تداعيات مذبحة رابعة.. كيف ارتد الانقسام الاجتماعي والسياسي على البيوت

- ‎فيتقارير

تغلغلت مذبحة رابعة داخل النسيج المجتمعي المصري فتفككت أواصر الأسر والروابط اليومية، حيث لم يعد الانقسام محصورًا بين تيارات سياسية متنافسة في الشارع، بل انتقل إلى داخل غرفة المعيشة ذاتها، حيث أصبح الأب مؤيدًا لعملية الفض العسكري والسياسي، بينما يرى الابن الشاب أن ما جرى يمثل جريمة إنسانية لا يمكن غفرانها، وهذا الاستقطاب الحاد لم يستثنِ حتى أصدقاء العمر، إذ انقطعت العلاقات بين رفقاء الأمس وتغيرت لغة التخاطب اليومية بين المواطنين بشكل مقلق.

وتساءل مراقبون عما إذا كانت هذه المذابح أنتجت انقسامًا اجتماعيًا وأهليًا تجاوز في خطورته وعمقه الانقسام السياسي العابر، مقترحًا عنوانًا معبرًا لتلك الحالة: "من الميدان إلى غرفة المعيشة.. كيف قسمت رابعة المصريين؟" إن هذا التحول في الوعي الجمعي يعكس كيف تحول الخلاف في وجهات النظر إلى قطيعة وجدانية وأخلاقية شاملة داخل المجتمع الواحد، مما جعل السؤال حول مستقبل العيش المشترك قائمًا وملحًا.

 

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0

ردة الانقسام

 

وتناول الإعلامي عبد الرحمن مطر في 20 أبريل تداعيات الأزمة على مستوى الخطاب العام والإعلام والفن، متوقفاً عند الأثر التدميري لأعمال فنية بارزة مثل أغنية "إنتوا شعب وإحنا شعب" لعلي الحجار، والتي اعتبرها إعلانًا صارخًا بأن المجتمع قد شُطر إلى معسكرين نهائيين لا يلتقيان، وكأن مصر والمصريين لن يعودوا كما كانوا، وأشار مطر إلى أن المفارقات القاسية لتلك المرحلة امتدت حتى لتشمل الحياة الخاصة لبعض صناع تلك الأعمال والخطابات التحريضية، مبرزًا كيف أن الثقافة التي تزرع الفرقة والقطيعة في المجال العام لا تلبث أن تمتد لتضرب العلاقات الأسرية والإنسانية الأقرب للجميع مستشهدا بما حدث في بيت الحجار نفسه وعلاقته بابنته.

تأملات في أسباب الاستبداد

وطرح المفكر والأكاديمي الراحل د.خالد فهمي مقاربة تاريخية تستلهم العبر من سير الطغاة واستجابة الشعوب لهم، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم قد أوجز أسباب تعالي فرعون وخضوع القوم له في عدة محاور جوهرية تتكرر في التاريخ البشري:

 

    أولا: امتلاك السلطة للقوة العسكرية المفرطة التي ترهب بها الجميع وتفرض السيطرة المطلقة.

 

    ثانيا: هشاشة المؤسسة الدينية وتورطها المستمر في الفساد والتمحور حول مصالحها، وهو ما شابه وضع مؤسسة الكهنة تاريخياً في دعم الاستبداد.

 

    ثالثا: ارتباط الشعب المفرط بالأرض بشكل ولد طبيعة غير مغامرة، تستسهل العيش وتفضل الركون إلى الأمان المؤقت على مواجهة الظلم.

 

    رابعا: تراجع المعارضة السياسية والفكرية إلى درجة التلاشي الكامل وانعدام القدرة على التأثير.

 

    خامسا: تكريس الانقسام المجتمعي المتعمد لشطر المجتمع إلى فئتين، مصريين وغير مصريين، أو موطّنين ومخوّنين.

مرارة الانقسام العائلي

 

ونشر "محمد صلاح سلطان" المعتقل السابق في سجون السيسي مقالاً مؤثرًا في صحيفة "نيويورك تايمز" ركّز فيه على قصته الشخصية الموجعة مع خاله ضابط الشرطة، الذي شاركت وحدته الأمنية في فض اعتصام رابعة العدوية.

ويروي محمد تفاصيل مؤلمة عن ذلك الضابط الذي طالما أحبه ولم يره يومًا يستغل نفوذه أو يشارك في فساد المنظومة، ليكتشف لاحقًا أن نفس الوحدة التي يقودها خاله هي التي أصابته بطلق ناري مباشر في ذراعه أثناء عملية الفض.

والأسوأ من ذلك كان موقف الخال الذي امتنع نهائيًا عن زيارة ابن أخته طوال فترة اعتقاله الطويلة وإضرابه عن الطعام، مما حول مشاعر الحب العميقة في قلب محمد إلى كراهية وضغينة جارفة بعد أن تخلى عنه عائليًا في محبسه.

 

خرج محمد صلاح من المعتقل مسافرًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو مصمم على قطع علاقته بخاله نهائيًا، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة عندما أصيب خاله بقطاع سيناء في عملية مسلحة وخضع لعمليات جراحية دقيقة عانى بعدها من مضاعفات خطيرة قد تؤدي بحياته.

