61 مليار دولار ديونا مستحقة و42 ملياراً فاتورة وقود.. لماذا أصبح الجنيه رهينة للأزمات الخارجية؟

- ‎فيتقارير

يتجدد القلق بشأن مستقبل الجنيه المصري في ظل تصاعد الضغوط على سوق الصرف، وتزايد خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، وارتفاع أعباء الديون الخارجية، بالتزامن مع تداعيات التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية على موارد النقد الأجنبي.

وتطرح التطورات الأخيرة سؤالا جوهريا: لماذا لجأ نظام عبد الفتاح السيسي إلى سلسلة من قرارات خفض قيمة العملة دون معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد؟ وهل يمتلك البنك المركزي والحكومة الأدوات اللازمة لتجنب تعويم جديد، أم أن الجنيه يتجه مجددا نحو موجة انخفاض أمام الدولار؟

وتعود إحدى أبرز محطات الأزمة إلى 21 مارس 2022، عندما استيقظ المصريون على قرار بخفض حاد لقيمة الجنيه، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة وإطلاق أكبر بنكين حكوميين، الأهلي المصري وبنك مصر، شهادات ادخارية استثنائية بعائد بلغ 18%، في محاولة لاحتواء التداعيات التضخمية وجذب المدخرات إلى الجهاز المصرفي.

ولم تمر سوى أشهر حتى تعرضت العملة المحلية لصدمة جديدة في أكتوبر 2022، مع خفض آخر لقيمتها، قبل أن تتواصل موجات التراجع في يناير 2023، عندما اقترب الدولار رسميا من مستوى 31 جنيها، ثم جاءت محطة مارس 2024، التي أعلن فيها البنك المركزي الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن، بالتزامن مع رفع كبير لأسعار الفائدة، ليتجاوز الدولار مستوى 50 جنيها.

وباحتساب التعويم الأول في أكتوبر 2016، تكون العملة المصرية قد مرت بخمس محطات رئيسية من خفض القيمة وتحرير سعر الصرف، فقدت خلالها نحو 90% من قيمتها على مدى عقد، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين، ورفع تكلفة الواردات والإنتاج، وزاد أعباء المعيشة والديون المقومة بالعملات الأجنبية.

 

الحروب والأموال الساخنة.. الأسباب الخارجية التي فجرت أزمة الدولار

لم تكن التعويمات المتتالية منفصلة عن التطورات الدولية، إذ أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، وما صاحبها من اضطرابات في أسواق الغذاء والطاقة وارتفاع مستويات عدم اليقين، في زيادة الضغوط على الاقتصاد المصري.

وشهدت البلاد آنذاك موجة خروج حادة للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية وأذون الخزانة، قُدرت بنحو 22 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2022، ما شكل ضغطا كبيرا على موارد النقد الأجنبي، وأعاد أزمة نقص الدولار إلى الواجهة.

وزادت الضغوط مع ارتفاع أسعار الحبوب والمواد الغذائية والوقود عالميا، في ظل اعتماد مصر الكبير على استيراد القمح والسلع الأساسية ومشتقات الطاقة، فضلا عن تراجع إنتاج الغاز الطبيعي من حقل ظهر، وما ترتب عليه من زيادة الحاجة إلى استيراد الغاز والوقود لتلبية احتياجات السوق المحلية.

وتكرر المشهد خلال عام 2026، لكن في سياق جيوسياسي أكثر تعقيدا، مع اندلاع الحرب على إيران وما صاحبها من اضطرابات في الأسواق المالية وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة في الأسواق الناشئة.

ووفق التقديرات الواردة في البيانات المتداولة، تسببت الحرب في خروج نحو 15.8 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر خلال الشهر الأول من اندلاعها، لتتراجع هذه الاستثمارات إلى 36.04 مليار دولار بنهاية مارس، قبل أن تعاود الارتفاع خلال الأشهر الثلاثة التالية، وتسجل مستوى قياسيا بلغ 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مع عودة التدفقات الأجنبية إلى أدوات الدين المصرية.

