أطفال لا يعرفون ملامح آبائهم، وزوجات ينتظرن دقائق معدودة خلف أسوار السجون، وشباب يتحملون مسئولية أسرهم بعد اعتقال الوالدين؛ مشاهد إنسانية مؤلمة تكشف جانباً من الثمن الذي تدفعه عائلات الصحفيين وسجناء الرأي في مصر، في ظل استمرار الاعتقالات والحبس الاحتياطي لسنوات، وتصاعد المخاوف بشأن أوضاع المحتجزين داخل السجون.
وتتزامن هذه المأساة مع موجة احتجاجات وإضرابات عن الطعام داخل عدد من السجون المصرية، وسط تحذيرات حقوقية وسياسية من تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية للمعتقلين، ومطالبات بإنهاء ما تصفه منظمات حقوقية وسياسيون بسياسة تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة، والإفراج عن الصحفيين والمحبوسين بسبب ممارسة حقهم في التعبير عن الرأي.
وكشفت شهادات عائلات صحفيين معتقلين، خلال ندوة نظمتها نقابة الصحفيين مساء السبت 10 أكتوبر، عن ارتفاع عدد الصحفيين المحبوسين من 20 إلى 26 صحفياً، وفقاً لما أعلنته رئيس لجنة الحريات بالنقابة إيمان عوف، ونقيب الصحفيين خالد البلشي.
وجاءت الندوة، التي ناقشت قضية منع الحبس في قضايا النشر، لتفتح مجدداً ملف الحريات الصحفية في مصر، وتسلط الضوء على معاناة عشرات الأسر التي تعيش منذ سنوات بين أبواب السجون وقاعات النيابات والمحاكم.
وفي الوقت نفسه، أعلنت سبعة أحزاب وقوى سياسية تضامنها مع سجناء الرأي المضربين عن الطعام، محملة السلطة السياسية ووزارة الداخلية المسؤولية عن سلامتهم، ومطالبة بفتح السجون أمام لجان مستقلة للتحقق من أوضاع المحتجزين.
ارتفاع أعداد الصحفيين المعتقلين.. حرية الصحافة تحت الحصار
أعادت الأرقام التي أعلنتها لجنة الحريات بنقابة الصحفيين تسليط الضوء على استمرار أزمة حبس الصحفيين في مصر، بعدما ارتفع عدد المحبوسين إلى 26 صحفياً، في مؤشر يثير مخاوف بشأن مستقبل الحريات الصحفية وضمانات ممارسة العمل الإعلامي.
وأكدت إيمان عوف أن قضية الصحفيين المحبوسين لا يمكن اختزالها في أعداد أو ملفات قضائية، مشيرة إلى أن وراء كل صحفي محتجز أسرة تعاني، وأطفالاً يكبرون بعيداً عن آبائهم، وزوجات يتحملن أعباء الحياة اليومية في ظل غياب أزواجهن.
وشددت على أن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينبغي أن يقتصر على أعضاء النقابة، وإنما يجب أن يمتد إلى جميع المواطنين الذين يتعرضون للملاحقة بسبب التعبير عن آرائهم.
ورفع المشاركون في الندوة لافتات تحمل شعار "الصحافة مش جريمة"، في رسالة احتجاج على استمرار حبس الصحفيين، ومطالبة بوقف الملاحقات المرتبطة بالنشر والتعبير.
وكشفت الحالات التي استعرضتها لجنة الحريات عن فترات احتجاز طويلة، وتدهور في الأوضاع الصحية لبعض الصحفيين، فضلاً عن استمرار حبس آخرين احتياطياً لسنوات دون صدور أحكام نهائية بحقهم، بحسب الشهادات المقدمة خلال الندوة.
خمس سنوات دون محاكمة.. صحفيون يواجهون المرض خلف القضبان
من بين الحالات التي سلطت الندوة الضوء عليها الصحفية صفاء الكوربجي، الصحفية بمجلة الإذاعة والتلفزيون الحكومية، التي تعاني آثار الإصابة بشلل الأطفال منذ الصغر، إلى جانب تراجع قدرتها على الحركة.
