توفي الأستاذ محمود سيد عثمان، كبير معلمي اللغة العربية بمدرسة علي مبارك الإعدادية بنات بمدينة ديروط في محافظة أسيوط، يوم 17 سبتمبر، لتبدأ منذ الساعات التالية لوفاته رواية رسمية وإعلامية محلية عن صحف الانقلاب "هبوط حاد في الدورة الدموية"، بينما ظهرت في المقابل روايات وشهادات تتحدث عن واقعة اعتداء سبقت الوفاة داخل المدرسة، وتطالب بالتحقيق في ملابسات ما جرى.
وكان أبرز من تناول القضية من هذه الزاوية الصحفي عبد الحميد قطب، إلى جانب الصحفي إسلام الغمري، اللذين نشرا تباعًا تفاصيل وأسئلة حول الساعات الأخيرة في حياة المعلم، وطالبا بكشف الحقيقة والتحقيق في ملابسات الوفاة.
الأستاذ محمود قُتل
بدأ عبد الحميد قطب @AbdAlhamed_kotb في منشوراته بتقديم محمود سيد عثمان باعتباره معلمًا للغة العربية في مدرسة علي مبارك بديروط، مشيرًا إلى ما وصفه بحسن خلقه وطيب سيرته، ثم انتقل إلى رواية ما قال إنها تفاصيل الواقعة التي سبقت وفاته.
وفي منشور نشره لاحقًا، قال قطب: "إن محمود سيد عثمان «قُتل»، وإن الروايات والشهادات التي وصلته تتحدث عن واقعة اعتداء تمت مع سبق الإصرار والترصد وأمام تلاميذ المعلم."
وأشار قطب إلى أن الاعتداء، وفق الرواية التي نقلها، جاء على خلفية واقعة تتعلق بإحدى الطالبات، وأن أقارب الطالبة حضروا إلى المدرسة واعتدوا على المعلم.
كما تحدث قطب عن أن المعلم كان قد أمضى سنوات طويلة في السجن خلال عهد مبارك، وأنه كان يعاني من أمراض وأوجاع، وقدم رواية مفادها أن الأزمة بدأت بعد قيامه بتوجيه ملاحظة للطالبة بشأن سلوكها داخل المدرسة.
وفي منشور بتاريخ 19 سبتمبر، قال قطب إنه تلقى رواية من شهود قال إنهم حضروا الواقعة، وسرد تفاصيل أكثر تحديدًا.
وبحسب ما أورده قطب، بدأت الواقعة عندما وبخ محمود سيد عثمان الطالبة بسبب ما وصفه بسوء سلوك، وأن الطالبة اتصلت بوالدها واشتكت إليه.
وقال قطب: "إن والد الطالبة ووالدتها وشقيقها وابن عمها حضروا إلى المدرسة ودخلوا إلى الفصل، وإن عبارات قيلت للمعلم من بينها اتهامه بأنه إرهابي، وتهديده بإعادته إلى المعتقل".
وأضاف قطب أن إحدى الطالبات التي قال: "إنها شاهدت الواقعة تحدثت عن قيام شقيق الفتاة، الذي سماه «صموئيل»، بضرب محمود سيد عثمان بالحذاء على رأسه، ثم شد لحيته وسبه".
ووفق الرواية التي نقلها قطب، تدخل عدد من المعلمين لفض الاشتباك، وقال: "إن أحد المعلمين اعتدى على شقيق الطالبة بعدما شاهده يضرب محمود سيد عثمان ويسب الإسلام".
ثم انتقل قطب إلى اللحظات التالية للواقعة، وقال: "إن محمود سيد عثمان جلس بعد نحو ساعة، وبدا عليه التعب الشديد والتأثر والقهر مما تعرض له، ثم توفي بعد ذلك بوقت قصير".
كما أشار قطب إلى رواية تربط بين الضربة التي قال "إنها أصابت رأس المعلم وبين وفاته، متسائلًا عن إمكانية أن تكون الإصابة قد أدت إلى اضطراب في الدورة الدموية ثم الوفاة".
وفي منشوره الأخير، صعّد قطب من المطالبة بالتحقيق، وقال: "إن هناك روايات تتحدث عن رفض تشريح الجثمان، وربط ذلك بضرورة معرفة السبب الحقيقي للوفاة".
كما طالب بالتحقيق في الأشخاص الذين قال "إنهم وردت أسماؤهم في الروايات المتداولة حول الواقعة، وتساءل عن دور كل من يمكن أن تكون له صلة بالأحداث".