لكن هذا التحسن لم يستمر طويلا، إذ عادت موجة الخروج بقوة خلال أكتوبر 2026، حيث قدر بنك «ستاندرد تشارترد» البريطاني حجم الأموال الساخنة الخارجة من مصر بنحو 15 مليار دولار مقارنة بأعلى مستويات هذه الاستثمارات، فيما سجل المستثمرون الأجانب صافي خروج بنحو 3.5 مليارات دولار خلال الشهر نفسه، وفقا للأرقام المشار إليها في بيانات البورصة المصرية.

وأدى هذا النزوح إلى زيادة الضغوط على الجنيه، الذي فقد نحو 7% من قيمته أمام الدولار خلال أكتوبر، متجاوزا مستوى 56 جنيها للدولار، في تراجع أعاد المخاوف من دخول سوق الصرف موجة اضطراب جديدة.

 

رفع الفائدة.. هل ينجح البنك المركزي في إنقاذ الجنيه؟

أمام هذه التطورات، عاد البنك المركزي المصري إلى استخدام سلاح أسعار الفائدة، رافعا معدلاتها للمرة الأولى منذ مارس 2024، في محاولة لاحتواء التضخم، وتعزيز جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية، والحد من الضغوط على العملة.

لكن هذا الإجراء يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى قدرته على مواجهة خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، خاصة أن رفع الفائدة لا يعالج وحده الأسباب الهيكلية لنقص النقد الأجنبي، ولا يقلل تلقائيا من فاتورة الواردات أو أعباء الديون الخارجية.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يعقب رفع الفائدة وخروج الأموال الساخنة تعويم جديد للجنيه، على غرار ما حدث في أعوام 2016 و2022 و2023 و2024؟

هناك تقديرات تستبعد حدوث تعويم جديد في المدى القريب، استنادا إلى مجموعة من العوامل، أبرزها اختفاء السوق السوداء للعملة التي كانت تمثل ضغطا إضافيا على سوق الصرف، وتراجع المضاربات العنيفة على الدولار، فضلا عن ضعف الطلب الاستيرادي المرتبط بحالة الركود التي تشهدها قطاعات واسعة من السوق المصرية.

كما تستند هذه التقديرات إلى تحسن بعض مصادر النقد الأجنبي، وفي مقدمتها تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وارتفاع الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي إلى أكثر من 57 مليار دولار، إلى جانب تبني سياسة مرونة سعر الصرف وعدم التدخل المستمر باستخدام الاحتياطي للدفاع عن مستوى محدد للجنيه.

غير أن هذه العوامل لا تعني بالضرورة انتهاء مخاطر انخفاض العملة، فاستقرار سوق الصرف يظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد على توفير تدفقات دولارية مستدامة، وليس فقط بتوافر احتياطي نقدي أو عودة مؤقتة للأموال الساخنة.

 

الديون الخارجية وعجز التجارة.. الخطر الأكبر على الجنيه

في المقابل، لا تزال هناك اختلالات اقتصادية عميقة تضغط على العملة المحلية، وفي مقدمتها ارتفاع الالتزامات الخارجية، واتساع عجز الميزان التجاري، واستمرار الاعتماد على الاستيراد لتوفير احتياجات أساسية من الطاقة والغذاء والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.

وتشير تقديرات البنك الدولي الواردة في البيانات إلى أن الالتزامات الخارجية المطلوب تدبيرها خلال عام تتجاوز 61 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الدولة في توفير العملات الأجنبية اللازمة لسداد الديون وخدمة أعبائها.

كما تجاوز عجز الميزان التجاري 64 مليار دولار خلال آخر عام مالي، بما يعكس الفجوة الكبيرة بين قيمة الواردات والصادرات، واستمرار اعتماد الاقتصاد على الخارج لتلبية احتياجاته السلعية والإنتاجية.

