«منتدى مصر 2026».. أسبوع من الترويج للإنجازات أم محاولة لتجميل إخفاقات حكومة الانقلاب ؟

- ‎فيتقارير

مؤتمر لاستعراض إنجازات 12 عامًا من الحكم يتحول إلى منصة للدفاع عن الحكومة ورفع معنويات الوزراء.. وشهادات عن تهميش الخبراء تثير تساؤلات بشأن جدوى الإنفاق وأهداف المنتدى الحقيقية

 

بينما يواجه ملايين المصريين ضغوطًا معيشية متصاعدة، بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للجنيه وتفاقم أعباء الديون، اختار  نظام المنقلب عبد الفتاح السيسي تنظيم فعالية موسعة لاستعراض ما يصفه بإنجازات السنوات الماضية، في مشهد أعاد الجدل بشأن الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطنون.

فخلال الفترة من 19 إلى 25 أكتوبر 2026، شهدت العاصمة الإدارية الجديدة انعقاد «منتدى مصر 2026»، الذي خُصص لاستعراض حصيلة المشروعات والسياسات الحكومية  الفاشلة خلال سنوات حكم السفيه المنقلب السيسي، وسط مشاركة واسعة من الوزراء والمسؤولين وشخصيات أكاديمية وإعلامية.

لكن المنتدى، الذي جاء استجابة لتوجيه رئاسي بإعداد تقرير شامل عن إنجازات الدولة، أثار انتقادات بشأن توقيته وأهدافه وطبيعة النقاشات التي شهدها، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى التساؤل عن العائد الفعلي للمشروعات التي تتحدث عنها الحكومة.

وزادت حدة الجدل بعدما تحدث السيسي، بحسب التصريحات المنقولة عنه خلال المنتدى، عن أن أحد أهداف الفعالية يتمثل في رفع الروح المعنوية للحكومة بعد تعرضها للانتقادات، ما فتح الباب أمام سؤال سياسي واجتماعي بالغ الدلالة: إذا كانت الحكومة تحتاج إلى مؤتمر لرفع معنوياتها، فمن يرفع معنويات ملايين المصريين الذين تحملوا أعباء سياساتها الاقتصادية طوال السنوات الماضية؟

 

من توجيه رئاسي إلى مؤتمر للإنجازات

بدأت قصة المنتدى عندما وجّه السيسي، خلال احتفالية المولد النبوي الشريف في 26 أغسطس الماضي، الحكومة بإعداد تقرير شامل يوثق ما تحقق من مشروعات وإنجازات خلال سنوات حكمه، مع توضيح حجم الأموال التي أُنفقت عليها، وعرض النتائج على المواطنين.

وسارعت الوزارات والأجهزة الحكومية إلى الإعداد لفعالية موسعة، رافقتها حملة إعلامية وترويجية استهدفت تسليط الضوء على المشروعات التي نفذتها الدولة خلال السنوات الماضية.

واستضاف مركز مؤتمرات فندق سانت ريجيس بالعاصمة الإدارية الجديدة جلسات المنتدى، التي امتدت، وفق المعلومات الواردة عن الفعالية، على مدار سبعة أيام، بمشاركة السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء والمسئولين والخبراء.

وتمحورت المناقشات حول حصيلة الأداء الحكومي والمشروعات القومية والسياسات الاقتصادية والتنموية، في محاولة لتقديم صورة متكاملة عما تعتبره السلطة إنجازات غير مسبوقة.

غير أن السؤال الذي فرض نفسه منذ الإعلان عن المنتدى يتعلق بجدوى تخصيص فعالية واسعة لاستعراض الإنجازات، في وقت يفترض فيه أن تكون نتائج السياسات الحكومية ملموسة للمواطنين في مستويات الدخل والأسعار وجودة التعليم والصحة والخدمات العامة.

فالإنجازات، من منظور منتقدي الحكومة، لا تُقاس بحجم العروض التقديمية أو عدد المؤتمرات، وإنما بقدرتها على تحسين الظروف المعيشية وتقليل الأعباء الاقتصادية التي تتحملها الأسر المصرية.

 

توقيت يثير الجدل.. هل اختلت أولويات الحكومة؟

جاء انعقاد المنتدى في توقيت تشهد فيه مصر والمنطقة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، وسط استمرار التوترات الإقليمية وتداعيات الصراعات في غزة والسودان واليمن وليبيا، إلى جانب الأزمات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والتطورات في القرن الأفريقي.