واختتم قطب منشوره بالتأكيد على أنه ينقل ما علمه وما أثير أمامه من أسئلة وشبهات، مطالبًا بكشف الحقيقة ومحاسبة من يثبت تورطه.
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2102084844121460833
واقعة المدرسة في قلب القضية
وبذلك لم يتعامل عبد الحميد قطب مع وفاة محمود سيد عثمان باعتبارها مجرد حالة صحية مفاجئة، وإنما جعل محور روايته هو ما قال إنه حدث داخل المدرسة قبل الوفاة مباشرة.
الرواية التي طرحها قطب تتكون من عدة حلقات مترابطة:
خلاف بدأ مع إحدى الطالبات.
حضور أفراد من أسرتها إلى المدرسة.
مواجهة مع المعلم داخل الفصل.
عبارات تهديد وإهانة بحسب رواية الشهود التي نقلها.
اعتداء جسدي بحسب الرواية نفسها.
ضربة على الرأس.
تدخل عدد من المعلمين.
تدهور حالة محمود سيد عثمان بعد الواقعة.
ثم وفاته بعد فترة قصيرة.
ومن هنا جاءت مطالبته بأن يكون التحقيق في الوفاة مرتبطًا أيضًا بالتحقيق في الواقعة السابقة لها.
لا للفتنة.. نريد الحقيقة
وتساءل الصحفي والسياسي إسلام الغمري: ماذا حدث للأستاذ محمود عثمان قبل وفاته؟ ونشر الغمري @isgmry في البداية نعيًا لمحمود سيد عثمان، تحدث فيه عن معرفته به منذ أكثر من أربعين عامًا، ووصفه بأنه صاحب خلق وفضل وطيب معشر.
ثم انتقل من الرثاء إلى طرح القضية باعتبارها مسألة تحتاج إلى إجابة، ونشر في 19 سبتمبر مقالًا حمل عنوانًا مباشرًا: "لا للفتنة.. نريد الحقيقة: ماذا حدث للأستاذ محمود عثمان قبل وفاته؟"
وفي المقال، بدأ الغمري من نقطة مختلفة عن قطب؛ فهو لم يقدم رواية الاعتداء باعتبارها حقيقة محسومة، وإنما ركز على وجود روايات متعددة حول ما سبق الوفاة، وعلى ضرورة معرفة ما جرى داخل المدرسة.
وقال "إن محمود سيد عثمان دُفن، لكن الأسئلة المتعلقة بما حدث قبل وفاته لم تُدفن معه".
وأشار إلى وجود رواية تقول: "إن الأمر لم يتجاوز مشادة كلامية، مقابل روايات أخرى تتحدث عن حضور أفراد من أسرة إحدى الطالبات وعن مواجهة داخل المدرسة وتدخل من الموجودين".
ومن هنا طرح الغمري مجموعة من الأسئلة المحددة: هل اقتصر الأمر على مشادة كلامية؟ هل وقع تدافع أو اعتداء؟ ماذا شاهد الموجودون بأعينهم؟ ماذا سمعوا بأنفسهم؟ إذا كان أفراد من أسرة الطالبة قد حضروا إلى المدرسة، فكيف دخلوا؟ ماذا حدث أثناء وجودهم؟ وكيف تعاملت إدارة المدرسة مع الموقف؟
ثم طرح الغمري السؤال المركزي: هل كانت لما حدث قبل الوفاة أي علاقة بوفاة محمود سيد عثمان؟ الغمري يطالب بفحص الواقعة لا الاكتفاء برواية الوفاة.
ويقول الغمري "إن الإجابة عن هذا السؤال لا تأتي بالعاطفة ولا بالشائعات، وإنما من خلال فحص طبي وتحقيق يستند إلى الشهادات والأدلة وتسلسل الوقائع".
وطالب بسماع كل من كان موجودًا داخل المدرسة، ومراجعة تسلسل الأحداث، والحفاظ على تسجيلات كاميرات المراقبة إن وجدت، ثم إعلان نتائج التحقيق بالقدر الذي تسمح به الإجراءات.
كما لفت إلى أن القول إن "الوفاة جاءت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية لا يجيب وحده عن سؤال، ما حدث قبل هذا الهبوط؟".
وبحسب طرحه، فإن هناك فرقًا بين معرفة الوصف الطبي للوفاة وبين معرفة الظروف التي سبقت ذلك طبيًا وزمنيًا.
