خبراء يكشفون أسباب تضاعف الجرائم الأسرية .. الفقر والضغوط النفسية وحالات الاكتئاب بزمن الانقلاب

- ‎فيتقارير

انتشرت جرائم القتل داخل الأسر المصرية  منذ الانقلاب العسكري بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، أخر تلك الجرائم قيام أم بقتل أطفالها الثلاثة في محافظة الدقهلية، تاركة رسالة لزوجها بأن أطفالها في أمان وراحة الآن.

الأمر لم يكن وليد صدفة أو حالة فريدة قد تمر عابرة أو مرورالكرام، لكنها تكررت طوال السنوات الثمانية الماضية ،بسبب الاكتئاب والهم و الجوع والفقر ، بعدما تدهورت الأوضاع الاقتصادية وهبط عشرات الملايين من المصريين إلى تحت خط الفقر وانتقل ملايين إلى دائرة  البطالة والبحث عن فرصة عمل.

اليوم يقبع نحو 60% من المصريين في الفقر بحسب تقديرات البنك الدولي، كما أن الأوضاع الاجتماعية والتعليمية لا تقل سوءا عن الاقتصادية؛ فالتعليم فُرّغ من محتواه ومناهج الدراسة تعمل على تهميش الشخصية وإبعادها عن القيم والتقاليد العربية بل والمعتقدات والثوابت الإسلامية، وهكذا أصبح المجتمع المصري يعيش في مستنقع من الفوضى وتحولت البيوت إلى ساحات عنف وإراقة دماء، تعددت أشكالها ما بين قتل أحد الزوجين للآخر أو أحد الأبناء أو جميعهم أو أحد الوالدين.

 

تقرير نامبيو

الإحصاءات تشير إلى ارتفاع مخيف في نسبة الجرائم في النطاق العائلي، فوفقا لآخر تصنيف لقاعدة البيانات العالمية "نامبيو" الخاص بتصنيف الدول حسب معدلات الجريمة، جاءت مصر في المرتبة الثالثة عربيا، والـ24 عالميا، وكشفت دراسات بجامعة عين شمس أن جرائم القتل الأسري في مصر تُشكل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل وهو معدل ضخم للغاية. و أكدت دراسة للمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن نسبة 92% من هذه الجرائم تتم بدافع العرض والشرف نتيجة الشك وسوء الظن والشائعات، فضلا عن أن العامل الاقتصادي من بين أبرز أسباب تضاعف معدلات القتل العائلي، لما أحدثه من مشكلات اجتماعية خطيرة.

 

انتحار ممتد في دولة السيسي

يكشف الدكتور طارق مجدي استشاري الطب النفسي، أن حادثة قتل أم لأطفالها الثلاث في الدقهلية يطلق عليها الانتحار الممتد، حيث يقرر الشخص أن يتخلص من حياته وليس حياته فقط وإنما ينهي حياة أقرب الناس له.

وأشار «مجدي» في برنامج رأي عام عبر فضائية TeN، إلى أن مثل هذه الحوادث ترتبط بحالات الاكتئاب الشديد.

وتابع أن الشخص الذي يصاب بهذه الحالة ويقرر أن ينهي حياته وحياة أقرب الناس له، يرى أنه يريحهم، مستدلا بما كتبته الأم في رسالتها أن أطفالها سيذهبون للجنة، مستبعدا أن يكون الجانب الاقتصادي أو المادي له علاقة بهذه الحادثة، حيث إن الاكتئاب يصيب الأغنياء والفقراء.

ونوه بأن هناك علامات تدل على إصابة الشخص بالاكتئاب، ومنها أن يصاب الشخص بحزن بدون سبب، وفقدان الاستمتاع بالحياة وفقدان الشهية وقلة النوم ونوبات حادة من البكاء بدون سبب، محذرا من الاستهانة بهذه الأعراض، حيث التوجه فورا للطبيب.

