تستعد محاكم مصر لبدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 اعتباراً من الأول من أكتوبر 2026، بالتزامن مع توسع وزارة العدل في منظومة التقاضي عن بُعد وإطلاق منصة رقمية لخدمات المحامين، وبينما يرتبط التحول الرقمي بتحديث إجراءات العدالة، أثارت الرسوم الجديدة المفروضة على بعض الخدمات اعتراضات من محامين وحقوقيين وبرلمانيين، لتتداخل قضية تكلفة التقاضي مع أسئلة دستورية وقانونية تتعلق بالحق في الوصول إلى القضاء وحق الدفاع.
الرسوم الجديدة على أوراق
وأطلقت وزارة العدل بحكومة السيسي منصة خدمات المحامين الرقمية، وفتحت باب التسجيل بها تمهيداً لتفعيل خدمات التقاضي الجنائي عن بُعد، وبحسب محامين حاولوا التسجيل، تبلغ رسوم الاشتراك السنوي للمحامي 500 جنيه، فيما تبلغ رسوم حضور جلسة الجنايات عن بُعد 500 جنيه للجلسة، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس.
وتفرض المنصة كذلك 10 جنيهات مقابل تصوير الورقة الواحدة من ملف القضية الجنائية، بينما تتيح باقة تضم 500 رسالة نصية لمتابعة قرارات الجلسات مقابل 2500 جنيه، وتتطلب المنظومة شحن رصيد مسبق يخصم منه مقابل حضور الجلسات أو تجديد الحبس أو تصوير المستندات.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول التكلفة التراكمية للخدمات، خصوصاً في القضايا التي تمتد لفترات طويلة، ونقل عن محامٍ، تحدث إلى "القدس العربي" دون كشف هويته، أن هذه التكاليف قد تنعكس في النهاية على المواطن من خلال أتعاب المحاماة وتكاليف إقامة الدعوى وحضور الجلسات وتصوير الأوراق.
وأشار المحامي إلى أن الأثر قد يكون أكثر وضوحاً في قضايا المتهمين المحبوسين احتياطياً، إذ يمكن أن تتكرر جلسات تجديد الحبس كل 45 يوماً، بما يفرض أعباء متكررة على الأسر والمحامين المتطوعين.
اعتراضات المحامي العام
اعترض المحامي عمرو الخشاب، عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، على فرض الرسوم، وقال في منشور عبر «فيسبوك» :إن المحامي أصبح في كثير من الأحيان أمام «أمر واقع» يفرض عليه دون الاستعانة بالمتخصصين أو إجراء الدراسات اللازمة، رغم دوره الرئيسي في منظومة العدالة".
وأكد الخشاب أن نقابة المحامين لم تطلب ولم توافق على ما وصفه بـ«استكمال مسلسل الرسوم الجائرة» المتعلقة بالتقاضي الإلكتروني، معتبراً أن الرسوم تضع المحامي أمام أعباء إضافية، ومشدداً على أن التقاضي «مرفق خدمي وليس مرفقاً استثمارياً».
وفي مواجهة الرسوم، أقام عدد من المحامين، دعوى أمام مجلس الدولة للطعن عليها. وتقول الدعوى إن المبالغ المفروضة رسوم جديدة وإضافية وإجبارية، وإن استخدام المنصة يصبح عملياً الطريق اللازم لممارسة المحامي دوره عندما تتم إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد.
ولا يقتصر الطعن، بحسب الدعوى، على قيمة الرسوم، وإنما على أساس فرضها من دون سند تشريعي يحدد معيارها والجهة المختصة بفرضها وضمانات حقوق المتهم والدفاع.
المادة 38 والحق في الوصول إلى القضاء
استند مقيمو الدعوى إلى المادة 38 من الدستور، التي تنص على أنه «لا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب، أو الرسوم، إلا في حدود القانون»، معتبرين أن إنشاء الرسوم وفرض الأعباء المالية العامة يجب أن يتم بالأداة التشريعية التي حددها الدستور.
كما استندوا إلى ما وصفوه باستقرار قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الحق في التقاضي يقتضي تمكين المتقاضي من الوصول إلى القضاء بصورة ميسرة لا تثقلها أعباء مالية أو عوائق إجرائية، وأن حق الدفاع يرتبط بحق التقاضي باعتبارهما حقين متكاملين في الوصول إلى العدالة.
واستشهدت الدعوى بحكم دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 7402 لسنة 44 قضائية، الصادر في 3 يوليو/تموز 2003، بشأن تطوير مرفق القضاء باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، والذي تناول، وفق ما أوردته الدعوى، ضرورة تدخل المشرع عند زيادة الرسوم القضائية لتقرير مساهمة المتقاضين في نفقات الخدمات، إعمالاً لمبدأ الشرعية وسيادة القانون.
«تسليع العدالة» وتحرك برلماني
وفي السياق ذاته، أصدرت مؤسسة دعم العدالة في المركز العربي لاستقلال القضاء ورقة قانونية بعنوان «تسليع العدالة… انتهاك الحق في الوصول للعدالة»، تناولت مفهوم الرسوم القضائية والمرجعية الحقوقية للحق في التقاضي والقواعد الدستورية والقانونية للرسوم.