كما شدد الغمري على أن عدم ثبوت علاقة بين الواقعة والوفاة، إذا انتهى التحقيق إلى ذلك، لا يعني تجاهل أي اعتداء أو إهانة يمكن أن يكون قد وقع وثبت بالأدلة.
وهذه النقطة جعلت مقاله يركز على الواقعة من زاويتين: سبب الوفاة من ناحية، وما حدث داخل المدرسة من ناحية أخرى.
https://x.com/isgmry/status/2101271234096869859
https://x.com/isgmry/status/2100640044146913788
التحقيق لا يعني اتهام أحد
وفي الوقت نفسه، طالب الغمري (القيادي بحزب البناء والتنمية) بعدم تحويل القضية إلى صراع ديني، مؤكدًا في مقاله أن المسؤولية يجب أن تكون عن فعل محدد يثبت وقوعه، وليس عن الدين أو العائلة أو الطائفة، كما دعا من كانوا داخل المدرسة إلى الإدلاء بما شاهدوه أو سمعوه، والتمييز بين الشهادة المباشرة وما نُقل إليهم من آخرين.
وختم مقاله بالدعوة إلى أن يكون التعامل مع القضية من خلال الحقيقة والتحقيق والشهادة، وليس من خلال السجال السياسي أو الطائفي.
ويبدو من واقع التواصل أن المطالبات تدور حول عدم الاكتفاء بالرواية الأولى التي تحدثت عن وفاة المعلم إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، والمطالبة بالنظر فيما حدث قبل الوفاة، والدعوة للاستماع لشهادات لأشخاص حضروا الواقعة، وتحدث عن ضربة في الرأس وتدهور حالة المعلم ثم وفاته.
وتركزت الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها التحقيق، لتحديد ما جرى داخل المدرسة، وسماع الشهود، وفحص التسجيلات والتقارير الطبية، ومعرفة ما إذا كانت الواقعة السابقة للوفاة مرتبطة بها.
صحف الانقلاب في الساعات الأولى؟
في المقابل، جاءت التغطية الصحفية الأولى التي ظهرت يوم 17 سبتمبر بصيغة مختلفة تمامًا عن الرواية التي طرحها قطب والغمري لاحقًا، "المصري اليوم" نشرت في الخامسة و24 دقيقة مساءً خبرًا بعنوان: "وفاة معلم لغة عربية إثر هبوط حاد بالدورة الدموية داخل مدرسة بأسيوط".
وقالت: "إن محمود سيد عثمان، كبير معلمي اللغة العربية بمدرسة علي مبارك الإعدادية بنات بمركز ديروط، توفي إثر تعرضه لهبوط حاد في الدورة الدموية داخل المدرسة وأثناء اليوم الدراسي".
https://www.almasryalyoum.com/news/details/4361788
وفي الثامنة و18 دقيقة مساءً نشرت الصحيفة تقريرًا آخر عن تشييع الجثمان، وأعادت الرواية نفسها عن وفاة المعلم إثر هبوط حاد في الدورة الدموية داخل المدرسة أثناء اليوم الدراسي.
وهو ما تكرر مع مواقع الشركة المتحدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر؛ "اليوم السابع" و"مصراوي" و"بوابة الأهرام" و"الوطن" في الاتجاه نفسه، إذ تحدثت عن وفاة المعلم إثر «وعكة صحية مفاجئة» داخل المدرسة أثناء أداء عمله.
كما جاءت تغطية «صدى البلد» بالصيغة نفسها تقريبًا، متحدثة عن وفاة المعلم إثر هبوط حاد في الدورة الدموية داخل المدرسة أثناء اليوم الدراسي. صدى البلد
الرواية التي غابت عن الأخبار الأولى
المفارقة في التسلسل الزمني أن الأخبار التي ظهرت في 17 سبتمبر ركزت على الوفاة والهبوط الحاد في الدورة الدموية وإجراءات النقابة والدفن، بينما لم تتناول في نصوصها المنشورة واقعة الاعتداء التي أصبحت لاحقًا محور منشورات عبد الحميد قطب وإسلام الغمري.
ثم بدأت في اليوم التالي وما بعده تظهر مطالبات بالتحقيق فيما سبق الوفاة، وتحديدًا فيما قيل عن واقعة داخل المدرسة، ومن كان موجودًا فيها، وما حدث للمعلم قبل نقله إلى المستشفى.