وأضاف ، المرعب في القضية، انتشار «جرائم القتل العائلي» التي حدثت بسبب الضغوط الاقتصادية والأزمات المالية فقط، والمنشورة بالطبع في الصحف والمواقع المصرية، دون إشارة لجرائم أخرى تحدث داخل نطاق الأسرة كالتعذيب والاغتصاب وزنا المحارم والسرقة والشروع في القتل.

 

معدل مرعب ومخيف

وكشفت دراسة حديثة أن 63% من الجرائم أصبحت ترتكب داخل نطاق الأسرة.

كما أوضحت دراسة بعنوان (الدوافع الاجتماعية والاقتصادية لجرائم القتل في الأسرة المصرية) أن جرائم القتل العائلي تمثل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل، وهو معدل ضخم ومخيف.

 وتكشف الدراسة، أن السياسات الاقتصادية الحديثة من بين أبرز أسباب تضاعف معدلات القتل العائلي، لما أحدثته هذه السياسات من مشكلات اجتماعية واقتصادية خطيرة أبرزها البطالة وانخفاض الدخول خاصة مع ارتفاع الأسعار، إذ أدت هذه التحولات لتأثير سلبي واسع المدى على النسق الثقافي والقيمي داخل الأسر؛ فأصبحت السلبية والأنانية واللامبالاة والفردية هي القيم المنتشرة بين أفراد الأسرة الواحدة بدلاً عن التعاون والمشاركة والولاء والانتماء التي كانت سائدة في الماضي.

ما يعني أن كل فرد أصبح يبحث عن مصلحته الخاصة فقط، وينشغل بهمومه وحده، ولا يجد حرجا من ارتكاب أي فعل يجني منه المكاسب والأموال، حتى إذا كان فيه ضرر لبقية أفراد عائلته أو كان مخالفا لقيم المجتمع.

 

البناء الأخلاقي

حول أسباب هذه الجرائم، قال الدكتور علي عبد الراضي، استشاري نفسي، إن "هناك عددا من التدخلات طرأت خلال الفترة الأخيرة على سلوك المجتمع المصري أدت لظهور جرائم عنيفة التي لم تكن موجودة من قبل، وحمّل عبدالراضي في تصريحات صحفية، مؤسسات الدولية عن مسئولية انتشار هذه الجرائم بتلك الصورة المرعبة خصوصا وزارة الثقافة تليها المؤسسة الدينية ثم الإعلام، والسينما والمسرح".

وأشار إلى أن الأعمال الدرامية أو السينمائية التي يتم تقديمها تشجع  على أعمال العنف وتساهم في انتشاره، لافتا إلى أن هناك دراسة تشير إلى أن أكثر من 95% من الأعمال الدرامية التي تقدم على الفضائيات فيها شكل من أشكال الجريمة والعنف والبلطجة والتعديات على قيم المجتمع أو انتهاك قيمه، والرغبة في الثراء السريع.

 

 

اضطرابات نفسية

الانهيار الاقتصادي وتدهور الأوضاع الاجتماعية واستفحال الفقر والتسول في عهد الانقلاب، حول حياة المصريين إلى جحيم وأوجد حالة من الاحتقان غير مسبوقة، هذه الأوضاع حذرت من خطورتها على مستقبل البلاد الأمانة العامة للصحة النفسية، والتي كشفت في نتائج مسح قومي للصحة النفسية كانت قد أجرته مؤخرا عن انتشار الاضطرابات النفسية بمصر بصورة لم تشهدها البلاد في كل عصورها السابقة.

وقالت الأمانة إنها "أجرت دراسة على عينة تقديرية بلغت ٢٢ألف أسرة، موزعة على المحافظات الحضرية، بنسبة ٤٥٪،والريفية بنسبة ٥٥٪ وذلك بالتناسب مع حجم الأسر في المحافظة".

وأكدت الدراسة، أن "معدل انتشار الاضطرابات النفسية، في المناطق الريفية، أعلى منها في المناطق الحضرية، وهو ما أظهر الحاجة لتوجيه تخطيط الخدمات النفسية إلى المناطق الريفية مطالبة بضرورة حل المشكلات العاجلة والتركيز على الأساسيات والضروريات التي يحتاجها المواطن وأسرته في حياتهم اليومية، بدلا من المشروعات الفنكوشية والإنجازات الوهمية التي تتغنى بها أبواق الانقلاب".

 

 

 

أسباب اقتصادية

 

وقالت الدكتورة عزة صيام أستاذ علم النفس بكلية الآداب ببنها إن "حوادث قتل الزوجات لأزواجهن أو العكس وكذلك الأقارب والأشقاء والأبناء والآباء والأمهات ربما ترجع إلى أسباب اقتصاية أو نفسية؛ نتيجة الظروف الاقتصادية التي يمر بها كل المواطنين في حياتهم ولا يستطيعون مواجهة هذه الظروف الصعبة فيضطر طرف إلى التخلص من الطرف الآخر بعد نشوب مشادات ومشاجرات كثيرة بينهم وأحيانا بدون أي مشاجرات".

وأضافت عزة صيام في تصريحات صحفية أن "البيئات الاقتصادية تؤثر في حياة الأزواج والأسر؛ بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة علاوة على بعض الحوادث التي تقع بسبب الخيانة الزوجية أو شك طرف في الآخر".

وأرجعت ذلك إلى "غياب الوازع الديني لدى الطرفين، متسائلة إذا كان أحد الطرفين لا يستطيع أن يتكيف مع الآخر فلماذا لا يتم الانفصال بينهما في هدوء بعيدا عن القتل والسجن وتشريد الأسرة ؟ ويكون الضحايا في النهاية هم الأطفال".

 

الترابط الأسري

ويرى الخبير النفسي والاجتماعي الدكتور إبراهيم عز الدين، أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة أكتوبر، أن هناك عدة أسباب رئيسية في زيادة الجرائم الأسرية، في الفترة الأخيرة، منها ضعف العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة، وضعف الإيمان بالله والوازع الديني ، والاختلال العقلي والنفسي والضغوط الاجتماعية والنفسية والظروف الاقتصادية وأبرزها الفقر، بالإضافة إلى إدمان المخدرات، وكذلك زيادة سرعة نمط الحياة والعداء بينهم، وأساليب التنشئة الاجتماعية وزيادة العنف في الإعلام، وفقدان الروابط الأسرية.

فيما قالت الدكتورة إيمان عبد الله خبيرة علم النفس إن "الجرائم قد تكون بسبب نفسي وتعرض الإنسان لضغوط نفسية واجتماعية تزيد من العنف، والغيرة والفصام والشخصية السيكوباتية، كلها أسباب لزيادة الجريمة؛ لأن الاضطرابات الشخصية تأتي بسبب الشعور بالرفض من قبل الأسرة".

 

إحصائيات مفجعة

الإحصاءات العالمية تؤكد أن معدلات الجريمة في مصر تضاعفت منذ  8 سنوات أو يزيد، حيث احتلت مصر المركز الخامس عربيا، بعد دول؛ سوريا والصومال وليبيا والعراق، في مؤشر الجريمة العالمي لعام 2017، بحسب ما أكده التصنيف السنوي لقاعدة البيانات العالمية "نامبيو" المعني بترتيب 125 دولة حسب معدل الجريمة فيها، مُشيرا إلى أن مصر جاءت في المرتبة الـ38 عالميا من حيث المعدلات المرتفعة لمستوى الجريمة بأشكالها المختلفة.

كما تؤكد الإحصاءات الحكومية ارتفاع معدلات الجرائم، حيث كشف تقرير لقطاع مصلحة الأمن العام، حول معدلات الجريمة في مصر، ارتفاع معدلات الجرائم بشكل عام خاصة القتل والسرقة بالإكراه وسرقة السيارات، بعدما ارتفعت نسبة الزيادة في معدل جرائم القتل العمد نحو 130%، أما معدلات السرقة بالإكراه فقد زادت بنسبة 350% بعد تسجيلها ألفين و611 جريمة، أما سرقة السيارات فقد زادت بنسبة 500%.