وقالت إيمان عوف إن الكوربجي أمضت نحو خمس سنوات في إجراءات التحقيق أمام النيابة دون إحالتها إلى المحاكمة، في وضع يثير تساؤلات بشأن استمرار احتجازها رغم ظروفها الصحية.
وتطرقت إلى حالة الصحفي كريم إبراهيم، المحبوس منذ نحو ست سنوات، مشيرة إلى احتمال انعقاد جلسة للنطق بالحكم في قضيته مطلع نوفمبر المقبل.
كما استعرضت حالة الصحفي مصطفى أحمد الخطيب، المحتجز منذ عام 2019، مؤكدة أن حالته الصحية شهدت تدهوراً شديداً خلال فترة احتجازه.
وتحدثت عوف عن الصحفي أحمد سبيع، الذي قضى نحو عشر سنوات في السجن قبل الإفراج عنه، ثم تعرض للاعتقال مجدداً.
وضمت قائمة الأسماء التي تناولتها الندوة مدير مكتب وكالة الأناضول السابق توفيق غانم، البالغ من العمر 68 عاماً، والمحتجز منذ نحو خمس سنوات، والذي قالت عوف إنه يعاني مشكلات صحية تفاقمت خلال العامين الأخيرين.
وأشارت كذلك إلى الصحفيين محمد أبو المعاطي، ومدحت رمضان، وأحمد أبو زيد الطنوبي، ورمضان جويدة، وخالد ممدوح، وأشرف عمر، وحيدر قنديل.
وتعكس هذه الحالات، وفقاً لما طرحه المشاركون، أزمة تتجاوز مسألة الحبس ذاتها إلى تداعيات استمرار الاحتجاز على الصحة الجسدية والنفسية، خاصة بالنسبة إلى كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
أطفال يكبرون دون آبائهم.. الوجه الإنساني للاعتقال
لم تكن الأرقام وحدها هي الأكثر إيلاماً في شهادات الندوة، إذ كشفت الروايات الإنسانية عن أجيال من الأطفال الذين يكبرون في غياب آبائهم، وأسر تتغير حياتها بالكامل بسبب سنوات الاعتقال.
واستعرضت إيمان عوف حالة الصحفي حمدي مختار، الذي قالت إن حالته النفسية والجسدية تدهورت خلال احتجازه، موضحة أن نجله كان يبلغ نحو عام واحد عندما قُبض على والده، قبل أن يصل إلى سن الدراسة دون أن يتمكن من تذكر ملامحه.
وتكشف هذه الحالة كيف تتحول سنوات الحبس إلى فجوة إنسانية داخل الأسرة، حيث يفقد الطفل فرصة بناء علاقته الطبيعية بوالده، بينما تمر مراحل طفولته الأولى في ظل غياب قسري طويل.
وفي حالة أخرى، تحدثت عوف عن الصحفي ياسر أبو العلا، الذي لم تتوقف تداعيات قضيته عند احتجازه، بل امتدت إلى القبض على زوجته وشقيقة زوجته.
وقالت إن نجله، البالغ من العمر 18 عاماً، أصبح مسئولاً عن رعاية أشقائه في غياب والديه، بينما لا تزال الأسرة تجهل المصير الذي ستنتهي إليه القضية.
وتضع هذه الشهادة وجهاً آخر للأزمة، إذ يجد شاب في مقتبل العمر نفسه مضطراً لتحمل مسئوليات أسرية تفوق سنه، بعدما غاب والداه خلف القضبان.
وتؤكد هذه الوقائع أن آثار الاعتقال لا تقتصر على الشخص المحتجز، وإنما تمتد إلى أسرته وأطفاله ومستقبلهم التعليمي والنفسي والاجتماعي.
نصف ساعة خلف الأسوار.. زوجات المعتقلين يروين معاناة الزيارات
كشفت شهادات زوجات الصحفيين والمحتجزين عن جانب آخر من المعاناة، يتعلق بقصر مدة الزيارات وصعوبة الاطمئنان على الأوضاع الصحية والنفسية لأزواجهن.
وقالت نورا السيد، زوجة المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح ملك، إن زوجها محبوس منذ خمسة أشهر على ذمة قضية مرتبطة بالنشر والعلانية.
