كتب: حازم الأشموني
يأتي اتفاق المشروع النووي الذي وقع عليه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، اليوم، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليجعـل- بحسب خبراء ومحللين- مصر رهينة لموسكو لستة عقود قادمة.
وبدأت صحف وفضائيات ومواقع الإعلام الموالية للعسكر، في تدشين حملة دعاية تستهدف الترويج للمشروع والحديث عن إيجابياته، وسط تجاهل تام لأي انتقادات تحذر من إقامة المشروع، ورهن القرار المصري بموسكو على مدار عقود قادمة، إضافة إلى تضخم حجم الديون بصورة مخيفة.
المشروع سيقام على مساحة 45 كم متربع، بطول 15 كم على ساحل البحر، وبعمق 5 كيلومترات. ويضم 8 محطات نووية ستتم على 8 مراحل، المرحلة الأولى تستهدف إنشاء محطة تضم 4 مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء بقدرة 1200 ميجاوات بإجمالى قدرات 4800 ميجاوات. والذي سوف تنفذه شركة "روس آتوم" الروسية، ويستغرق تنفيذه 7 سنوات على أن تكون مواد التصنيع روسية، وتبلغ تكلفته نحو 29 مليار دولار، وسيقوم الجانب الروسى بتمويل 25 مليار دولار من كلفة المشروع على شكل قرض بفائدة سنوية تبلغ 3%، وتتكلف مصر 4 مليارات دولار.
وتزعم أصوات وتقارير موالية للعسكر، أن أرباح المشروع سوف تصل إلى "264" مليار دولار صافية، وهي نفس الأكاذيب التي تم الترويج لها قبل فنكوش تفريعة قناة السويس، وأنها سوف تدر 200 مليار دولار، بحسب مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، ثم تراجع وقال إنها سوف تحقق 100 مليار دولار، ثم تراجع وقال إنها سوف تحقق "13,2" مليار دولار في عام 2023م، دون أن يقدم دراسة جدوى للمشروع الذي تم إهدار أكثر من 100 مليار جنيه عليه دون فائدة تذكر.

التبعية لروسيا
ويحذر الباحث في الهندسة النووية بالكلية الملكية في كندا، د. محمد صلاح، من أن الاعتماد المطلق على التكنولوجيا الروسية في التوريدات والمستلزمات؛ يضع مصر تحت التبعية الاقتصادية والسياسية للدولة الروسية ولمدة تزيد عن 60 عاما، مؤكدا أن الترسية بالأمر المباشر هو أمر غير متبع عادة في مجال إنشاء المفاعلات النووية على مستوى العالم، وخاصة أن هناك أنواعا أخرى من المفاعلات؛ مماثلة في القدرة، وأكثر أمانا وتجربة من قبل شركات عالمية أكثر التزاما، كتلك التي في كوريا وكندا وأمريكا والاتحاد الأوروبي.
وأضاف- في دراسة سابقة حول المشروع- أن "عقد الاتفاقية بأسلوب تسليم المفتاح، وفي الإطار المعروف عن الأسلوب الروسي البخيل في نقل التكنولوجيا والخبرة، حيث لا يمنح زبائنه كامل معلوماته أو خبراته التكنولوجية، ليصبح الزبون تابعا له على الدوام، وليتمكن من التحكم فيه بشكل مستمر"، مضيفا أن "هذا سيؤثر بشدة على السياسة المصرية، ويجعلها ممزقة بين سندان الشرق، ومطرقة الغرب".
واستطرد صلاح قائلا: "بالرغم مما يذكر عن المفاعل الروسي من تعدد أطر الأمان؛ إلا أن الخبرة الروسية السابقة في الشفافية بالنسبة لمستوى الأمان في الحوادث المختلفة، مثل تشرنوبل، والغواصة النووية كورسك؛ تلقي بظلال كثيفة على خطورة تصميم المفاعل الروسي، وخاصة أنه لم يختبر بالقدر الكافي خارج روسيا حتى الآن، على خلاف المفاعلات الغربية الأخرى من نفس الطراز مثل PWR1000، وCANDU".
