شكلت المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011 في مصر حقل ألغام سياسي وتاريخي، التبست فيه التكتيكات بالاستراتيجيات، وأشاع مراقبون أن ثمة "شهر عسل" أو صفقات سريّة عُقدت بين جماعة الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
غير أن القراءة العميقة والمقاطعة التاريخية للمواقف والشهادات الصادرة من قلب الحدث، ومنها شهادة المهندس خيرت الشاطر في أبريل 2012، وتحليل مصعب الشافعي عام 2018، بجانب القراءات النقدية والتوثيقية اللاحقة، تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ حقيقة تتلخص في أن الجماعة سارت في المسار السياسي دون تسليم أو خنوع لحكم العسكر، بل تحركت بدافع "الطمع الواعي" في تثبيت ديمقراطية الصندوق واستثمار المد الثوري لبناء مؤسسات مدنية مستقرة، في المقابل الذي كان فيه الطرف الآخر (الدولة العميقة والجنرالات) يتحرك بهدف واحد ومحدد: الهدم، وإجهاض التجربة الوليدة، وإعادة إنتاج نظام الاستبداد بأشرس نسخة ممكنة.
نبوءة الشاطر المبكرة: الثورة في مرمى نيران "الإنتاج المعدل" لنظام مبارك
لم تكن جماعة الإخوان المسلمين واهمة بشأن نوايا العسكر والدولة العميقة، بل كانت تدرك مبكراً حجم المؤامرة التي تُحاك في الكواليس للالتفاف على المكاسب الشعبية. ففي 16 أبريل 2012، وفوق منصة محافظة المنوفية، أطلق المهندس خيرت الشاطر، المرشح الرئاسي للجماعة آنذاك، صرخة تحذيرية واضحة نقلتها وسائل الإعلام كـ "دنيا وطن" حين قال إن "الثورة في خطر ولابد من الاستعداد للنزول للشارع والاعتصام بالميادين لعدة أيام حتى لا نسمح لأمثال مبارك بسرقة الثورة".
هذا التصريح الموثق في أدبيات تلك المرحلة يبرهن على أن قيادة الجماعة كانت تقرأ المشهد بقدر عالٍ من التوجس، حيث أشار الشاطر علناً إلى أن "فلول الحزب الوطني المنحل أمثال عمرو موسى وأحمد شفيق مستمرون في دعايتهم منذ عام لمنصب الرئاسة ويحاولون إبعاد المرشحين الإسلاميين وإشغالهم في تظلمات لا تظهر نتيجتها إلا بعد عدة أيام".
وفي تحدٍّ واضح لقرار استبعاده ومحاولات العسكر لعرقلة المسار المدني، أكد الشاطر في ذات اللقاء الإصرار على مواجهة مخططات الهدم ومواصلة التحدي قائلاً: "إن الإخوان سيستكملون الترشح للرئاسة، سواء به (أي الشاطر) أو بمحمد مرسي رئيس الحزب، أو دعم أحد المرشحين الموجودين ذوي التوجه الإسلامي".
لم يكن تحرك الإخوان نحو الرئاسة ترفاً أو رغبة في الاحتكار السياسي -كما روجت الآلة الإعلامية لرجال الأعمال الموالين للنظام السابق- بل كان خطوة اضطرارية لحماية الثورة من الهدم واستكمال المشوار تحت أي ظرف، لقد عبّر الشاطر عن ذلك الإصرار بالاستناد إلى الشرعية الشعبية التي منحت الإسلاميين 75% في انتخابات مجلسي الشعب والشورى والنقابات المهنية، مؤكداً أن المنهج هو البناء السلمي وعرض "مشروع النهضة" كشراكة وطنية عبر حكومة ائتلافية، لأن السلطة التشريعية وحدها لا تبني وطناً دون سلطة تنفيذية مدنية تحميها من توغل العسكر.
براهين الشافعي على النزال الشريف ونار تحت الرماد
في مقابل السردية السطحية التي روجت لمقولة: إن "مرسي وثق في السيسي، والإخوان وثقوا في العسكر"، جاء التحليل التوثيقي ل(مصعب الشافعي) الصادر في مايو 2018 والذي أعاد نشره عل فيسبوك؛ ليفكك هذه الأطروحة من الأرشيف، واصفاً العلاقة بين الطرفين بأنها كانت "كغرام الأفاعي، كلاهما مدرك حقيقة الآخر"، وأنها لم تكن توافقاً بل كانت "النار يعلوها الرماد".
يقدم الشافعي تسعة براهين واضحة تؤكد أن الإخوان خاضوا ضد العسكر معارك طاحنة في كل المحطات، مستخدمين الصندوق والشارع كأدوات بناء في مواجهة معارك الهدم.
