يثير استمرار استبعاد ملايين الأسر من منظومة الدعم وتأجيل التحول إلى الدعم النقدي تساؤلات واسعة حول أولويات الإنفاق العام بزمن المنقلب السفيه السيسى ، خاصة مع استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع معدلات الفقر والتضخم، في وقت تواصل فيه الدولة تخصيص موارد ضخمة لمشروعات كبرى يثار جدل حول جدواها الاقتصادية وسرعة عائدها.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحكومة باتت أكثر تشددًا في إدارة ملف الدعم، عبر تقليص أعداد المستفيدين، وربط الاستحقاق بمعايير أثبتت التجربة أنها لا تعكس دائمًا الواقع المعيشي للأسر، وهو ما أدى إلى حرمان عدد كبير من المستحقين قبل إعادة بعضهم بعد تقديم تظلمات.
وفي المقابل، لم تظهر مؤشرات مماثلة على تباطؤ الإنفاق على المشروعات القومية الكبرى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق والمشروعات العقارية، رغم الأزمة الاقتصادية الحادة وارتفاع أعباء الدين وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
تحولًا في فلسفة إدارة الموارد العامة
ويرى مراقبون أن هذا التباين يعكس تحولًا في فلسفة إدارة الموارد العامة، إذ أصبحت الأولوية -وفق هذا التقييم- لتوجيه الاستثمارات نحو مشروعات تعتبرها الدولة محركات للنمو وجذب الاستثمار، بينما يجري تقليص الإنفاق الجاري، وفي مقدمته الدعم الاجتماعي، استجابة أيضًا لضغوط الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات المؤسسات الدولية.
كما يعكس تأجيل تطبيق الدعم النقدي أن الحكومة لا تمتلك حتى الآن قاعدة بيانات مكتملة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي أي تحول غير مدروس إلى اتساع دائرة المتضررين، خاصة بعد التجربة السابقة التي شهدت حذف ملايين المواطنين من بطاقات التموين بسبب معايير تعرضت لانتقادات واسعة.
إصلاح على حساب الفئات الأكثر احتياجًا
ويؤكد خبراء أن أي إصلاح لمنظومة الدعم يفقد هدفه إذا جاء على حساب الفئات الأكثر احتياجًا، خصوصًا في ظل استمرار موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، حيث تصبح شبكات الحماية الاجتماعية عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الحد الأدنى من الأمن المعيشي.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن إعادة هيكلة منظومة الدعم تستهدف ضمان وصوله إلى المستحقين الحقيقيين، ومنع الهدر، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وأن تأجيل تطبيق الدعم النقدي جاء لتجنب أخطاء فنية وإدارية قد تؤثر في ملايين المواطنين، وليس بهدف تقليص الحماية الاجتماعية.
وتبقى القضية الجوهرية محل نقاش اقتصادي وسياسي، وهي كيفية تحقيق التوازن بين تمويل الاستثمارات العامة طويلة الأجل والحفاظ على شبكة أمان اجتماعي قادرة على حماية الفئات الأكثر تضررًا من تداعيات الأزمة الاقتصادية.