وفي الداخل، تتواصل الضغوط على الاقتصاد المصري نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية وتزايد أعباء الدين العام، وهي عوامل انعكست على قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وفي ظل هذه الأوضاع، أثار الحشد الحكومي والإعلامي المصاحب للمنتدى تساؤلات بشأن ترتيب الأولويات، وما إذا كانت الحاجة الأكثر إلحاحًا تتمثل في تنظيم مؤتمر للدفاع عن الأداء الحكومي، أم في مراجعة السياسات الاقتصادية والبحث عن حلول تخفف الضغوط عن المواطنين.

كما أعاد المنتدى إلى الواجهة الانتقادات الموجهة إلى اعتماد السلطة على المؤتمرات والفعاليات الكبرى لتقديم روايتها عن النجاح، بدلًا من إتاحة نقاش مجتمعي مفتوح بشأن نتائج السياسات العامة وتكلفتها وعوائدها.

ولم تُعلن في المادة المتاحة تفاصيل موثقة عن التكلفة الإجمالية لتنظيم المنتدى، لكن طبيعة الفعالية وحجم المشاركة الرسمية يطرحان تساؤلات مشروعة بشأن الإنفاق عليها ومدى تناسبه مع العائد المتوقع منها.

 

خبراء على الهامش.. شهادة أكاديمي تكشف أزمة الحوار

لم تتوقف الانتقادات عند توقيت المنتدى أو أهدافه، بل امتدت إلى طريقة إدارة جلساته ومدى إتاحة الفرصة للمشاركين من خارج الدوائر الحكومية للتعبير عن آرائهم.

وفي هذا السياق، أثارت شهادة الدكتور أمجد عمارة، العميد الأسبق لكلية التجارة بجامعة المنوفية، جدلًا بشأن طبيعة المشاركة الأكاديمية في المنتدى.

فقد روى عمارة، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، تفاصيل مشاركته في مائدة مستديرة خُصصت لمناقشة زيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة ديون الدولة، مؤكدًا أنه تلقى دعوة للمشاركة في الجلسة، لكنه خرج منها بشعور بالإهانة والتهميش.

وقال الأكاديمي إنه اضطر إلى اقتطاع نحو ألف جنيه من معاشه الشهري، الذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، لتغطية تكاليف الانتقال والمشاركة في الفعالية.

وأوضح أنه فوجئ بتأخر انعقاد الجلسة لأكثر من ساعة ونصف، قبل أن يلاحظ، بحسب روايته، وجود تمييز واضح في ترتيبات الجلوس بين الوزراء وكبار المسئولين وبقية المدعوين.

فبينما جلس المسئولون على مقاعد مريحة في دائرة داخلية، خُصصت للخبراء والأكاديميين مقاعد في صفوف خارجية، وهو ما اعتبره مؤشرًا على طبيعة التعامل مع المشاركين. لكن ما أثار استياء عمارة بصورة أكبر لم يكن ترتيبات القاعة، وإنما طريقة إدارة النقاش.

 

ساعتان ونصف الساعة للوزراء.. ونصف دقيقة للخبراء

بحسب شهادة العميد الأسبق لكلية التجارة، تحولت الجلسة إلى سلسلة من الأسئلة التي وجهتها مقدمة الحوار إلى الوزراء والمسئولين، الذين استأثروا بالحديث لأكثر من ساعتين ونصف الساعة، دون إتاحة مساحة حقيقية للخبراء المدعوين لتقديم رؤاهم.

وأشار عمارة إلى أن الجلسة انتهت دون السماح للمشاركين بطرح أسئلتهم أو مناقشة القضايا المطروحة، باستثناء وقت قصير للغاية لم يتجاوز نصف دقيقة قبل إعلان انتهائها.

واعتبر أن حضور الخبراء والأكاديميين تحول إلى مجرد استكمال للشكل التنظيمي للمنتدى، بدلًا من الاستفادة الفعلية من خبراتهم في معالجة أزمات الاقتصاد المصري.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الموضوع الذي كانت الجلسة مخصصة لمناقشته، والمتعلق بزيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة الديون، وهما من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري.

وتطرح الواقعة، وفق رواية عمارة، تساؤلات بشأن جدوى دعوة متخصصين إلى مناقشات لا تسمح لهم بعرض آرائهم، ومدى استعداد الحكومة للاستماع إلى مقترحات قد تختلف مع توجهاتها الاقتصادية.

