عاد تعبير "خراب مصر" إلى واجهة السجال السياسي المصري في سبتمبر 2026، بالتزامن مع تصريحات للمنقلب عبد الفتاح السيسي تحدث فيها عن أحداث 2011 وما وصفه بالممارسات الخطيرة ومحاولات إسقاط الدولة، معتبرا أن مصر نجت من مسار شهدته دول أخرى، وأن ما وصفه بمحاولات إسقاط الدولة لم ينتهِ.
في المقابل، رد ناشطون ومعارضون وحقوقيون برواية مغايرة، ترى أن النقاش ينبغي أن يتركز على الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ودور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد والإدارة، ومساحة الحريات العامة.
رواية رسمية تدعي حماية الدولة في مواجهة مخاطر إسقاطها، ورواية مراقبين تحمل النظام الحاكم مسئولية جانب كبير من التدهور السياسي والاقتصادي.
في 17 سبتمبر 2026، تحدث السيسي خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية المصرية عن أحداث 2011، وقال إن مصر واجهت ممارسات خطيرة للغاية، وإن الله أراد لها أن تنجو، كما تحدث عن استمرار ما وصفه بـ"الإلحاح" على إسقاط الدولة.
وفي الخطاب نفسه، زعم أن الحفاظ على الدولة لا يعني الحفاظ على شخصه أو الحكومة، معيدا الحديث عن أهمية تماسك مؤسسات الدولة وتعاونها.
في السياق ذاته، تحدث السيسي عن محدودية موارد الدولة وقدرتها على مواجهة تحديات ممتدة، وهي عبارة اكتسبت أهمية إضافية في ظل استمرار النقاش حول الديون، وخدمة الدين، وسعر الصرف، والتضخم، والاستثمار، وإدارة أصول الدولة.
وأصبحت مدخلًا لدى معارضي الانقلاب لطرح سؤال مختلف: إذا كانت الموارد محدودة، فما هي أولويات الإنفاق؟ ومن يتحمل تكلفة السياسات الاقتصادية؟ وما حجم الدور الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي؟
إنهاء العسكرة شرط
ونشر المهندس حاتم عزام (@drhatemazzam) النائب السابق ببرلمان العسكر، موقفًا يعتبر أن مواجهة ما يصفه بخراب مصر المتفاقم، يتطلب إنهاء ما يسميه انتشار العسكرة في السياسة والاقتصاد والتوظيف.
ويقول "عزام" إن الأكاديمية العسكرية لم تنشأ للتدخل في عقول المصريين أو إدارة الشأن المدني، وينتقد استمرار الدور العسكري في مجالات تتجاوز الاختصاص الدفاعي. ويقارن بين النموذج المصري ونماذج دول أخرى، ويطرح تصورًا تكون فيه المؤسسة العسكرية محصورة في وظيفتها الدفاعية.
ويأتي هذا الطرح في إطار موقف سياسي معارض يرى أن إعادة الفصل بين المجال العسكري والمجال المدني شرط أساسي لإصلاح الدولة.
مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهاء الدين حسن (@BaheyHassan)، قال فيه إن مواجهة ما يسميه "خراب مصر المتفاقم" لا يمكن أن يتم دون إنهاء ما يصفه بالعسكرة المتفشية في السياسة والاقتصاد والتوظيف.
وذهب حسن إلى انتقاد امتداد الدور العسكري إلى المجال المدني، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية ينبغي أن تركز على مهامها الدفاعية.
https://x.com/BaheyHassan/status/2101241284350402974
وطرح حسن بذلك سؤالًا محوريًا في النقاش المصري: هل توسع الدور العسكري يمثل حماية لمؤسسات الدولة أم يؤدي إلى تداخل المؤسسة العسكرية مع المجالات المدنية؟
وتعد هذه النقطة إحدى أهم مناطق الاشتباك بين خطاب السلطة ومعارضيها، فالمنقلب يقول إن التعاون بين مؤسسات الدولة لا يعني «عسكرة الدولة»، وإن الأكاديمية العسكرية تؤدي دورًا في تأهيل العاملين في مؤسسات الدولة وتعزيز فهمهم لمؤسساتها.
ويرى المراقبون أن إدخال المؤسسة العسكرية بصورة متزايدة في المجال الإداري والمدني يثير سؤالًا حول حدود هذا الدور.