وأوضحت أن زيارتها الأخيرة له، يوم الأربعاء السابق للندوة، لم تتجاوز نصف ساعة، بسبب الإجراءات الأمنية المشددة داخل السجن.
ووصفت أوضاع الاحتجاز بأنها «مزرية»، معربة عن قلقها على سلامة زوجها وبقية المحتجزين، خاصة في ظل ما يتردد عن احتجاجات وإضرابات داخل السجون.
وتحدثت، بحسب شهادتها، عن لجوء بعض المحتجزين إلى إيذاء أنفسهم أو محاولة الانتحار نتيجة الضغوط النفسية وظروف الاحتجاز، داعية إلى التضامن معهم والتحرك لحماية حياتهم.
وكشفت هذه الشهادة حجم القلق الذي تعيشه الأسر، حين تصبح دقائق الزيارة المحدودة الوسيلة الوحيدة للاطمئنان على شخص غائب خلف الأسوار.
وفي السياق نفسه، تحدث أحد المشاركين في الندوة، بصفته صديقاً لعائلة الصحفي أشرف عمر، عن تجربته خلال زيارة الصحفي المحتجز. وقال إن الزيارة تنتهي عادة بعد نحو نصف ساعة، رغم أن لائحة السجون تسمح، بحسب قوله، بمدة تصل إلى ساعة كاملة.
وأوضح أن الزيارة قد تمتد أحياناً لدقائق إضافية مراعاة لكبار السن، إلا أن التعليمات تصبح أكثر تشدداً في أوقات الاحتجاجات داخل السجون.
وأشار إلى أن حالة الاضطراب الأخيرة دفعت بعض الأسر إلى الخوف من منع الزيارات، خاصة عندما تتأخر مواعيد دخولهم، قبل أن يتبين في إحدى المرات أن التأخير كان نتيجة ازدحام الزائرين وتراكم الزيارات المؤجلة.
وتبرز هذه الشهادات كيف يتحول انتظار الزيارة إلى مصدر دائم للقلق، في ظل نقص المعلومات المتاحة للأسر بشأن أوضاع ذويها داخل أماكن الاحتجاز.
ثلاثون عاماً في الصحافة تنتهي باتهامات الانضمام لجماعة محظورة
ومن بين الشهادات التي عكست التناقض بين التاريخ المهني للصحفيين والاتهامات الموجهة إليهم، جاءت شهادة مفيدة كامل، زوجة الصحفي خالد ممدوح.
وقالت إن زوجها أمضى نحو 30 عاماً في العمل الصحفي والترجمة والإذاعة المصرية، قبل القبض عليه واحتجازه منذ عامين وثلاثة أشهر.
وأوضحت أنه يواجه اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة، رغم أنه لم يكن، بحسب شهادتها، منتمياً إلى أي تنظيم سياسي.
ونفت كامل انتماء زوجها إلى جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدة أن كتاباته السابقة تضمنت انتقادات للجماعة، وأنه لم ينضم طوال حياته إلى حزب أو تنظيم سياسي.
وأشارت إلى أن زوجها كان منشغلاً بعمله ومسئولياته العائلية، معتبرة أن الاتهامات الموجهة إليه لا تعكس تاريخه المهني أو مواقفه المعروفة.
وتثير هذه الحالة، إلى جانب حالات أخرى عرضتها الندوة، تساؤلات بشأن طبيعة الاتهامات التي تواجه الصحفيين، ومدى ارتباطها بممارسة العمل الصحفي والتعبير عن الرأي.
الحبس الاحتياطي يتحول إلى عقوبة.. وتحذيرات من تدوير المعتقلين
على المستوى القانوني، حذر المحامي الحقوقي نبيل جندي من استمرار استخدام اتهامات متعددة في القضايا المرتبطة بالنشر والتعبير عن الرأي.
وأوضح أن بعض القضايا تبدأ باتهامات تتعلق بممارسة العمل الصحفي أو النشر، ثم تتوسع لتشمل اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة أو تمويلها أو نشر أخبار كاذبة، إلى جانب اتهامات تستند إلى قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
واعتبر أن هذا المسار قد يؤدي إلى استمرار احتجاز متهمين لفترات طويلة، رغم أن أصل الوقائع المنسوبة إليهم يرتبط بالتعبير عن الرأي.
