حظر البنك المركزي المصري على البنوك بتوجهات من نظام الانقلاب ، تمويل شركات التمويل الاستهلاكي لشراء الذهب والفضة والبلاتين، وألزمها بتصفية المديونيات القائمة المرتبطة بهذه العمليات، ومنع إعادة استخدامها لتمويل مشتريات مماثلة. ويأتي القرار تنفيذاً لتعميم الهيئة العامة للرقابة المالية، الذي اعتبر المعادن الثمينة أدوات استثمارية لا سلعاً استهلاكية مؤهلة لهذا النوع من التمويل.
تبرير القرار تنظيمي في ظاهره: التمويل الاستهلاكي مخصص لشراء السلع والخدمات، لا لشراء أصول يُحتفظ بها تحوطاً من التضخم أو تقلبات العملة. لكن القرار يسلط الضوء أيضاً على مفارقة في السوق المصرية: في وقت تتآكل فيه القوة الشرائية، يلجأ بعض المواطنين إلى الذهب لحفظ مدخراتهم، فيما ترى الجهات الرقابية أن اقتراضهم لشرائه يخلق مخاطر لا ينبغي تمريرها عبر شركات التمويل والبنوك.
الرهان على الذهب لا يضمن للمشتري مكسباً؛ فسعره قد يرتفع أو يتراجع، بينما تبقى أقساط القرض مستحقة. وإذا اشترى العميل المعدن بأموال مقترضة ثم هبط سعره أو احتاج إلى بيعه سريعاً، فقد يجد نفسه أمام خسارة في قيمة الأصل مع استمرار الدين. كما أن تعدد جهات الإقراض وإمكان حصول الشخص على تمويلات متزامنة قد يفاقمان عبء السداد، ثم تنتقل آثار التعثر إلى شركات التمويل والبنوك التي تمدها بالسيولة.
لكن هذا التفسير لا يجيب وحده عن سبب انتشار تمويل شراء الذهب. فحجم التمويل الاستهلاكي الممنوح في النصف الأول من 2026 بلغ، وفق بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية الواردة في التقرير، 71.8 مليار جنيه، بزيادة سنوية قدرها 88.5%، بينما تجاوز إجمالي التمويل الممنوح خلال 2025 نحو 96.3 مليار جنيه. هذه الأرقام تشير إلى توسع سريع في سوق الائتمان، لكنها لا توضح بمفردها حجم القروض الموجهة إلى الذهب أو نسبة العملاء المتعثرين.
لذلك يبدو القرار محاولة لضبط حدود النشاط الائتماني ومنع توجيه أموال البنوك إلى شراء أصول استثمارية عبر قنوات مخصصة للاستهلاك. إلا أن فعاليته ستتوقف على رقابة التنفيذ، وعلى قدرة الجهات المختصة على متابعة مديونيات العملاء عبر أكثر من شركة، لا على منع غرض تمويلي واحد فقط.
ويعزز البنك المركزي في الوقت نفسه شروط التمويل المقدم لشركات التنمية العقارية، مطالباً بفحص الوضع القانوني للأرض وجدوى المشروع وتدفقاته النقدية وقدرة الشركة على السداد، بدلاً من الاكتفاء بقيمة الأرض أو الوحدات كضمان. ويعكس المساران اتجاهاً إلى تشديد الرقابة على تمويل الشركات ومخاطر انتقال التعثر إلى الجهاز المصرفي.
أما الاختبار الأوسع، فهو ما إذا كانت القيود ستحد من المخاطر فعلاً من دون أن تقتصر على تغيير قناة الشراء، فيما تظل دوافع المواطنين إلى التحوط بالذهب قائمة. فالقرار يضبط وسيلة التمويل، لكنه لا يعالج بذاته أسباب اللجوء إلى الذهب ولا الضغوط التي تدفع الأسر إلى البحث عن ملاذ لمدخراتها.