بعد بيان “محجوب عبدالدايم” .. مر اقبون: المركب تغرق والمستقبل مفتوح على احتمالات

- ‎فيتقارير

تُمثّل ثنائية "محجوب عبد الدايم" و"محفوظ عجب" امتداداً فكرياً وأدبياً عميقاً لنموذج الشخصية الانتهازية والوصولية في التاريخ السياسي والاجتماعي المصري، وهو النموذج الذي أسس له أديب نوبل نجيب محفوظ في روايته الشهيرة "القاهرة الجديدة" (التي تحولت إلى السينما برائعة "القاهرة 30" عام 1966)، ولم يكن "محجوب عبد الدايم" مجرد شخصية درامية عابرة، بل كان تجسيداً صارخاً لفكرة "سقوط الضمير" تحت وطأة الفقر والاحتياج في مدينة كبرى تلتهم مبادئ أبنائها.

الشاب الوافد من الصعيد الذي اختار أن يبيع عرضه ومبادئه مقابل وظيفة مريحة وستر مزيف يجاور السلطة والمال (ممثلة في الباشا ونفوذه)، ليطلق مقولته الخالدة التي تنطق بلسان البراغماتية المطلقة: "الشرف قيد لا يغل إلا أعناق الفقراء".

وامتداداً لهذا الخط الأدبي، ظهرت تعبيرات وتجليات معاصرة مثل شخصية "محفوظ عجب" لوصف نمط متجدد من المثقفين والإعلاميين الذين يدركون بالفطرة أن "أقصر الطرق إلى أعلى المبنى مرسومة دائماً من أسفل السلم".

هو ذلك الصحفي أو الكاتب الذي يطوع قلمه وفكره لتبرير سياسات الفوقية والسيطرة، مستبدلاً الثبات على المبدأ بالمرونة الكاملة في تغيير الجلد السياسي كلما تبدلت وجهات النظر في دوائر صنع القرار.

واسقط مراقبون ونشطاء منهم أستاذ الإعلام  أيمن منصور ندا هذه الروابط على المشهد السياسي المعاصر، لتجد أن هذا الدور لم ينتهِ، بل تمدد وتأسس في مؤسسات الخطاب الإعلامي ليصبح "وظيفة كاملة الأركان" يجسدها بامتياز أحمد موسى ونشأت الديهي ومصطفى بكري محور التحذير من ثورة جديدة.

مع العلم أنه قد يسمح بجلد الحكومة والوزراء إفراغاً لشحنات الغضب الشعبي، بينما تقف الرأس الكبرى ومراكز النفوذ الحقيقية في حصن منيع غير قابل للمساس، ليتحول "محجوب عبد الدايم" من شخصية سينمائية تناقش مأساة العهد الملكي وبيروقراطيته، إلى قالب وظيفي مستمر ومتجدد في إدارة الأزمات وتبرير السقوط الاقتصادي والسياسي للبلاد على مدار العقود وحتى يومنا هذا.

ولم تعد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية مجرد عارض عابر، بل تحولت إلى بنيان متهاوٍ يشبه "المركب الذي يغرق" وسط أمواج عاتية من الديون المتراكمة، وتآكل القوة الشرائية للعملة المحلية، وارتفاع معدلات الفقر التي تقترب تدريجياً من حافة المجاعة.

في هذا السياق المتأزم، تبرز الانعكاسات الحادة للسياسات المتبعة منذ منتصف العام 2013، وسط تهديدات مستمرة من السلطة وكل محجوب بكري تحذر من مغبة الخروج على الإدارة الحالية بحجة الحفاظ على الدولة ومنع انهيارها، متجاهلة تماماً الجذر الحقيقي للأزمة والمتمثل في اختيارات النظام الحاكم وإدارته للموارد العامة.

سياسات الإفقار الممنهج

وتتطابق الشهادات والتقارير الصادرة عن شخصيات سياسية وفكرية بارزة على تشخيص دقيق لعلل المشهد المصري الراهن، فقد أشار أستاذ القانون د.محمد محسوب بوضوح إلى فشل السياسات المتبعة على مدار العقد الماضي، والتي تمثلت في إرساء قواعد قمع أقصى لكبح أي معارضة حقيقية، وإنفاق أعمى على مشروعات ضخمة افتقرت إلى الدراسات الجدوى المنهجية والرؤية المتكاملة، سعياً وراء اكتساب شرعية مفقودة، فضلاً عن التنازل المستمر عن المكانة الإقليمية والدولية لمصر بغرض استجلاب الدعم المالي، وهو ما خلق واقعاً لا يمكن المضي فيه.@MohammedMAHSOOB

ومن جانبه، ذهب الحقوقي والكاتب بهي الدين حسن  رئيس مركز القاهرة لحقوق الإنسان، إلى أبعد من مجرد التحذير من خراب مصر المستقبلي، مؤكداً أن مصر قد "اتخربت بالفعل"، وأن ما ارتكبه الحكام الحاليون بحق الدولة يفوق ما قد يقترفه احتلال أجنبي أو تكرار لهزيمة عسكرية قاسية، وقد امتد هذا التدهور ليشمل قطاعات حيوية عدة؛ فإدارة التعليم الجامعي انحدرت لمستويات قريبة من الكتاتيب التقليدية، وانحط الحوار المجتمعي إلى درك غير مسبوق، بينما تراجعت مكانة مصر الدولية قرنين من الزمان، وأعادت الإدارة الحكومية البائسة الاعتبار لمظاهر العصر المملوكي.@BaheyHassan

https://x.com/BaheyHassan/status/2085713171499634902

قائلا: "إذا كان السيسي الحالي لا يملك الشجاعة للاستقالة من أجل مصر والمصريين، فلعله يقبل تفويض صلاحياته بشكل انتقالي لشخصية مدنية (أو اثنين) يتمتعان بالكفاءة اللازمة لإدارة الشأن الاقتصادي والمالي وتجفيف منابع شلال الفساد في الحكم.".