انتخابات مجلس الشعب
حيث دعم العسكر كل الأحزاب ضد الإخوان بشهادة اللواء سامح سيف اليزل، وحصد الإخوان رغم ذلك قرابة 47%.
معركة الرئاسة والاضطرار للبديل
حيث كان الإخوان صادقين في عدم الدفع بمرشح رئاسي، لكنهم عندما رأوا كمال الجنزوري (ذنب العسكر) يصرح للكتاتني بأن قرار حل مجلس الشعب "في الدرج"، اضطروا للدفع بالشاطر، ولما تم استبعاده نزلوا بمحمد مرسي كبديل، في المقابل الذي دفع فيه العسكر بعمر سليمان كأداة هدم صريحة.
معركة مرسي وشفيق الدبلوماسية
حيث حاول العسكر تزوير البطاقات لصالح شفيق، لكن إدارة الإخوان للمعركة وإعلان الفوز فجراً قطع الطريق على مناورات العسكر والغرب وصدمهم بالواقع.
إسقاط وثيقة السلمي
عندما أراد البرادعي وقوى مدنية منح العسكر وضعاً خاصاً يحرس "علمانية الدولة"، ملأ الإخوان الساحات وأجبروا العسكر على التراجع مدحورين.
إبطال الإعلان الدستوري المكبل
جابه الرئيس مرسي فور توليه السلطة الإعلان الدستوري المكمل الصادر عن طنطاوي وعنان، والذي كان يهدف لشل صلاحيات الرئيس، فأصدر قراراته التاريخية بإبطاله وإقالة القيادات العسكرية، مجهضاً محاولة الوصاية.
معركة إتمام مجلس الشورى:التي حاول العسكر عرقلتها بشتى الطرق القانونية والسياسية لإبقاء البلاد بلا مؤسسة تشريعية.
إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المالية: حيث بدأ الرئيس مرسي بدهاء محاولات إخضاع الرئاسة ثم المؤسسة العسكرية للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو ما مثل تهديداً مباشراً لمصالح الدولة العميقة واقتصادها السري.
معركة دستور 2012: ورغم انسحاب جبهة الإنقاذ وعمرو موسى وممثلي الكنائس بإيعاز وضغط من العسكر لإفشال الجمعية التأسيسية، استمر العمل وخرج الدستور برئاسة المستشار الغرياني.
الاستفتاء الأخير كمعركة وجود: حشد العسكر دولته العميقة، وإعلامه، وحركة "بلاك بلوك"، والمال السياسي لإسقاط الدستور باعتباره استفتاءً على شرعية مرسي، وجاءت النتيجة بالموافقة بنسبة 64%، مما أوصل العسكر والقوى الغربية -وعلى رأسها السفيرة الأمريكية باترسون التي كانت تحث جبهة الإنقاذ والكنيسة على الحشد- إلى قناعة بأن أدوات التنافس المدني لن تسقط الإخوان، فلم يتبقَ أمامهم سوى "البلطجة والدبابة والطيارة" عبر الانقلاب العسكري.
النبوءات الزاخرة
ولم يكن الشيخ حازم أبو إسماعيل (فك الله أسره وإخوانه) الوحيد صاحب الرؤى الكاشفة للعسكر ويزخر أرشيف عامي 2011 و2012 بتصريحات واضحة وموثقة لكل من الدكتور محمد البلتاجي والمستشار صبحي صالح، تعكس تماماً عقلية " وتؤكد أنهم لم يسلموا رقابهم للعسكر بل كانوا يحاولون "ترويض" القوة الخشنة بالسياسة والصندوق.
البلتاجي (أيقونة الشارع والبرلمان)
وكان البلتاجي يمثل الجناح الأكثر قرباً للميدان، وكانت تصريحاته تعكس مواجهة صريحة مع العسكر والدولة العميقة دون أي مواربة:
وعن معركة وثيقة السلمي (نوفمبر 2011): عندما حاول المجلس العسكري فرض "المبادئ فوق الدستورية" لمنح نفسه وصاية أبدية على الدولة، قاد البلتاجي الهجوم علناً وقال: "لن نسمح للمجلس العسكري بأن يضع نفسه فوق الدستور، أو أن يختطف إرادة الشعب التي تجلت في الاستفتاء، من يريد حكماً عسكرياً فليبحث عنه بعيداً عن مصر الثورة".
وعن أزمة حكومة الجنزوري والتهديد بحل البرلمان (مارس 2012): قبيل تصريح الشاطر بأيام، وقف البلتاجي تحت قبة البرلمان ووجه رسالة نارية للعسكر والدولة العميقة التي كانت تهدد بحل مجلس الشعب، قائلاً: "إذا ظن النظام القديم ومجلسه العسكري أن بإمكانهم إعادة إنتاج نظام مبارك، أو إخراج قرار حل البرلمان من الأدراج، فإنهم واهمون، الثورة لا تزال في الميادين، والشعب الذي انتخب هذا المجلس قادر على حمايته".