تيار استقلال المعلمين يطالب بتحقيق عاجل في ملابسات وفاة معلم بديروط
والجمعة 18 سبتمبر؛ طالب "تيار استقلال المعلمين" بفتح تحقيق قضائي عاجل وشفاف في ملابسات وفاة الأستاذ محمود سيد عثمان، كبير معلمي اللغة العربية بمدرسة علي مبارك الإعدادية بنات بمدينة ديروط، والذي وافته المنية داخل مدرسته أثناء تأدية عمله.
ونعى التيار المعلم الراحل، متقدمًا بالعزاء إلى أسرته وزملائه وطلابه، مشيرًا إلى ما وصفه بـ"تواتر" روايات على صفحات التواصل الاجتماعي تفيد بأن الوفاة سبقتها مشادة داخل المدرسة مع أسرة إحدى الطالبات.
وقال التيار: "إن الروايات المتداولة تتحدث عن حضور ثلاثة من أفراد أسرة الطالبة إلى المدرسة برفقتها، ودخولهم إلى حرم المدرسة، ثم وقوع مشادة بينهم وبين المعلم محمود سيد عثمان".
ووجه التيار خطابه إلى المستشار النائب العام، مطالبًا بفتح تحقيق في الواقعة، مؤكدًا أن النيابة العامة، بحسب ما أورده البيان، تملك من تلقاء نفسها اتخاذ إجراءات التحقيق متى قامت شبهة حول ظروف الوفاة، دون توقف ذلك على تقديم أسرة المتوفى طلبًا أو شكوى أو طلبها تشريح الجثمان.
وطالب "تيار استقلال المعلمين" بأن يتضمن التحقيق الاستماع إلى أقوال المعلمين والإداريين والطلاب الذين كانوا موجودين وقت الواقعة، وتفريغ كاميرات المراقبة داخل المدرسة ومحيطها، وتتبع دخول أفراد أسرة الطالبة إلى المدرسة، واستدعاء أفراد الأسرة لسؤالهم عن أسباب وتوقيت حضورهم وما جرى بينهم وبين المعلم المتوفى.
كما طالب بانتداب الطب الشرعي لبيان سبب الوفاة، والتحقق مما إذا كانت هناك علاقة سببية بين الواقعة التي سبقت الوفاة وبين وفاة محمود سيد عثمان.
وقال التيار في بيانه: "إن تفريغ كاميرات المراقبة داخل المدرسة ومحيطها يمكن أن يساعد جهات التحقيق في تحديد تسلسل الأحداث وكشف ملابسات الواقعة".
وأضاف البيان أنه حتى في حال انتهاء التحقيق إلى عدم وجود علاقة سببية مباشرة بين المشادة والوفاة، فإن ما وصفه بالاعتداء على المعلم، إذا ثبت، يستوجب المحاسبة القانونية باعتباره اعتداءً على موظف عام أثناء وبسبب تأدية عمله، مستندًا إلى المواد 133 و136 و137 من قانون العقوبات.
وفي هذا السياق، طالب التيار وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بتشكيل لجنة تحقيق إداري عاجلة للوقوف على كيفية دخول أسرة الطالبة إلى المدرسة، ومن سمح لهم بالدخول، ودور أمن المدرسة والمشرف العام أثناء الواقعة.
كما وجه التيار مطالبة إلى نقابة المهن التعليمية بتقديم مذكرة إلى النيابة العامة بشأن واقعة دخول أسرة الطالبة إلى المدرسة والمشادة التي قال البيان إنها وقعت مع المعلم المتوفى، والمطالبة بتفريغ الكاميرات وسماع الشهود والتحقيق في ملابسات الوفاة.
وانتقد «تيار استقلال المعلمين» ما وصفه بتقاعس القائمين على إدارة نقابة المهن التعليمية عن متابعة قضايا المعلمين وتوفير الحماية النقابية لهم، مطالبًا النقابة بالتحرك في القضية.
وحذر التيار من أن عدم التعامل مع الواقعة، إذا ثبتت تفاصيلها، يمكن أن يؤدي إلى تكرار الاعتداءات داخل المدارس، مؤكدًا أن حماية المعلمين داخل مؤسساتهم التعليمية تمثل مسؤولية الجهات التعليمية والنقابية.
واختتم (تيار استقلال المعلمين) بيانه بالدعاء للمعلم الراحل محمود سيد عثمان بالرحمة والمغفرة، وتقديم العزاء إلى أسرته وزملائه وطلابه.
https://soulta4.net/s260918233045513/?utm_source=chatgpt.com