في البداية، لم يحزن محمد عليه ولم يبدِ أي تعاطف وتمنع عن الاتصال به، لكنه سرعان ما بدأ يعيد التفكير في إنسانيته وفي معاييره لتقييم الأمور، مدركًا أنه قد عامله بنفس طريقته القاسية؛ فكما تخلى عنه الخال في المعتقل، ها هو يتخلى عنه في محبس المرض.

واتخذ محمد القرار الأصعب بالاتصال بخاله المريض، متسائلاً بمرارة عن عدد العائلات المصرية التي مزقها الانقسام وعن مصير السلم الأهلي وقدرة مصر على التعافي مما جرى.

 

https://www.nytimes.com/2019/01/22/opinion/egypt-prisoners.html?fbclid=IwY2xjawTrIXNwZG9mBWV4dG4DYWVtAjExAGJyaWQRMUdKUWZHQ01ya1Z5Slk2d2JzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEe5tS-AfzrcQsvmwi32l4JsNlbaszxSpjSfD6EiKmwEk_uqveB0vw9_1sIQ80_aem_8p9nu42TEfBe9WeIXLnsuQ

زارع الحقد يجني الشماتة

 

وكتب الصحفي عامر شماخ مقالاً في 12 مايو 2025 بعنوان "زارعُ الحقدِ يجني الشماتةَ", يتناول فيه الأجواء النفسية والاجتماعية القاسية التي سادت مصر منذ اثنتي عشرة سنة، مؤكدًا أن الشماتة والاستبداد قد سكنا ديار المصريين منذ اللحظة التي كرّس فيها الاستقطاب المجتمعي لتقسيم الناس إلى فسطاطين لا ثالث لهما: معهم أو عليهم.

ويذكر الكاتب كيف أجاز البعض حينها قتل وحرق وسرقة خصومهم، واحتفلوا بأعمال فنية وإعلامية تحرض صراحة على التنكيل بالمعارضين ومطالبي الحرية.

 

ويستعرض الكاتب مشاهد قاسية لا تنسى من الذاكرة الوطنية؛ مثل إجلاء الجيران عن مساكنهم، وتدمير محلاتهم، ورفض أتباع السلطة دفن الضحايا في مقابر القرية، وصولاً إلى مواقف الشماتة العلنية بوفاة رموز المعارضة أو إيذاء خصومهم.

ويدافع شماخ عن المشاعر الإنسانية للضحايا ومن يعانون من الظلم، مؤكدًا أن إنكار حقهم الطبيعي في التعبير عن الغيظ أو إبداء الشماتة تجاه الظالمين وأعوانهم ينافي الفطرة البشرية، مستشهدًا بنصوص قرآنية ومواقف تاريخية لعدد من الصحابة والعلماء في الفرح بهلاك الظالمين والمستبدين والتشفي في طغيانهم.

 

https://www.facebook.com/amrshmakh.545597/posts/pfbid0riXec8tExDYWHGP4s1wFFpDCv56Cwvriw45WQ4iFC67G4g1m2zA9tvNYZWH5E3enl

تقرير لجنة تقصي الحقائق

نشرت صفحة "الموقف المصري" في 17 أغسطس 2023 قراءة تحليلية مفصلة في الذكرى العاشرة لمذبحة رابعة، مسلطة الضوء على الكشف عن الوثيقة الرسمية لتقرير لجنة تقصي الحقائق (القرار الجمهوري رقم 698 لسنة 2013) برئاسة المستشار فؤاد عبد المنعم رياض. وقد أثبت التقرير تورط المؤسسات الرسمية في استخدام قوات الأمن للذخيرة الحي بشكل عشوائي وغير متناسب، وتجاهل البدائل السلمية المتاحة لفض الاعتصام مثل الحصار ومنع المؤن، فضلاً عن تأكيد أن الأغلبية الكاسحة من القتلى لم تكن من العناصر المسلحة بل من المدنيين الأبرياء.

وسلطت قراءة "الموقف المصري" الضوء على التهديد الخطير الذي خلفه غياب المحاسبة القانونية طوال عقد كامل، مشيرة إلى أن هذا الإهمال أسفر عن انقسام عميق ومقلق في النسيج المجتمعي والسلم الأهلي.

وانقسم المجتمع المصري بين فئتين؛ الأولى مهللة ومؤيدة لعملية الفض العسكري، والأخرى شاجبة ومفزوعة من حجم العنف المفرط والقتل خارج إطار القانون، حتى وإن اختلف بعض الشاجبين مع التوجه السياسي للمعتصمين.

وأدى هذا الاستقطاب إلى غياب الحقيقة وتغيبها المتعمد وسط تضارب الروايات الرسمية والحقوقية.

وشدد التقرير على أن حماية الدولة والمجتمع لا تكون بالعنف الغاشم، بل بالتمييز الحاسم بين الخلاف السياسي وبين الانقسام الاجتماعي وخطابات الكراهية، والعودة لاحتكام المجتمع لدستور وقانون ينصف الجميع دون انحياز.

 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=619776993601119&set=a.113788360866654&locale=ar_AR