وأشار جندي إلى حالات يتابعها، من بينها الصحفية صفاء الكوربجي والصحفي حمدي الزعيم، موضحاً أن بعض فترات الحبس الاحتياطي في القضايا التي يتولاها تراوحت بين عامين وخمسة أعوام، محذرًا من أن طول مدة الحبس الاحتياطي قد يجعله يؤدي عملياً وظيفة العقوبة قبل صدور حكم قضائي نهائي.
كما ناقش المشاركون ما يُعرف بظاهرة "تدوير المعتقلين"، التي تتمثل في إعادة احتجاز أشخاص على ذمة قضايا جديدة بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم أو انتهاء مدد حبسهم في قضايا سابقة.
واستشهدوا بحالة الصحفي حمدي الزعيم، الذي قالوا إنه انتقل من قضية إلى أخرى، في مثال على استمرار الاحتجاز رغم تغير أرقام القضايا والإجراءات القانونية.
وتعد هذه الممارسات من أبرز الملفات التي تثير انتقادات حقوقية في مصر، لما تطرحه من تساؤلات بشأن الضمانات القانونية للحبس الاحتياطي، والحق في المحاكمة العادلة خلال مدة معقولة.
معركة الأمعاء الخاوية.. احتجاجات السجون تثير مخاوف حقوقية
بالتزامن مع تحركات نقابة الصحفيين، تصاعدت التحذيرات السياسية والحقوقية بشأن أوضاع المحتجزين داخل السجون المصرية، وسط تقارير وشهادات عن دخول عشرات المعتقلين في إضرابات مفتوحة عن الطعام.
وجاءت هذه التحركات في ظل شكاوى من ظروف الاحتجاز، وطول فترات الحبس الاحتياطي، وما يصفه حقوقيون باستمرار القيود المفروضة على الزيارات والرعاية الصحية.
وفي بيان مشترك، أعلنت سبعة أحزاب وقوى سياسية تضامنها مع سجناء الرأي والمحتجزين المضربين عن الطعام، معتبرة أن احتجاجاتهم تعكس أزمة متفاقمة داخل منظومة السجون.
وحمل الموقعون السلطة السياسية ووزارة الداخلية المسؤولية السياسية والجنائية عن سلامة المضربين وصحتهم، محذرين من خطورة تجاهل مطالبهم أو استمرار الأوضاع التي دفعتهم إلى الاحتجاج.
وأكد البيان أن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية لا يسقط بمجرد دخول الإنسان إلى السجن، وأن السلطات تتحمل مسئولية حماية المحتجزين وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لهم.
كما رفض الموقعون استمرار استخدام الحبس الاحتياطي باعتباره عقوبة ممتدة خارج إطار الأحكام القضائية، منتقدين ما وصفوه بآليات تدوير المعتقلين وإعادة إدراجهم في قضايا جديدة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه مخاوف عائلات المحتجزين من تدهور الأوضاع داخل السجون، خصوصاً مع ورود شهادات بشأن الإضرابات عن الطعام والضغوط النفسية والصحية التي يتعرض لها بعض السجناء.
سبعة أحزاب تطالب بالإفراج عن سجناء الرأي وفتح السجون للتفتيش
في مواجهة هذه التطورات، طالبت سبعة أحزاب وقوى سياسية باتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة أزمة المحتجزين وسجناء الرأي.
وشملت الجهات الموقعة على البيان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي المصري، والحزب الشيوعي المصري، وحركة الاشتراكيين الثوريين، وحزب العيش والحرية، وحزب الكرامة، وحزب الوفاق القومي.
وطالب الموقعون بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحبوسين احتياطياً الذين تجاوزوا المدد القانونية، ووقف الممارسات التي تؤدي إلى استمرار احتجاز الأشخاص عبر إدراجهم في قضايا جديدة.
كما دعوا إلى إلغاء القوانين المقيدة للحريات العامة، وإصدار عفو عام وشامل عن سجناء الرأي والمحتجزين على خلفية أنشطة سياسية أو اجتماعية.
