمياً عبر تغريدات.

يؤكد  الشريف (@MhdElsherif): أنه "بناء على مبدأ استقلالية البنك المركزي يجب ألا يناقش القادة السياسيون (الرؤساء أو رؤساء الوزراء) السياسة النقدية أو قرارات أسعار العملة مع محافظي البنوك المركزية بهدف التدخل أو التوجيه، كما يحظر على مسؤولي البنوك المركزية طلب أو قبول أي توجيهات من المسؤولين السياسيين، أسعار الفائدة والتحكم في التضخم تقع تحت السلطة الحصرية والمستقلة تماماً للبنك المركزي".

 

ولم يكتفِ د. الشريف بتوضيح الأصل العلمي، بل انتقد الآلية الإدارية المتبعة في التعيين، معتبراً إياها ثغرة تفرغ الدستور وقانون البنك المركزي رقم 194 لسنة 2020 من الضمانات الحمائية.

ويضيف "الشريف"، في تغريدة تالية، "يعني إيه البنك المركزي يعين محافظه كقائم بأعمال محافظ البنك المركزي لمدة سنة ويجدد تعيينه كل سنة بقرار جديد من الرئيس؟ مدة تعيين محافظ المركزي طبقا للدستور 4 سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، ومنح الدستور وقانون البنك المركزي حصانة وضمانات تضمن استقلالية المنصب، و يحظر عزله إلا في حالات محددة يحددها القانون، وبشرط موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، المعنى هو نزع أو تقييد استقلالية عمل المحافظ وقراراته وإخضاعه لإرادة الرئاسة والحكومة، حتى البنك المركزي لم يسلم من سيطرة الحاكم الفرد، ويتحدثون عن إصلاح اقتصادي".

المحافظ الأصيل ضد القائم بالأعمال

يبرز الخبراء الفجوة التشريعية الكبيرة بين المفهومين وأثرها على "قوة القرار النقدي" وفقاً للتالي:

الآلية الدستورية المستهدفة:

وفي الأحوال الطبيعية، يصدر قرار تعيين المحافظ المثبّت (الأصيل) من رئيس الجمهورية بشرط موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه لمنحه شرعية رقابية مستقلة، أما آلية القائم بالأعمال، فتتم بمرسوم رئاسي مباشر يتجاوز العرض البرلماني الإلزامي كإجراء مؤقت.

المدد والحصانة ضد العزل:

ويفترض أن يتمتع المحافظ الأصيل بمدة مستقرة تبلغ 4 سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، مصحوبة بحصانة تمنع إقالته إلا عبر ضوابط صارمة. في المقابل، يُعين القائم بالأعمال لعام واحد فقط، مما يجرده من الاستقرار ويجعله مكشوفاً قانونياً أمام إرادة التغيير في أي وقت.

استقلالية القرار النقدي:

ويمتلك المحافظ المثبت قدرة أعلى على اتخاذ قرارات مصيرية أو قاسية (مثل رفع الفائدة بعنف أو تحرير الصرف) دون الخوف من الإقالة الفورية. بينما يقع القائم بالأعمال تحت ضغوط حسابات التجديد السنوي، مما قد يدفعه بنيّة مسبقة أو دون وعي إلى مجاراة التوجهات التوسعية للسلطة التنفيذية على حساب الانضباط النقدي.

 

شهادات من الميدان

وفي إطار الأزمة القانونية التي فككها النشاط الأكاديمي على السوشيال ميديا، تتماهى مع قراءات تاريخية ومؤسسية أدلى بها كبار المتخصصين في مصر، والذين رصدوا محطات التداخل بين السياسة والمال:

ويمثل د. محمود أبو العيون (محافظ البنك المركزي المصري الأسبق) تجسيداً تاريخياً حياً لـ "معركة الاستقلالية" داخل الجهاز المصرفي المصري؛ إذ تقدم باستقالته الشهيرة من منصبه كمحافظ للبنك المركزي قبل انتهاء ولايته الأولى، احتجاجاً على التدخلات السافرة لرئيس الوزراء آنذاك (عاطف عبيد) في إدارة السياسة النقدية وتوجيه قرارات البنك، وظل في كتاباته وأحاديثه اللاحقة يشدد على أن تداخل رغبات الحكومة مع قرارات البنك المركزي يجهض أي محاولة حقيقية لكبح التضخم.