صوت محرض
الفنان عمرو واكد (@amrwaked) قال إن هناك مصريين يحلمون بسقوط نظام السيسي، لكنه رأى أن الثورة لا يمكن أن يصنعها شخص واحد أو أن يأمر بها فرد فيستجيب له الشعب.
وطرح واكد تفسيرًا يرى أن الثورات تنشأ نتيجة تراكمات من الظلم والاستبداد والفشل والفساد، وأن العامل الحاسم فيها هو ما وصفه بـ«ألم الشعب».
وفي الجزء الآخر من منشوره، وجه انتقادات شديدة للنظام وللدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية، داعيًا إلى عودة الجيش إلى الاختصاصات الدفاعية الأساسية.
عمرو واكد ردّ على خطاب السيسي حول تخريب مصر من زاوية مختلفة؛ وقال إن الثورات لا يصنعها شخص أو محرض يأمر الناس بالخروج، وإنما تتولد، من تراكم الظلم والاستبداد والفشل والفساد والألم الشعبي.
وفي منشور، أشرتَ إليه، كتب "واكد" أن هناك مصريين يريدون سقوط نظام السيسي ويسعون إلى ذلك، لكنه شدد على أن أحدًا لا يستطيع أن يأمر شعبًا بأن يثور فيستجيب له، معتبرًا أن العامل الحاسم هو وصول قطاعات واسعة من الناس، إلى حالة من المعاناة والرغبة في تغيير الواقع.
وانتقل إلى تحميل النظام نفسه مسئولية تراكم الأوضاع التي قد تقود إلى انفجار سياسي، منتقدًا ما وصفه بسياسات سلب الحقوق وتوسيع امتيازات المؤسسة العسكرية، ومعتبرًا أن المشكلة ليست مجرد صوت محرض وإنما ما يصفه هو تراكم سياسات النظام.
ومن أبرز ما طرحه أيضًا أن أي تغيير مستقبلي، بحسب رؤيته، ينبغي أن يعيد المؤسسة العسكرية إلى المهام الدفاعية، وألا تكون طرفًا في إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو المناصب المدنية.
مصر بس اللي نجت
تصريحات السيسي عن "نجاة مصر" أعادت فتح سؤال قديم: ماذا تعني "نجاة الدولة"؟ وفي الرواية الرسمية، المقصود هو تجنب مصير دول أخرى شهدت انهيارًا مؤسسيًا أو صراعات داخلية بعد 2011.
وقال محمد إبراهيم (Mohamed Ibrahim) عن تصريح السيسي "مصر بس اللي نجت!" متسائلا "طيب نجت إزاي وانت بعت كل شواطئها للإمارات وقطر والدور جاي على شواطئ البحر الأحمر محجوزة للسعودية؟.. نجت إزاي وانت دمرت عملة البلد ودمرت مدخرات الناس؟.. نجت إزاي وانت خليت الناس مبقاش عندها أمل في بكرة؟.. نجت إزاي وانت عامل ودن من طين وودن من عجين؟.. نجت إزاي؟ عايزين نفهم… نجت إزاي وانت أي حد بيفتح بقه بيتم اعتقاله والتنكيل بأهله؟.. نجت إزاي؟!.. العراق باعوا أرضهم؟! ليبيا باعوا أرضهم؟! تونس باعوا أرضهم ؟!".
وأضاف "..بالعكس كان متقدم لهم عروض لشراء جزر في البحر ورفضوا.. سوريا آه اتبهدلوا بس محدش راح اشترى أرضهم وبقوا ممنوعين من دخول أراضيهم.. ممكن تعرفنا يعني إيه نجت؟!.. نجت عشان قعدت عالكرسي مثلًا؟.. محصلش انها نجت.. بالعكس دي خربت وكل قراراتك غلط.. المشكلة في إدارة الدولة؟.. ".
https://www.facebook.com/photo/?fbid=2349535422251173&set=a.1891921704679216
وعقب تصريحات "النجاة" من السيسي، كان مفهوم الخراب على التواصل يتعلق بعدد من المؤشرات الاقتصادية، من بينها ارتفاع الدين الخارجي، وتراجع قيمة الجنيه، والتضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن أكثر العبارات تكرارًا؛ الحديث عن أن القادم أسوأ، وارتفاع أسعار الوقود والمواصلات والغذاء، وهي تعكس في جانب منها مخاوف اقتصادية وشعورًا بالضغط المعيشي.