وشدد البيان على ضرورة فتح السجون ومقار الاحتجاز أمام وفود مستقلة تضم ممثلين عن نقابة المحامين ونقابة الأطباء والمنظمات الحقوقية المستقلة.
وتهدف هذه الخطوة، وفقاً للموقعين، إلى التحقق من الشكاوى المتعلقة بالإهمال الطبي وظروف الاحتجاز غير الآدمية، والوقوف بصورة مباشرة على الحالة الصحية والنفسية للمحتجزين.
وتعكس هذه المطالب اتساع دائرة القلق السياسي والحقوقي بشأن أوضاع السجون، وتحول قضية المعتقلين من ملفات فردية إلى أزمة تتطلب، بحسب الموقعين، تدخلاً عاجلاً وضمانات فعلية لحماية حقوق المحتجزين.
حرية الصحافة في مواجهة القبضة الأمنية
تعيد أزمة الصحفيين المعتقلين طرح أسئلة جوهرية بشأن حدود حرية التعبير في مصر، ومدى توافر الضمانات القانونية التي تحمي الصحفيين من الحبس بسبب ممارسة عملهم المهني.
فبينما تنص المادة 71 من الدستور المصري على حظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، مع استثناءات محددة ينظمها القانون، تشير الشهادات التي عرضتها نقابة الصحفيين إلى استمرار احتجاز صحفيين في قضايا تتضمن اتهامات تتجاوز النشر إلى الانضمام لجماعات محظورة أو نشر أخبار كاذبة.
ويثير هذا الواقع مخاوف من استخدام اتهامات أخرى في ملاحقة أصحاب الرأي، بما يسمح باستمرار الحبس رغم الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الصحافة.
كما تكشف فترات الاحتجاز الطويلة، التي وصلت في بعض الحالات إلى سنوات عديدة، عن تداعيات تتجاوز تقييد حرية الصحفي نفسه، لتشمل أسرته وأطفاله وحياته المهنية ومستقبله الصحي.
ولا تنفصل هذه الأزمة عن الانتقادات الأوسع الموجهة إلى منظومة الحبس الاحتياطي في مصر، خاصة في ظل استمرار شكاوى التدوير وطول مدد الاحتجاز وتكرار المطالبات بالإفراج عن سجناء الرأي.
أسر تنتظر الحرية.. وأطفال يدفعون ثمن سنوات الغياب
خلف الأرقام التي أعلنتها نقابة الصحفيين، تقف عشرات الحكايات الإنسانية التي لا تظهر في ملفات القضايا أو محاضر التحقيق.
طفل دخل المدرسة دون أن يتذكر ملامح والده، وشاب في الثامنة عشرة أصبح مسئولاً عن أشقائه بعد غياب والديه، وزوجة تنتظر زيارة لا تتجاوز نصف ساعة لتطمئن على زوجها، وصحفيون يواجهون المرض وتقدم العمر خلف القضبان.
هذه الصور تختصر جانباً من المعاناة التي تعيشها عائلات الصحفيين والمعتقلين في مصر، وتوضح كيف تمتد آثار الحبس لسنوات إلى خارج أسوار السجون، لتطال الاستقرار الأسري والحياة الاجتماعية والنفسية لأبناء المحتجزين.
ومع تصاعد الإضرابات والاحتجاجات داخل السجون، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأزمة إلى مأساة إنسانية أشد خطورة، في غياب استجابة واضحة للمطالب المتعلقة بالإفراج عن المحبوسين احتياطياً وتحسين ظروف الاحتجاز.
وبين نداءات نقابة الصحفيين وتحذيرات القوى السياسية والحقوقية، يبقى السؤال الأبرز: إلى متى يستمر احتجاز الصحفيين وأصحاب الرأي، بينما تدفع أسرهم ثمن سنوات الغياب، وتظل مطالب الحرية والعدالة معلقة خلف أبواب السجون؟
فالقضية لم تعد مجرد 26 صحفياً خلف القضبان، وإنما اختبار لمدى احترام حرية الصحافة والحق في التعبير وضمانات العدالة، وحق مئات الأسر في ألا تتحول سنوات الحبس إلى عقوبة جماعية تطال الأبناء والزوجات قبل أن تصدر المحاكم أحكامها.