أما مقولته الشهيرة عن الطرف الثالث (2012): كان أول من صك مصطلح "الطرف الثالث" للإشارة إلى المخابرات والدولة العميقة التي تهدم المسار المدني، حيث قال: "الطرف الثالث ليس شبحاً، بل هو جهاز الدولة العميقة الذي يدير الثورة المضادة من خلف الستار لإفشال أول تجربة ديمقراطية".
المستشار صبحي صالح
وكان المحامي صبحي صالح يمثل العقل القانوني للجماعة في تلك الفترة (عضو لجنة تعديل الدستور مارس 2011)، وكانت كلماته تدور حول فكرة "مواجهة الهدم بأدوات القانون والصندوق"، مع وعي كامل بأن العسكر يبطنون عكس ما يظهرون:
وحول النوايا الحقيقية للعسكر (أواخر 2011): في أحد لقاءاته القانونية، سُئل صالح عن مدى ثقته في تسليم المجلس العسكري للسلطة، فقال بعبارته الشهيرة: "نحن لا نتعامل بـ "الثقة" في السياسة، الثقة مكانها القلوب، أما في السياسة فنحن نتعامل بـ "الضمانات". وضمانتنا الوحيدة هي الشارع وصندوق الانتخابات، نحن نساير المسار القانوني الذي وضعه العسكر ليس حباً فيهم، بل لكي نلزمهم أمام العالم وأمام الشعب بعهودهم، ونقيم عليهم الحجة قانونياً ودستورياً".
وفي التعليق على الإعلان الدستوري المكمل (يونيو 2012): عندما أصدر المجلس العسكري إعلاناً دستورياً يكبل صلاحيات الرئيس القادم (قبيل إعلان فوز مرسي)، قال صبحي صالح: "هذا الإعلان هو محاولة انقلاب دستوري مكشوفة، وهو دليل على أن العسكر يخشون الديمقراطية المدنية. لكننا سنخوض هذه المعركة القانونية حتى النهاية، والصندوق الذي جاء بالرئيس سيبطل هذه المكائد".
زوبع و"حسن النية" السياسي
رغم هذا الوعي والصراع المحموم، يبرز النقد الذاتي والسياسي الحاد من داخل التيار نفسه ليضيء مساحات الخطأ الإستراتيجي في إدارة المشهد، يوضح الدكتور أحمد زوبع في قراءته التاريخية لذكرى 3 يوليو عبر حسابه الشخصي أن مظاهرات 30 يونيو لم تكن حراكاً شعبياً عفوياً، بل كانت "مظاهرات منظمة قادتها أجهزة المخابرات وتم تصدير وجوه مدنية مثل توفيق عكاشة وشباب تمرد وجبهة الإنقاذ (البرادعي وموسى)"، بتآمر مباشر من قائد الجيش المنقلب وبتمويل وإسناد إقليمي ودولي واسع لضمان ألا تصبح مصر دولة حرة مستقلة.
هنا يوجه زوبع إصبع اللوم لنهج الإخوان، معتبراً أن "الإخوان غلطوا إنهم صدقوا إن فيه ديمقراطية وإن الانتخابات ستجبر العسكر وتلزمهم ثكناتهم"، لقد غاب عن حسابات الحركة السياسية -وفق زوبع- أن الجنرالات والدولة العميقة يفتقرون للحد الأدنى من الاحترام للمسار المدني، وأنهم تاريخياً غير مستعدين للقبول بحاكم مدني يأتي بإرادة شعبية حرة. لقد ساير الإخوان المسار رغبة في البناء السلمي والنهوض بالدولة، لكنهم واجهوا خصماً عقيدته قائمة على الهدم الشامل لأي مسار ديمقراطي لا يضمن مصالحه الاحتكارية ونفوذه المطلق على المجال العام والاقتصادي.
https://x.com/drzawba/status/2072982345003528414
"البكباشية" وإنتاج الاستبداد الشامل
ويتلاقى هذا الطرح مع التحليل البنيوي الذي قدمه الحقوقي بهي الدين حسن، والذي يضع الصراع في سياقه التاريخي الأوسع الممتد منذ عام 1952، يرى حسن أن الانقلاب العسكري في 3 يوليو لم يكن يستهدف الإخوان المسلمين كجماعة أو فصيل ديني بالأساس، بل كان هدفه الرئيسي هو "استعادة أشرس نسخة من حكم البكباشية الذي تأسس في 1952".