كما تعيد طرح سؤال أوسع بشأن طبيعة الحوار الذي تتبناه السلطة: هل يستهدف الاستفادة من الخبرات المتنوعة ومراجعة السياسات، أم تقديم مشهد إعلامي يوحي بوجود مشاركة واسعة دون أن يمنح أصحاب الآراء المختلفة تأثيرًا حقيقيًا في النقاش؟

 

إنجازات على الشاشات.. وأزمات في جيوب المصريين

خلال جلسات المنتدى، استعرض السيسي ورئيس الوزراء وعدد من الوزراء حصيلة المشروعات التي نُفذت خلال السنوات الماضية، مع التركيز على حجم الإنفاق والاستثمارات والبنية التحتية.

وبحسب التصريحات الواردة في المادة، اعتبر السيسي أن حجم ما تحقق خلال سنوات حكمه كان يحتاج إلى نحو ثلاثين عامًا لإنجازه في الظروف المعتادة، وهو تقدير ردده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.

غير أن الخطاب الرسمي الذي يركز على سرعة الإنجاز وحجم المشروعات يواجه انتقادات تتعلق بمدى انعكاس هذه الاستثمارات على حياة المواطنين، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية.

فمنذ وصول السيسي إلى الحكم، شهد الاقتصاد المصري موجات متتالية من خفض قيمة الجنيه، وارتفاع الأسعار، وزيادة أعباء الديون، وهي تطورات أثرت بصورة مباشرة على دخول المواطنين ومدخراتهم.

وتشير الأرقام الواردة في المادة إلى انتقال سعر صرف الدولار من نحو ثمانية جنيهات في بداية حكم السيسي إلى مستويات تجاوزت 55 جنيهًا خلال الفترة التي يتناولها التقرير.

كما ارتفع الدين الخارجي، وفق المقارنة الواردة في المادة، من نحو 43 مليار دولار عام 2013 إلى أكثر من 166 مليار دولار، بالتزامن مع تصاعد أعباء خدمة الدين.

وفي الوقت نفسه، يواجه المواطنون ارتفاعًا متواصلًا في تكاليف الغذاء والسكن والنقل والطاقة، ما يجعل الحديث عن الإنجازات الاقتصادية موضع اختبار أمام واقع القوة الشرائية ومستوى الخدمات.

ولا تعني هذه المؤشرات وحدها نفي وجود مشروعات أو تحسينات في بعض قطاعات البنية التحتية، لكنها تطرح تساؤلًا بشأن كفاءة توزيع الموارد وأولويات الإنفاق ومدى قدرة الاستثمارات الحكومية على تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي مستدام.

فالمعيار الأساسي لأي سياسة تنموية لا ينبغي أن يقتصر على عدد الطرق والكباري والمدن الجديدة، وإنما يشمل قدرتها على خلق فرص عمل منتجة وتحسين الدخل الحقيقي وتقليل معدلات الفقر.

 

الديون والفقر.. الوجه الآخر لخطاب الإنجازات

تتسع الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع الاجتماعي عندما يتعلق الأمر بتداعيات الاقتراض والضغوط المالية على الموازنة العامة.

فقد شهدت السنوات الماضية توسعًا في الاقتراض لتمويل مشروعات واستثمارات حكومية، بالتوازي مع زيادة الالتزامات المالية المترتبة على خدمة الدين.

ويرى منتقدو السياسات الاقتصادية أن الاعتماد المكثف على الاقتراض، دون تحقيق زيادة كافية في الإنتاج والصادرات والموارد الدولارية المستدامة، ساهم في تعميق الاختلالات المالية وزيادة الضغوط على العملة المحلية.

كما تثير مستويات الفقر والقدرة الشرائية تساؤلات بشأن التوزيع الاجتماعي لعوائد التنمية، ومدى استفادة الفئات محدودة ومتوسطة الدخل من المشروعات التي تستعرضها الحكومة.

وتورد المادة تقديرًا لمعدل الفقر يبلغ نحو 33.5%، وهو رقم يستلزم تحديد مصدره وسنة قياسه قبل استخدامه باعتباره أحدث معدل رسمي.

