لم يكتف رأس النظام المصري عبد الفتاح السيسي بإنتاج مسلسل رمضاني (الاختيار 3) لتسويق روايته الشخصية لأحداث الثورة المصرية، ثم فترة حكم الرئيس محمد مرسي وانقلاب السيسي عليه، ولكنه تبع ذلك بحديث مباشر عما تضمنه المسلسل من أحداث شعر السيسي أنها لم تلق تصديقا شعبيا، بل وجدت سخرية من الكثيرين لمجافاتها للواقع، فعاد السيسي لطريقته التقليدية في القسم بأغلظ الأيمان أن ما تضمنه المسلسل من وقائع هي صحيحة، بل زاد عن ذلك روايات جديدة تتضمن اتهامات كبرى للمهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، ومنها أنه ظل يهدد السيسي بالقتل لمدة 45 دقيقة.

وقد سبق أن ردد هذا الاتهام قبيل ترشحه للانتخابات الرئاسية في 2014، وهو اتهام لم يرد في لائحة الاتهامات الكثيرة التي وجهتها النيابة للشاطر في القضايا العديدة المتهم فيها، وكان يمكن للسيسي أن يقدم بلاغا أو يوعز للنيابة أو للأمن الوطني بتحريك دعوى متضمنة تلك الاتهامات لكنه لم يفعل، حتى يتجنب مطالبته بتقديم الأدلة والتسجيلات كاملة، وهو ما لا يريده لأن التسجيلات التي تمت للقاءات المهندس الشاطر وغيره من السياسيين في مقر المخابرات الحربية لن تكون في صالح السيسي أو نظامه، وإلا فإن التحدي قائم أمامه بنشر تلك التسجيلات.

هو "ثأر بايت" للسيسي مع الشاطر وعدد آخر من الرموز المدنية والعسكرية؛ منهم -بخلاف قادة الإخوان- سامي عنان، وعصام سلطان، وزياد العليمي، وهشام جنينة. ولعلنا لم ننس حديث السيسي عن القائد الذي أهانه وهو ضابط صغير، ووصفه بـ"النتن" وتوعد السيسي بالانتقام منه حين يكبر، وكان يقصد سامي عنان.

ومن الواضح أن السيسي لم يغفر للشاطر مواقفه المتشددة المبكرة ضد مساعيه للانقلاب العسكري التي يبدو أن الشاطر كان يدركها، على عكس ما تم تسويقه من روايات خلال السنوات الماضية. وعلى الأرجح فإن التهديدات التي يشير إليها السيسي ويضخمها، لم تكن أكثر من تحذير الشاطر من مغبة الانقلاب على الرئيس لأن ذلك سيتسبب في حالة عدم استقرار، وهذا ما حدث بالفعل. فالذين انتخبوا محمد مرسي لم يكونوا مليونا أو اثنين بل 13 مليون مصري، ومن حقهم بل من واجبهم أن يدافعوا عن إرادتهم، وقد فعلوا، ودفعوا الثمن غاليا، ولا يزالون. وكانت أسرة الشاطر في طليعة الأسر التي دفعت ثمنا غاليا، باعتقال عائلها وصدور العديد من الأحكام القاسية بحقه، واعتقل معه ابنه وابنته، وزوج ابنته، ومات في مهجره زوج ابنة أخرى له (المهندس أيمن عبد الغني رحمه الله)، وصودرت كل شركاته وممتلكاته عقابا له على موقفه، ومع كل ذلك لم يتوقف السيسي عن معركته الثأرية مع الشاطر، وليس بالثأر تبنى الوطان.

أراد النظام المصري تكريس روايته التي ظل يرددها على مدار السنوات الماضية؛ أن خيرت الشاطر كان الحاكم الفعلي لمصر، وليس الرئيس مرسي، في محاولة لتشويه أول رئيس مدني، وإظهاره بمظهر الضعيف، ما يفضي بمفهوم المخالفة إلى إعادة الاعتبار للحكم العسكري القوي الذي لا ينتمي لحزب أو جماعة!!