وفقاً لهذا التحليل، فإن الدولة العميقة رأت في الانفتاح السياسي النسبي الذي بدأه السادات وطوره مبارك ثغرة أدت لانتفاضة 25 يناير والمطالبة بـ "حكم مدني وإسقاط حكم العسكر". لذلك، كان تحرك العسكر في 2013 يهدف إلى هدم كل السقوف السياسية التي طمح إليها المصريون للالتحاق بالمجتمعات المستنيرة، لقد تعامل العسكر مع الشعب والجماعات السياسية (علمانية وإسلامية على حد سواء) باعتبارها مجرد "وسيلة لتوصيلهم لأهدافهم الخاصة"، وكما يوضح حسن، فإن جنرالات 1952 و2013 لم يمتلكوا يوماً خطة مدروسة لمستقبل مصر أو نهضتها، بل تميزوا بامتلاك "خطة مدروسة جيداً لقلب نظام الحكم والانفراد بالكرسي والتخلص من المنافسين"، وهو ما يفسر تحول الدولة لاحقاً إلى الاستدانة، وتدمير الاقتصاد، وتقديس الجهل، وتحقير الطاقات المبدعة للمصريين.
تفنيد الأساطير الدستورية السوداء للدولة العميقة
في إطار معركة الهدم المستمرة، لم يكتفِ النظام العسكري باستخدام القوة المادية، بل عمد إلى صناعة ترسانة من الأكاذيب الإعلامية لتشويه فترة الحكم المدني وتبرير الانقلاب، ومن أبرز هذه المحاولات ما روج له الإعلامي مصطفى بكري بشأن مزاعم وجود اتفاق داخل الجماعة يقضي باعتذار الرئيس محمد مرسي عن الرئاسة في 4 يوليو 2013 لأسباب صحية، على أن يتولى خيرت الشاطر الحكم عبر إعلان دستوري مؤقت.
وقد قامت منصة "صحيح الإخوان" بتفكيك هذا الادعاء وتفنيده قانونياً وتاريخياً عبر زوايا حاسمة:
الزاوية الزمنية والمكانية (الإخفاء القسري): حيث أثبت التقرير التوثيقي أن الرئيس مرسي كان في التاريخ المذكور مختطفاً ومخفياً قسرياً ومحجوزاً بمعزل عن العالم الخارجي في مقار تابعة للجيش (بدءاً من دار الحرس الجمهوري شرق القاهرة، مروراً بجبل عتاقة ومطار فايد، وصولاً إلى وحدة الضفادع البشرية بالقاعدة البحرية في أبو قير بالإسكندرية)، وهو ما وثقته شهادات مرسي في المحكمة وتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. وبالتالي، فإن فبركة قصة التنازل للشاطر في هذا التوقيت هي محض تزييف درامي لا أساس له.
الزاوية الدستورية (عقيدة القانون ضد الفوضى): كشف التقرير أن دستور 2012 -الذي صاغه ودعمه الإسلاميون- يحتوي على مواد صارمة ومنظمة تنظيماً دقيقاً لحالات خلو منصب الرئيس، فالمادة 153 تنص صراحة على أنه حال وجود مانع مؤقت يحل محل الرئيس رئيس مجلس الوزراء، وحال خلو المنصب بالوفاة أو الاستقالة يعلن مجلس النواب (أو الشورى) خلو المنصب ويباشر رئيس المجلس التشريعي مؤقتاً سلطات الرئيس، على أن تُجرى انتخابات خلال 90 يوماً، مع حظر ترشح القائم بأعمال الرئيس للمنصب.
هذا التثبت الدستوري يوضح الفارق الجوهري بين عقليتين: عقلية الحركة المدنية (الإخوان) التي حاولت رغم كل الضغوط الالتزام بآليات البناء الدستوري والقانوني ومؤسسات الدولة، وعقلية العسكر والدولة العميقة التي قامت بـ "الهدم الكامل" للمسار الدستوري، وعطلت القوانين، واستعاضت عنها بالاختطاف، والإخفاء القسري، والبلطجة العسكرية العارية لفرض واقع سياسي جديد بقوة السلاح.
يسير ما قاله المهندس خيرت الشاطر في أبريل 2012 وما حلله الشافعي لاحقاً على نفس الوتيرة وبذات الخط البياني؛ وهو أن العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية/الدولة العميقة لم تقم يوماً على "الثقة المطلقة" أو التحالف الاستراتيجي، بل كانت صراعاً مبكراً ومكتوماً لإثبات القوة وتجنب الالتفاف على الثورة، وهو ما عبر عنه الشافعي بـ"غرام الأفاعي" (إدراك كل طرف لحقيقة الآخر والتربص به).