كما ركز الخبير الاقتصادي هاني توفيق في أطروحاته ونقاشاته الإعلامية على خطورة دمج "السياسة المالية" (التي تديرها الحكومة وموازنتها) بـ "السياسة النقدية" (التي يفترض أن يديرها البنك المركزي باستقلال)، وانتد توفيق مراراً تحول البنك المركزي في بعض الفترات إلى ما يشبه "الممول المباشر" لطموحات الحكومة عبر التوسع في طباعة النقود أو تثبيت أسعار الصرف بشكل مصطنع لعقود، معتبراً أن البنك المركزي يجب أن يمتلك اليد العليا المطلقة في ضبط الأسواق دون إملاءات سياسية تسعى لحلول سريعة وقصيرة الأجل.

وعلى مستوى تقارير خبراء صندوق النقد الدولي (IMF) والمؤسسات الدولية، أفرد صندوق النقد الدولي أوراقاً بحثية متخصصة انتقدت ثغرات الحوكمة في القانون المصري الجديد للبنك المركزي، ورأى خبراء الصندوق أن تركيز بعض الصلاحيات الواسعة أو إبقاء قنوات التأثير المباشر للسلطة التنفيذية في اختيار القيادات والمجالس يضعف مصداقية البنك المركزي أمام المستثمرين الدوليين، وطالب الصندوق مراراً بتعزيز الشفافية ونشر محاضر اجتماعات لجنة السياسة النقدية لضمان عدم وجود ضغوط خلف الكواليس.

 

كبح التضخم وشفافية البيانات

وترتبط استقلالية المصارف المركزية عالمياً بمعدلات التضخم بعلاقة عكسية شرطية؛ وتتحقق الحماية الاقتصادية عبر مسارين فككهما خبراء ومؤسسات دولية (مثل صندوق النقد الدولي IMF):

وذلك من خلال عاملين الأول: تفعيل "جدار الحماية" المصرفي (The Firewall Effect): تقع الحكومات عادة تحت إغراء الحلول السهلة كسد عجز الموازنة عبر طبع النقود، بينما يمتلك البنك المستقل سلطة رفض التمويل النقدي المباشر للعجز لقطع الطريق أمام التضخم المفرط.

والثاني: ضبط توقعات الأسواق والمصداقية: عندما يثق المستثمرون في استقلال القرار المصرفي عن السياسة، تستقر توقعاتهم بشأن الأسعار وتتحجم ظاهرة المغالاة التحوطية في تسعير السلع.

 

بموازاة أزمة الاستقلالية الإدارية، تبرز أزمة أخرى تتعلق بـ شفافية تداول البيانات المالية وإتاحتها للمتعاملين، وهو ما انتقدته بعض الحسابات المهتمة بالرقابة المالية:

ويعلق الباحث الاقتصادي طارق سلامة (@tariksalama): "أخبار مش لطيفة، لكن الحقيقة، الحاجة اللي مستغرب لها فعلا هي حداثة وسرعة البيانات المالية اللي البنك المركزي بيقدمها للصحافة غير المصرية مع إن دي بيانات من المفروض يبقى نشرها شيء عادي ومتواصل على مواقع الحكومة أو البنك المركزي نفسه، مش معقول إن المستثمر أو المتعامل المحلي، على عكس الأجنبي أكيد، يعرف الأرقام دي من الصحافة الأجنبية، طب فين بقى ثورة الرقمنة في الجمهورية الجديدة؟".