وفي جميع الأحوال، فإن تقييم حصيلة السنوات الماضية يتطلب النظر إلى مؤشرات متكاملة تشمل الدخل الحقيقي والبطالة والفقر والإنتاجية وجودة الخدمات، وليس الاكتفاء بحجم الاستثمارات أو القيمة الإجمالية للمشروعات المنفذة.

 

السيسي يكشف الهدف.. مؤتمر لرفع معنويات الحكومة

من أبرز التصريحات التي أثارت الجدل خلال المنتدى ما نُقل عن المنقلب السيسي بشأن الهدف من تنظيم الفعالية. فقد قال، وفق النص المتداول في المادة: «أنا عامل منتدى مصر عشان أرفع الروح المعنوية للحكومة، ومحتاج الشعب كله يقف جنبنا». وأضاف أن الحكومة كانت تشعر بالاستياء من الانتقادات الموجهة إليها، وأنها كانت ترغب في ترك مواقعها.

وتكشف هذه التصريحات، إذا ثبتت بصيغتها المنقولة، عن بُعد آخر للمنتدى يتجاوز مجرد استعراض المشروعات، ليشمل دعم الحكومة سياسيًا ومعنويًا في مواجهة الانتقادات الشعبية.

وهنا تتجلى المفارقة التي أثارت اهتمام المتابعين: ففي الوقت الذي تطالب فيه الحكومة المواطنين بتحمل تبعات الإصلاح الاقتصادي وارتفاع الأسعار، يبدو أن الانتقادات الموجهة إلى أدائها أصبحت بدورها مصدرًا للضغط المعنوي على المسئولين.

وتطرح هذه المفارقة سؤالًا بشأن موقع المواطن في أولويات السلطة؛ فإذا كانت الحكومة تحتاج إلى دعم معنوي بسبب الانتقادات، فماذا عن الأسر التي تواجه تراجعًا في دخولها الحقيقية وارتفاعًا في تكاليف احتياجاتها الأساسية؟ وهل ينبغي التعامل مع الانتقادات الشعبية بوصفها عبئًا على المسئولين، أم باعتبارها وسيلة ضرورية لتقييم السياسات وتصحيح الأخطاء؟

 

من قناة السويس الجديدة إلى المنتدى.. «رفع المعنويات» مبرر متكرر

ليست هذه المرة الأولى التي يحضر فيها مفهوم رفع الروح المعنوية ضمن خطاب المنقلب السفيه السيسى، لتفسير دوافع مشروعات أو فعاليات كبرى.

فقد سبق أن تحدث السيسي عن الاعتبارات المعنوية المرتبطة بمشروع قناة السويس الجديدة، الذي بلغت تكلفته نحو 8.2 مليارات دولار، مشيرًا إلى أهمية المشروع في تعزيز ثقة المصريين بأنفسهم وقدرتهم على الإنجاز.

ورغم أن المشروع قدمته الحكومة باعتباره خطوة لتطوير المجرى الملاحي وزيادة قدرته الاستيعابية، فإنه أثار نقاشات بشأن تكلفته وأولوياته وعوائده الاقتصادية.

ويعود المنطق نفسه إلى الواجهة مع «منتدى مصر 2026»، لكن مع اختلاف الجهة المستهدفة؛ فبدلًا من الحديث عن رفع معنويات الشعب، جاءت التصريحات المنقولة عن السيسي لتضع رفع معنويات الحكومة ضمن أهداف الفعالية.

ويعكس ذلك، من وجهة نظر منتقدين، ميلًا إلى استخدام الفعاليات الكبرى باعتبارها أدوات لإدارة الصورة العامة وتعزيز الثقة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بتقييم نتائج المشروعات والسياسات على أساس مؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.

 

هل أصبح المواطن مطالبًا بتشجيع الحكومة بدلًا من محاسبتها؟

تثير تصريحات المنقلب السيسي بشأن استياء الحكومة من الانتقادات قضية تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. ففي النظم التي تقوم على المساءلة، تُعد الانتقادات الموجهة إلى المسئولين جزءًا طبيعيًا من تقييم الأداء العام، خصوصًا عندما تتعلق بقرارات اقتصادية تؤثر على حياة ملايين المواطنين.

أما تحويل هذه الانتقادات إلى مشكلة معنوية تستدعي حشد الدعم للحكومة، فيثير مخاوف من تراجع أهمية المحاسبة لصالح الدفاع عن الأداء القائم.