واستعرضت الورقة ما وصفته بزيادات غير مشروعة للرسوم القضائية منذ 2018، قالت إنها فرضت بقرارات إدارية من رؤساء المحاكم ورؤساء النيابات، معتبرة أنها تمس حق المواطنين في الوصول إلى العدالة، ودعت إلى إلغائها ومواجهة الزيادات غير القانونية، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات غير القادرة على تحمل تكاليف التقاضي.
وبرلمانياً، تقدم بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل بشأن رسوم التقاضي عن بُعد وأثرها على الحق في التقاضي والدفاع.
وقال الصوّاف: "إن قرارات تنظيمية خلال مارس 2025 شملت نحو 33 خدمة قضائية، بينها قيد الدعاوى واستخراج صور الأحكام وشهادات الجدول ومراجعة الملفات ونسخ الحوافظ والإعلان والتنفيذ، مشيراً إلى أن الزيادات في بعض الخدمات تراوحت بين 200 و500%."
كما أشار إلى أن تصوير الورقة الرسمية في بعض الملفات الجنائية يصل إلى 40 جنيهاً للورقة الأولى و35 جنيهاً لما يليها، بما يعني أن ملفاً من ألف ورقة قد تتجاوز تكلفة تصويره 35 ألف جنيه، واعتبر أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى تكلفة تمنع المواطن من الوصول إلى القضاء، قائلاً: "العدالة ليست خدمة رفاهية، والتقاضي ليس سلعة، وحق الدفاع لا ينبغي أن يكون مرهوناً بالقدرة المالية".
بدء التطبيق في أكتوبر
صدر قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 ونُشر في الجريدة الرسمية في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ونصت المادة السادسة من مواد الإصدار على بدء العمل به اعتباراً من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ النشر، أي في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ومع بدء التطبيق، يُلغى قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، وتخضع إجراءات القبض والتحقيق والحبس الاحتياطي والمحاكمة للقواعد الجديدة، مع مراعاة الأحكام الانتقالية التي حددها القانون.
7 تدابير بديلة للحبس الاحتياطي
من أبرز التغييرات التي يتضمنها القانون الجديد توسع المادة 114 في التدابير البديلة للحبس الاحتياطي، إذ حددت سبعة تدابير تشمل عدم مغادرة المسكن أو الموطن، وتقديم المتهم نفسه إلى مقر الشرطة في أوقات محددة، وحظر ارتياد أماكن معينة.
كما تشمل عدم مغادرة نطاق جغرافي محدد إلا بإذن النيابة العامة، والامتناع عن استقبال أو مقابلة أشخاص معينين أو الاتصال بهم بأي وسيلة، والمنع المؤقت من حيازة أو إحراز الأسلحة النارية وذخيرتها، واستخدام وسائل تقنية لتتبع المتهم وفق الضوابط القانونية والتنظيمية.
وتحدد المادة 113 حالات إصدار أمر مسبب بالحبس الاحتياطي، ومنها حالة التلبس في الجرائم التي يتعين تنفيذ الحكم فيها فور صدوره، والخشية من هروب المتهم، أو الإضرار بمصلحة التحقيق، مثل التأثير على المجني عليه أو الشهود، أو العبث بالأدلة والقرائن، أو الاتفاق مع باقي المتهمين لتغيير الحقيقة، أو طمس معالم الجريمة.
الحبس الاحتياطي والرعاية الصحية.. ملفان حقوقيان
في المقابل، تستمر الانتقادات الحقوقية للحبس الاحتياطي المطول، وقالت مؤسسة «الشهاب لحقوق الإنسان» "إن إطالة الحبس قد تؤدي عملياً إلى التعامل مع المتهم باعتباره محكوماً عليه رغم عدم صدور حكم نهائي، محذرة من آثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية على المحتجز وأسرته، ومن فقدان العمل والدخل والوصمة الاجتماعية".
كما أشارت إلى أن تكرار التجديد وإطالة المدة قد يحول الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي مؤقت إلى عقوبة فعلية قبل الحكم.
وفي ملف الرعاية الصحية، تنص المادة 36 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 على عرض المحكوم عليه المصاب بمرض يهدد حياته أو يعجزه عجزاً كلياً على مدير القسم الطبي لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج عنه، كما تنص المادة 486 من قانون الإجراءات الجنائية على جواز تأجيل تنفيذ العقوبة إذا كان المرض يهدد حياة المحكوم عليه أو يجعل التنفيذ خطراً على حياته.
لكن رضا مرعي، المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يقول: "إن الواقع يواجه مشكلات تتعلق بتوفير الأدوية والتجهيزات الطبية داخل السجون، مشيراً إلى حالات رفض إدخال أدوية من الخارج بحجة عدم معرفة طبيعتها أو غياب طبيب السجن لفحصها، كما اعتبر أن وجود طبيب واحد في بعض المنشآت لا يكون كافياً مع ارتفاع أعداد السجناء".