 

وتأتي فاتورة واردات مشتقات الوقود في مقدمة مصادر الضغط على موارد النقد الأجنبي، إذ تقدر بنحو 42.4 مليار دولار سنويا، بما يعادل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، و25% من إجمالي الواردات السلعية، وفقا للأرقام الواردة في التقديرات المشار إليها.

وتكشف مقارنة هذه الفاتورة بمصادر النقد الأجنبي الأخرى عن حجم الاختلال؛ فهي تتجاوز إيرادات قناة السويس بأكثر من سبعة أضعاف، وتزيد على إيرادات السياحة بنحو مرتين ونصف، وتقترب من قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، كما تعادل نحو 75% من إجمالي الاحتياطي النقدي الأجنبي.

وتعني هذه الأرقام أن الاقتصاد المصري يواجه مشكلة تتجاوز تقلبات سعر الصرف أو خروج المستثمرين الأجانب، إذ تتعلق بقدرته على توفير موارد دولارية كافية لتغطية احتياجاته الأساسية والتزاماته الخارجية، في ظل ضعف القاعدة الإنتاجية واستمرار الاعتماد على الاستيراد.

 

أموال ساخنة واستقرار هش.. إلى متى يستطيع الجنيه الصمود؟

تكشف التجربة المصرية أن الاعتماد على الأموال الساخنة يمثل أحد أبرز مواطن الضعف في إدارة سوق الصرف، فهذه الاستثمارات قد توفر تدفقات دولارية سريعة وتساعد في تمويل احتياجات الدولة مؤقتا، لكنها تظل شديدة الحساسية للتوترات السياسية والعسكرية، وتحركات أسعار الفائدة العالمية، وتغير شهية المستثمرين للمخاطرة.

وبمجرد اندلاع أزمة دولية أو تراجع جاذبية أدوات الدين المحلية، يمكن لهذه الأموال أن تغادر السوق خلال فترة قصيرة، تاركة وراءها ضغوطا جديدة على الدولار والجنيه، وهو ما تكرر في أكثر من محطة خلال السنوات الماضية.

وتكمن خطورة هذا النموذج في أن الدولة تصبح مطالبة باستمرار بتقديم عوائد مرتفعة لجذب المستثمرين، بما يرفع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين المحلي، دون أن يضمن بقاء هذه التدفقات أو تحويلها إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأجل.

وفي المقابل، فإن ارتفاع الالتزامات الخارجية وفاتورة الطاقة والغذاء، واستمرار العجز التجاري، يجعل أي صدمة خارجية جديدة قادرة على إعادة أزمة النقد الأجنبي إلى نقطة البداية.

الخطر الحقيقي على الجنيه لا يكمن فقط في خروج الأموال الساخنة أو احتمالات التعويم، وإنما في استمرار الاختلالات التي تجعل الاقتصاد محتاجا إلى الدولار أكثر مما يستطيع توليده.

ومن ثم، فإن تجنب تعويم جديد لا يتحقق بمجرد رفع أسعار الفائدة أو الاعتماد على الاحتياطي النقدي، وإنما يتطلب تغييرا حقيقيا في أولويات السياسة الاقتصادية، وزيادة الإنتاج والتصدير، وتقليل الاعتماد على استيراد الطاقة، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على توليد موارد دولارية مستدامة.

أما استمرار الاعتماد على الاقتراض والتدفقات قصيرة الأجل وبيع الأصول لتغطية الفجوات التمويلية، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وإعادة إنتاجها بصورة أكثر تكلفة.

وبينما يواجه الجنيه ضغوطا جديدة، يبقى السؤال الذي يتعين على الحكومة الإجابة عنه: هل تستطيع إدارة الاقتصاد بعيدا عن دوامة التعويم والاقتراض ورفع الفائدة، أم أن المصريين سيظلون يدفعون ثمن اختلالات السياسات الاقتصادية من قيمة مدخراتهم ودخولهم وقدرتهم على المعيشة؟