وتزداد هذه المخاوف عندما تتزامن الدعوة إلى مساندة الحكومة مع استمرار الأزمات الاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد أعباء الديون.

فالمواطن الذي يتحمل ارتفاع الأسعار وتكاليف الخدمات لا يبحث بالضرورة عن مزيد من العروض الإعلامية التي تؤكد نجاح الحكومة، وإنما ينتظر نتائج ملموسة تخفف الأعباء عن أسرته وتوفر فرصًا لتحسين مستوى معيشته.

كما أن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بمجرد مطالبة المواطنين بتأييدها، وإنما من خلال الشفافية في عرض النتائج، والاعتراف بالمشكلات، والاستجابة للانتقادات، وإتاحة الفرصة للخبراء والمجتمع للمشاركة في تقييم السياسات العامة.

 

مؤتمر للإنجازات أم محاولة لترميم صورة السلطة؟

في ضوء ما شهدته فعاليات المنتدى من استعراض حكومي واسع للإنجازات، وما أثارته شهادة أحد الأكاديميين بشأن تهميش الخبراء، والتصريحات المنقولة عن السيسي حول رفع معنويات الحكومة، تتصاعد التساؤلات بشأن الهدف السياسي الحقيقي من تنظيم الفعالية.

فهل كان المنتدى محاولة لتقديم كشف حساب موضوعي عن حصيلة السنوات الماضية، أم منصة لإعادة تسويق السياسات الحكومية والدفاع عنها أمام تصاعد الانتقادات؟ وهل سعى إلى فتح نقاش حقيقي بشأن أزمات الاقتصاد والديون ومستوى المعيشة، أم اقتصر دوره على إتاحة المجال للمسئولين لتقديم روايتهم عن الإنجازات دون مناقشة كافية لتكلفتها وتداعياتها؟

كما يبرز سؤال بشأن جدوى تحويل المنتدى إلى فعالية سنوية، إذا لم يصاحبه إعلان بيانات تفصيلية مستقلة عن تكلفة المشروعات وعوائدها، ومؤشرات واضحة لقياس التحسن في حياة المواطنين.

فالمؤتمر الذي يستهدف تعزيز الثقة في الأداء الحكومي ينبغي أن يتيح أيضًا مساحة لمساءلة المسئولين ومناقشة الإخفاقات، لا الاكتفاء باستعراض النجاحات.

 

الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى تصفيق

في المحصلة، يكشف الجدل الذي صاحب «منتدى مصر 2026» عن أزمة أعمق من مجرد الاختلاف حول نجاح فعالية حكومية أو فشلها، تتمثل في اتساع المسافة بين الصورة التي تقدمها السلطة عن أدائها والواقع الذي يعيشه قطاع واسع من المصريين.

فبينما يتحدث المسئولون بحكومة الانقلاب عن مشروعات ضخمة وإنجازات غير مسبوقة، يواجه المواطنون ضغوطًا متزايدة بسبب الغلاء وتراجع قيمة العملة وأعباء المعيشة.

وبينما تخصص الحكومة مؤتمرًا لاستعراض ما أنجزته ورفع معنويات مسئوليها، تظل الأسئلة المتعلقة بتكلفة المشروعات وعوائدها وأولويات الإنفاق ومعدلات الفقر والدين العام بحاجة إلى إجابات واضحة.

ولا تكمن المشكلة في أن تعرض الحكومة حصيلة أدائها أمام المواطنين؛ فهذا من مقتضيات الشفافية والمساءلة. وإنما تكمن في أن يتحول عرض الإنجازات إلى خطاب دعائي لا يتيح مراجعة السياسات أو مناقشة أوجه القصور.

فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤتمرات ولا بحجم التصفيق داخل القاعات، بل بما يشعر به المواطن في دخله ومستوى معيشته وقدرته على الحصول على الخدمات الأساسية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء المنتدى: هل يحتاج المصريون إلى مؤتمر سنوي لإقناعهم بأن أوضاعهم تتحسن، أم يحتاجون إلى سياسات تجعل هذا التحسن حقيقة ملموسة لا تتطلب كل هذا الجهد لإثباتها؟

وهل كانت الأولوية لرفع الروح المعنوية للحكومة التي تشكو الانتقادات، أم لرفع المعاناة عن ملايين المواطنين الذين ينتظرون نتائج حقيقية لسنوات طويلة من الوعود والتضحيات؟