والحقيقة التي يعرفها السيسي نفسه قبل غيره أن الرئيس لو كان ضعيفا لما استطاع الإطاحة بالمشير طنطاوي ونائبه عنان ومعظم قادة المجلس العسكري، عقب حادث مقتل الجنود في سيناء في رمضان 2012، باعتبارهم المسئولين المباشرين عن تلك الكارثة التي حاول المسلسل الرمضاني غسل يد القادة العسكريين منها، وتحميلها للرئيس مرسي وجماعته!!! وهل كان مرسي ضعيفا حين ظهر في أحد تسريبات الاختيار مواجها بقوة المشير طنطاوي، رئيس المجلس العسكري، ومحذرا إياه من تزوير نتيجة الانتخابات الرئاسية؟!! وهل كان مرسي ضعيفا حين أنقذ غزة من الهجوم الإسرائيلي في 2012، عندما صرخ "لن نترك غزة وحدها"؟! وغير ذلك من المواقف

وإذا كان مرسي ضعيفا مغلوبا على أمره كما تم إظهاره في المسلسل الرمضاني الذي راجع السيسي نصه كاملا، فلماذا تمت معاملته بتلك القسوة التي منعت صوته في المحكمة بطبقات من الزجاج العازل، والتي أفضت إلى موته أمام الجميع في المحكمة دون أن تتدخل هيئة المحكمة أو السلطة التي تنتمي لها لإنقاذه؟ ولماذا تم قتل نجله الأصغر؟ واعتقال نجله الأوسط؟ والتضييق على أسرته؟!

لا شك أن المهندس خيرت الشاطر كان له دور بارز في إدارة جماعة الإخوان، ومن ثم إدارة المشهد السياسي في مصر بعد الثورة وخلال حكم الرئيس مرسي، كونه النائب الأول لمرشد الجماعة، وكونه يمتلك مهارات قيادية خاصة، وهي ليست جديدة عليه، حيث ظهرت عليه خلال فترة دراسته الجامعية حين كان عضوا بمنظمة الشباب الاشتراكي، وشارك في قيادة مظاهرات الطلبة عام 1968، وهي المظاهرات التي نددت بالأحكام المخففة ضد قادة الطيران في نكسة حرب 1967، لكن دوره في قيادة الإخوان كان هو الأكثر بروزا.

وشأن أي قائد فإنه يتحمل تبعات القرارات والسياسات التي شارك في صنعها، وشأن أي بشر فهو أصاب وأخطأ، وبالتالي يُحمد وينقد، لكنه كما ذكرنا دفع ثمنا غاليا، ولا يزال يدفع حتى الآن. ويبدو أن السيسي يستهدف إبقاءه في السجن حتى وفاته، ولكن سنن الله غلاّبة، وما قدّره الله هو الذي سيحدث لا ما قدره السيسي، فقد حبسه مبارك مرات عديدة كان آخرها في 2007 وكانت عقوبته الحبس سبع سنوات، لكنه لم يمض سوى نصفها قبل أن تندلع ثورة يناير، ويصدر المجلس العسكري الذي كان السيسي نفسه عضوا فيه؛ قرارا بالعفو عن باقي المدة، ولا يدري أحد ماذا يحصل غدا!

نجا المهندس الشاطر حتى الآن من أحكام إعدام أولية صدرت بحقه، لكنه لم ينج من أحكام الحبس المشدد، وهي أحكام انتقامية مسيّسة. ويبدو أن السيسي لم يقنع بتلك الأحكام فأراد إصدار حكم إعدام معنوي ضد الشاطر عبر محاكمة درامية، قدم خلالها روايته الوحيدة للأحداث، وقدم خلالها اتهاماته بدون أدلة، في غياب المتهم في غياهب العقرب، لا يستطيع هو أو حتى محاموه الدفاع عنه، وبالتالي فمن المروءة أن يهب كل من يعرفه للدفاع عنه في مواجهة هذه الهجمة، مع الاحتفاظ بحق نقده في أي قول أو فعل خاطئ.

…………

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments