في ضوء استراتيجية التوحش الرأسمالي لنظام السيسي العسكري، لتسليع الخدمات الأساسية المنوطة بالحكومة كالصحة والتعليم وغيرها، يسارع نظام السيسي الزمن للتوسع في إنشاء مدارس خاصة ومدارس دولية وأخرى أطلق عليها "مدارس متميزة بمصاريف" من أجل إنهاء مجانية التعليم بطريقة غير مباشرة، من خلال دفع الأهالي دفعا نحو تلك المدارس، حفاظا على مستوى ومستقبل أبنائهم، في الوقت الذي يجري فيه وبقوة وسرعة إهمال المدارس الحكومية وتخريبها، عبر تقليص أعداد المعلمين وتكديس الفصول وعدم بناء فصول جديدة، ما يخفّض ويقلص الخدمات التعليمية في تلك المدارس، ما يزيد من فرص تحول الأهالي إلى المدارس الخاصة أو الدولية أو المميزة بمصاريف.

ووفق خطة جديدة تنتهجها الحكومة على غرار خصخصة التعليم الأساسي في مصر، كما حدث في الجامعات الأهلية التي أنشأتها للهدف ذاته، والتي بدأها وزير التربية والتعليم الجديد، رضا حجازي، بافتتاح أولى مدارس مشروع "مدارس مصر المتميزة".

وتقوم خطة  الحكومة بالتعاون مع رجال الأعمال لإنشاء المدارس الجديدة، التي تقدم فيها الدولة الأراضي للمستثمرين مقابل حق الانتفاع من المدارس المزمع إنشاؤها.

تلك الخطة بدأت منذ انقلاب السيسي ، للتوسع في إنشاء مدارس حكومية بمصروفات، بالشراكة مع جهات مانحة وهيئات خاصة، وهو ما أسفر عن وجود المدارس اليابانية التي تضاهي مصروفاتها المدارس الخاصة، وتصل إلى 15 ألف جنيه سنويا، في حين أنها مقدمة بمنحة يابانية لتطوير التعليم.

تتبع خطوة المدارس المقدمة بمنح من دول خارجية، مدارس دولية أخرى مثل مدارس النيل الدولية وتدرس مناهج دولية، وتصل مصروفاتها أيضا إلى 15 ألف جنيه، بالإضافة إلى المدارس الحكومية الدولية، وكذلك المدارس التكنولوجية التطبيقية، وجميعها بمصروفات دراسية تحت إدارة وإشراف الحكومة.

بالتوازي مع تلك السياسة التوسعية في المدارس بمصروفات، تتمادى في تجاهل المدارس المجانية، هذه السياسة قد تنذر بكارثة خلال العامين المقبلين؛ لأن هناك أكثر من 2000 مبنى مدرسي آيل للسقوط، وهناك مبانٍ أخرى تحاصرها القمامة ومياه الصرف الصحي ولا يتوفر بها الحد الأدنى من الخدمات المطلوبة لانتظام اليوم الدراسي.

 وبدلا من أن تبحث عن حلول عاجلة لتلك المباني تتجه للتعاون مع القطاع الخاص لتحقيق مكاسب مادية، ودون أن يكون لديها رقابة على المخصصات المالية التي تذهب لهيئة الأبنية التعليمية، وفي أحيان كثيرة يتم استرجاع ما يتبقى منها إلى خزانة وزارة المالية وتفويت الفرصة لصرفها على تطوير المباني المتهالكة.

وبحسب تقارير صادرة عن وزارة التربية والتعليم خلال العام 2018، يصل عدد المدارس الآيلة للسقوط إلى أكثر من 1200 مدرسة في عدد من المحافظات، على رأسها محافظة الجيزة، تليها محافظة القاهرة، ثم محافظة الإسكندرية، ثم محافظة القليوبية.

ووفق مصادر تعليمية، فإن  خطة إهمال بناء المدارس الحكومية مقصودة في الفترة الحالية؛ لأن الحكومة ليس لديها الرغبة في سد العجز الصارخ في أعداد المعلمين، وترفض أن تتحمل مزيدا من التكاليف في هذا الملف، بعد أن وصلت نسب العجز إلى 300 ألف معلم، وهو ما يهدد انتظام العملية التعليمية، وبالتالي فإنها تبحث عن شراكات مع القطاع الخاص تساعدها على تعيين جدد في المدارس ذات طبيعة المصروفات.

واكتفى السيسي بالإعلان عن تعيين 150 ألف معلم على مدار 5 سنوات، وهو نصف نسبة العجز الحالية التي ستأخذ في التضاعف خلال الأعوام الـ 5 المقبلة، والأكثر من ذلك أنه المسابقة الأولى التي كان من المفترض إجراؤها مطلع الصيف الماضي، لم يتم بعد ما ينبئ بمزيد من العجز مع بداية العام الدراسي الجديد المقرر انطلاقه مطلع الشهر المقبل.

وبحسب خبير تربوي، فإن النظام الحالي يرتكب جريمة قانونية وإنسانية بتجاهله نسب العجز المرتفعة في المدارس والمعلمين، مع اتجاه للاستفادة ماليا من التعليم المجاني، وإقدامه على مضاعفة مصروفات المدارس الحكومية التي كانت مجانية بعد أن وصلت إلى 500 جنيه، مشيرا إلى أن النظام يتعامل مع إرث المدارس الحكومية الموجودة حاليا باعتبارها ملكية خاصة به، في حين أن من شيد تلك المدارس هي الدولة المصرية وأموال دافعي الضرائب من المصريين على مدار عقود طويلة منذ أيام دولة محمد علي.

تلك السياسة تدفع أبناء الفقراء للتسرب من التعليم، ومن ثم زيادة معدلات الأمية، أو إرغامهم على دفع أموال من غير أن توفر خدمة تعليمية جيدة نظيرها، وهو ما يفاقم معاناة الأسر المصرية الاقتصادية في ظل غلاء غير مسبوق وارتفاع أسعار كل السلع والخدمات وانهيار العملة المصرية وتراجع مستويات المعيشة، ما يمهد لمزيد من الفتن الاجتماعية والطائفية.

ولعل أكثر ما يحزن المصريين هو إنفاق السيسي المليارات على المدن الترفيهية والكباري والطرق والمشاريع الرفاهية التي لا يستخدمها الشعب كأولوية بدلا من التعليم والصحة .

ولدى مصر أنواع متعددة من المدارس، وتشكل المدارس الحكومية التي كانت مجانية بشكل كامل، قبل أن تتضاعف رسومها السنوية خلال العامين الماضيين، الجزء الأكبر منها، ويبلغ عددها 48 ألفا و580 مدرسة، لكنها موزعة على 28 ألف مبنى مدرسي، ثم تأتي في المرتبة الثانية المدارس الخاصة والدولية، ويزيد عددها على 9 آلاف مدرسة خاصة، وهي بمصروفات دراسية تتراوح ما بين عشرة آلاف جنيه وتصل إلى 500 ألف جنيه في بعض المدارس الدولية.

وتأتي في المرتبة الثالثة المدارس التجريبية "الرسمية للغات" ويبلغ عددها 2397 مدرسة، وهي مدارس حكومية ولكن بمصروفات زهيدة مقارنة بالدولية، وتصل إلى 2000 جنيه، وتسعى الوزارة للتوسع فيها عبر "مشروع مصر للمدارس المتميزة" مع زيادة مصروفاتها خلال السنوات المقبلة.

وإن هناك توجها للتوسع في المشروع الحكومي الجديد عبر بناء 3243 مدرسة في 1150 موقعا على مستوى الجمهورية، ما يعني أن المدارس الجديدة ستعمل بنظام الفترتين (الصباحية والمسائية) ما سيكون له تأثيرات سلبية على معدلات تحصيل الطلاب.

وتتوسع الوزارة في إنشاء تلك المدارس في الوقت الذي تحتاج فيه لبناء 9 آلاف مدرسة حكومية بإجمالي 250 ألف فصل دراسي لسد العجز في المدارس الحكومية، ما يبرهن على توسعها في افتتاح المدارس ذات طبيعة المصروفات على حساب المدارس المجانية.

Facebook Comments