https://x.com/BaheyHassan/status/2086179436898983978

تبعات خبراء "صندوق النقد"

في السياق الاقتصادي البحت، كشف الخبير الاقتصادي حسن الصادي، عبر منصة حزب تكنوقراط مصر، عن تفاصيل خطيرة تخص المسكوت عنه في برامج الإصلاح الاقتصادي المفروضة من قبل مؤسسات دولية.@egy_technocrats

حيث أكد أن رجال صندوق النقد الدولي في مصر هم من صاغوا ونفذوا برنامجا تدميريا طال حياة الغالبية العظمى من الشعب المصري، ولم يكن المسؤول الأول عن هذا الخراب صندوق النقد بمفرده، بل النظام السياسي الذي جعل مصلحة المؤسسة الدولية والجهات الداعمة لها أولوية مطلقة على حساب لقمة عيش المواطن البسيط. إن سنوات الغلاء المتواصل، وتآكل قيمة الجنيه، والضغط المعيشي الهائل لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة خيارات واعية اتخذتها السلطة بملء إرادتها.

وقد صاحب هذا التدهور الاقتصادي تصريحات مثيرة للجدل نُقلت عن رأس السلطة تتعلق بمقارنة حالة الجوع والوفيات التاريخية بعدم الرغبة في هدم البلاد، وهو ما فسره مراقبون .@LoomSami963 بأنه تعمد صارخ لتجاهل شكاوى المواطنين من سوء الأحوال المعيشية، وكأن بقاء النظام يأتي على رأس أولويات الوجود بغض النظر عن عدد الضحايا الذين قد يسقطون بسبب العوز والفاقة

هندسة الوعي وتبرير القرارات

وفي خضم هذا الصراع بين السلطة والمجتمع، يبرز دور الآلة الإعلامية في توجيه الرأي العام وإدارة الأزمات، وفي قراءة نقدية عميقة قدمها الأستاذ الدكتور أيمن منصور ندا، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، تم تسليط الضوء على تحول بعض الأسماء الصحفية والإعلامية من مجرد أفراد عاملين في مهنة البحث عن الحقيقة إلى "وظائف" ثابتة ومؤطرة تخدم بقاء النظام.

بين تشكيل الوزارة العبثي ومقترح تفويض السلطات

وسط هذا الانسداد السياسي، يرى بهي الدين حسن أن محاولات إلهاء المصريين بطرح فكرة تشكيل وزارة جديدة ليست سوى "عبث وإهدار وقت ثمين" بينما تنهار الدولة فعلياً وتجف منافذ التسول والاستدانة واحدة تلو الأخرى.

وفي ظل استحالة صبور المصريين حتى نهاية الفترة الرئاسية الحالية عام 2030، يبرز مقترح للخروج الآمن يجنب البلاد آلام الانتقال الفوضوي أو استمرار نزف الموارد:

ويقضي المخرج الآمن بأن يقبل السيسي  تفويض سلطاته بشكل انتقالي لشخصية مدنية أو شخصيتين تتمتعان بكفاءة رفيعة المستوى في إدارة الشأن الاقتصادي والمالي ومحاربة الفساد.

وإذا كان السيسي يفتقر للشجاعة الكافية للاستقالة المباشرة من أجل إنقاذ مصر والمصريين، فإن تفويض الصلاحيات لنائب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء يتمتع بخبرة حقيقية يظل المخرج الممكن الوحيد في ظل الوضع المأساوي المستمر منذ اثني عشر عاماً، بحسب تغريدات متوالية ل.@BaheyHassan..

في مقابل خطاب التخويف والتهديد الذي تمارسه السلطة وأعوانها عبر التلويح بالفوضى وهدم الدولة، جاءت ردود أفعال القوى الشبابية والسياسية المعارضة حاسمة وصارمة. وفي تصريحات للدكتور عمر طلعت، المتحدث الرسمي لحركة ميدان، تم رفض الخطاب المبتذل الذي يعيد إنتاج الفزاعات القديمة لإرهاب المواطنين.

وأكد طلعت @MaydanEG25 أن الشعب المصري وشبابه المخلص الواعي لن يسمحوا بتكرار المشاهد المفتعلة، وهم يعلمون جيداً كيف يحافظون على بلدهم بالشكل الذي يحمي الوطن ويحفظ أمنه دون وصاية من أحد، كما شدد على أن فزاعة الفوضى قد استُهلكت تماماً، ولن يختار المصريون الاستبداد خوفاً من شبح الفوضى الذي يلوح به المستبد لاستمرار ظلمه وإجرامه.

مفتوح على احتمالات

إن المشهد المصري اليوم يقف على مفترق طرق حقيقي، كما أشار د.محمد محسوب، @MohammedMAHSOOB حيث الخيار الأيسر يتطلب توقفاً شاملاً ومراجعة جريئة لفتح نوافذ العقول وأصفاد السجون وأبواب التغيير الديمقراطي.

https://x.com/MohammedMAHSOOB/status/2086372302980039067

وبينما يصر النظام على السير في طريق مسدود، تتسع رقعة الرفض الشعبي والنخبوي لسياسات الإفقار والتهميش، ويبقى السؤال المعلق أمام الجميع: هل تتمكن الإدارة الحالية من قراءة الواقع بوحي من لغة العقل وتلبية مطالب الإنقاذ عبر تنازلات حقيقية وتفويض للصلاحيات، أم تستمر المركب في الغرق حتى تبلغ الطامة الكبرى التي تحذر منها كافة الأصوات الوطنية المخلصة؟