"أموال الخليج" والاحتياطي

وخارج الحدود، تتداخل أرقام الاحتياطي النقدي المصري مع ملف العلاقات الاقتصادية الخليجية، مما أحدث استقطاباً رقمياً حاداً بين من يرى الدعم الخليجي "منة" تفرض شروطاً سياسية، ومن يراه "التزاماً جيوسياسياً" متبادلاً لا يقبل الابتزاز المالي.

والربط الجوهري والعلني بين الودائع الخليجية واستقلالية البنك المركزي يكمن في معادلة "القرار النقدي تحت وطأة الدين الخارجي"؛ حيث تتحول هذه الودائع من مجرد أداة دعم مالي إلى وسيلة ضغط سياسي مباشر تؤثر على قرارات البنك المركزي، مما يضطر السلطة السياسية (الحاكم الفرد) للتدخل في عمل البنك لإرضاء المانحين أو حماية النظام من التبعات.

ولا يمكن فصل المعركة الداخلية حول استقلالية البنك المركزي عن طبيعة وهيكل الالتزامات التمويلية الخارجية لمصر؛ فالودائع والشرائح التمويلية الخليجية الضخمة القابعة في خزائن البنك المركزي لا تمثل مجرد أرقام محاسبية، بل هي أداة نفوذ غير مباشرة تسلب البنك سيادته المطلقة على قراراته.

فعندما تصبح الدولة معتمدة على تجديد هذه الودائع لمنع انهيار الاحتياطي النقدي، تضطر السلطة السياسية والتنفيذية إلى التدخل المباشر في السياسة النقدية؛ سواء لإقرار تعويم مفاجئ للعملة أو لتعديل أسعار الفائدة؛ تلبيةً لاشتراطات هؤلاء الحلفاء أو الصناديق الدولية المرتبطة بهم، وهو ما يحول البنك المركزي من سلطة تكنوقراطية مستقلة إلى أداة تنفيذية تدير "أزمة الديون" تحت إملاءات سياسية وأجنبية متداخلة.

في هذا السياق، قارب الفنان والمعارض عمرو واكد الأرقام الرسمية للاحتياطي والودائع للرد على فرضيات الضغط الخارجي: يقول عمرو واكد (@amrwaked): "أي حديث من دول الخليج انها تستطيع ان تُفلس مصر أو حتى تضغط باسترداد ودائعها لدى البنك المركزي المصري هو حديث تافه الصراحة، هذا لأن ودائع كل دول الخليج مجتمعين اليوم تبلغ تقريباً ١٥ مليار دولار، حين ان احتياطي النقد والذهب لدى البنك المركزي المصري هو 52 مليار دولار، روح اللعب بعيد يا شاطر، إحنا ما زلنا مصر يا ابن إمبارح".

 

وعلى الجانب الآخر، قدّم الكاتب والمحلل الجيوسياسي حسين وحيدي مقارنة رقمية أوسع تحلل نسب الأصول الخليجية، داعياً إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن المشترك بعيداً عن لغة "التبعية":

وعبر (@haaw50) يقول الوحيدي: "الحقيقة البسيطة: إجمالي أصول دول مجلس التعاون الخليجي (صناديق سيادية + احتياطيات + استثمارات خارجية) تتجاوز 5 تريليون دولار، بينما إجمالي الاستثمار الخليجي المباشر في مصر + الودائع في البنك المركزي ≈ 90 مليار دولار فقط.. أي أقل من 2% من أموال الخليج الخارجية، العلاقات بين الدول لا تُقاس بالأموال فقط. مساهمات الخليج في دعم مصر مهمة وتخدم الأمن العربي المشترك، وليست 'منة' في مواجهة التهديدات الإيرانية، هل يكفي الاعتماد على الحماية الغربية (التي تحتضن أكثر من 98% من أصول الخليج)؟ أم نحتاج تكاملاً اقتصادياً إقليمياً أوسع…؟".