ولفت إلى أن "هذا المشروع إن اكتمل؛ سيكون عبئا على حاضر مصر ومستقبلها، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستويين الاقتصادي والعلمي، فضلا عن الأمني".

ولفت إلى أن طريقة صيانة وتصنيع وقود ومستلزمات المفاعل النووي؛ هي حكر على الشركة الروسية "روس آتوم"، مضيفا: "للأسف لا يوجد على موقع الشركة أو الإعلام المصري؛ أية تفاصيل عن طراز المفاعل VVER1200 الذي تم التعاقد عليه، حيث يوجد أكثر من تصميم مثل VVER-1200 (V-491) ، وVVER-1200 (392M)".
وأضاف: "كما أن تخصيب اليورانيوم بنسب تصل إلى 5 بالمئة على الأكثر؛ سيظل حبيسا للتبعية الروسية طوال هذه المدة، في ظل عدم امتلاك مصر لتلك التكنولوجيا، وهو ما لا نعرف عنه أي شيء من خلال بنود التعاقد المجهولة، لذا فإن هذا يستوجب الاعتماد التام على الطرف الروسي في إنتاج الوقود المخصب، بالإضافة إلى تصنيع الوقود بأبعاد معينة، وهي أبعاد وحيدة للمفاعل الروسي".
التوجه نحو مفاعلات أكثر تطورا
وأشار صلاح إلى أن "العالم على وشك الانتقال إلى مفاعلات الجيل الرابع، والتي تتمتع بكفاءة إنتاج الكهرباء بنسبة تتجاوز 50 بالمئة، مقارنة بـ30 بالمئة في المفاعلات الحالية، والتي منها طراز المفاعل الروسي"، مبينا أن "الصين بدأت بالفعل في بناء أول مفاعل من هذه المفاعلات".
وأضاف أن "الانتظار عدة سنوات قليلة؛ سيهئ فرصة لإعداد الكوادر، وسيجعل الجدوى الاقتصادية من دخول مفاعلات الجيل الرابع؛ أفضل بما يزيد على 20 بالمئة عن الجدوى الاقتصادية في بناء مفاعلات من الجيل الثالث، فضلا عن أن ذلك يوفر لنا تكلفة أقل، وتكنولوجيا أحدث".
تكلفة ضخمة وفساد واضح
وأوضح خبير التكنولوجيا النووية أن "متوسط سعر المفاعلات النووية في العالم؛ يتراوح بين أربعة وخمسة مليارات دولار، بينما العقد الروسي يكلف- وفقا لما هو معلن- 25 مليار دولار -كقرض- بما يمثل 85% من القيمة، وتدفع فوقها مصر ما يعادل 15 بالمئة، أي ما يعادل 4.4 مليار دولار، لتصبح القيمة الإجمالية ما يقارب 29.4 مليار دولار، وبذلك تصل تكلفة سعر المفاعل الواحد ما يقارب 7.4 مليار دولار، وهذا مع فرض عدم وجود أية إضافات مالية أخرى في حال تأخر سداد أقساط الدين".
وتابع: "بينما هناك مفاعلان- وفقا للتعاقد- بين نفس الشركة (روس اتوم) ودولة بيلاروس، في عام 2012، بتعاقد يبلغ خمسة مليارات دولار للمفاعل الواحد، أي بفارق يصل إلى 2.4 مليار دولار في المفاعل الواحد، أو ما يقارب 9.6 مليار دولار بالنسبة للمحطة النووية ككل، وهو ما يضع الكثير من علامات الاستفهام، وظلال من الشكوك بفساد واضح حول التعاقد المصري، وخاصة في ظل التعتيم على الاتفاقية، وعدم الشفافية في آليات اتخاذ قرار الترسية بالأمر المباشر، وعدم إجراء مناقصة دولية".