لم يعد "مشروع إسرائيل الكبرى" مجرد شعار ديني أو سياسي يطرحه المسؤولون الصهاينة أو عبارات دينية تُستعاد من التوراة لتبرير السيطرة الصهيونية على العالم العربي والإسلامي، فهذا المشروع أصبح اليوم حقيقة جغرافية وعسكرية وأمنية وسياسية حقيقية في ظل التمدد الصهيوني العسكري ووصول الطائرات الإسرائيلية إلى العديد من الدول العربية والإسلامية (لبنان وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن وإيران والعراق)، وكذلك التمدد الصهيوني إلى أفريقيا ووسط آسيا والسعي لإقامة تحالف كبير مع الهند واليونان وقبرص والإمارات العربية المتحدة، والتهديد المستمر لتركيا ومصر والأردن ودول الخليج.
في مقابل التوسع الإسرائيلي السياسي والاقتصادي والأمني والدبلوماسي ينشغل العالم العربي والإسلامي بحروب متعددة ومتنوعة مذهبية وسياسية وعسكرية ودبلوماسية، كما تشهد العديد من الدول العربية حروبا داخلية أدت إلى تقسيمها وإضعافها وتحولها إلى دويلات صغيرة بعد كانت دول لها حضورها وقوتها الاقتصادية أو السياسية.
ورغم كل المحاولات لوقف الحروب الصغرى التي نعاني منها والعمل لتشكيل تحالفات جديدة لمواجهة مختلف التحديات فإننا نعود ونغرق في حروب جديدة لا ندري إلى أين ستصل بنا، وكل ذلك يستدعي البحث في كيفية المواجهة لمشروع إسرائيل الكبرى ووقف حروبنا الصغرى، بدل الغرق في الحروب والصراعات التي لا فائدة ولا طائل منها.
رغم كل المحاولات لوقف الحروب الصغرى التي نعاني منها والعمل لتشكيل تحالفات جديدة لمواجهة مختلف التحديات فإننا نعود ونغرق في حروب جديدة لا ندري إلى أين ستصل بنا
وفي إطار هذه النقاشات والحوارات حول مشروع "إسرائيل الكبرى" ومآلات المواجهة مع المشروع الإسرائيلي؛ التقى عدد من المفكرين والناشطين الإسلاميين في بيروت لمناقشة أبعاد ما يجري وكيفية المواجهة، ولم يكن مجرد نقاش حول الجغرافيا أو الحدود، بل تحول إلى نقاش أوسع حول طبيعة الصراع نفسه، وأدواته، وقدرة القوى المناهضة لإسرائيل على الاستمرار في مواجهتها في ظل التحولات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة.
وانطلق النقاش من قراءة تعتبر أن "إسرائيل الكبرى" ليست مجرد شعار سياسي عابر، وإنما مشروع ذو أبعاد دينية وتوراتية وسياسية، تطور عبر مراحل مختلفة، وأن الصراع معه لا يمكن اختزاله بحرب محددة أو بجبهة واحدة. وفي هذا السياق، طُرح دور قوى المقاومة في لبنان وفلسطين باعتباره أحد العوامل التي أسهمت في تعطيل أو إبطاء بعض مسارات التوسع الإسرائيلي.
لكن السؤال الذي فرض نفسه خلال النقاش كان: هل ما زالت أدوات المواجهة القديمة صالحة للمرحلة المقبلة؟ وما هي آفاق المواجهة اليوم بعد التطورات التي حصلت منذ معركة طوفان الأقصى إلى اليوم؟ ويمكن الإشارة إلى أبرز ما توصل إليه هذا النقاش:
أولا: ضرورة إعادة تعريف مفهوم المقاومة، فالمواجهة مع إسرائيل، وفق هذا الطرح، لم تعد عسكرية فقط؛ إسرائيل تمتلك منظومة متكاملة من الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية والثقافية والنفسية، وبالتالي فإن مواجهتها بذراع واحدة، بينما تعمل هي بأذرع متعددة، قد يؤدي إلى اختلال مستمر في ميزان الصراع.
من هنا برز مفهوم "المقاومة الشاملة"، التي لا تعني بالضرورة توسيع دائرة العمل العسكري فقط، بل تعني بناء قدرة مجتمعية متكاملة على الصمود والمواجهة، بحيث تصبح الجبهة الإعلامية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية جزءاً من استراتيجية أوسع.
وهذا التحول يفرض سؤالاً أساسياً: هل تستطيع أي مقاومة أن تستمر عسكرياً إذا كانت بيئتها الاجتماعية تنهار اقتصادياً؟ وهل يمكن فصل القدرة العسكرية عن القدرة على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة والصمود؟ وكيف نقاوم في ظل انشغالنا بحروب وصراعات داخلية ودول ممزقة وضعيفة؟
وفي المقابل، فإن المقاومة ليست مطالبة بتكرار الأساليب نفسها في كل مرحلة، في ظل تطور التكنولوجيا العسكرية، والطائرات المسيّرة، ووسائل الاستطلاع والمراقبة، وتغير طبيعة ساحة المعركة، وكلها عوامل تفرض إعادة النظر في الأدوات والخطط.
فالعملية العسكرية الناجحة ليست تلك التي تحقق أكبر قدر من الخسائر لدى الخصم فحسب، بل تلك التي تحقق الهدف بأقل كلفة ممكنة، وإذا تغيرت الظروف وأصبح الاستمرار في خطة معينة يؤدي إلى استنزاف القوة من دون تحقيق الغاية، فإن تعديل الخطة يصبح جزءاً من العقلانية العسكرية وليس تراجعاً عن المبدأ.
ومن أكثر الأسئلة حساسية التي طرحها النقاش حول مسألة استنزاف القوة، فالمواجهة الطويلة لا تقاس فقط بحجم القدرات العسكرية، بل بقدرة المجتمع على تحمل أثمانها. فالخسائر البشرية، والدمار، والتهجير، وتراجع القدرة الاقتصادية، وفقدان فرص العمل، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل يمكن أن تتحول مع الوقت إلى جزء من المعركة نفسها.
وهنا يصبح السؤال مختلفاً: ليس فقط "هل تستطيع المقاومة أن تقاتل؟"، بل "هل يستطيع المجتمع أن يصمد؟". فالاستنزاف قد لا يستهدف القوة العسكرية مباشرة، وإنما يمكن أن يعمل على تفكيك البيئة الاجتماعية والسياسية التي تستند إليها هذه القوة، وفي هذه الحالة تتحول المعركة تدريجياً من مواجهة مع العدو الخارجي إلى صراع داخلي حول جدوى المقاومة وكلفتها ومستقبلها. والخطر لا يكمن فقط في خسارة المعركة العسكرية، بل في أن تتحول كلفة المعركة إلى عامل انقسام داخلي.
ثانيا: في مواجهة هذا المشروع الإسرائيلي التوسعي اليوم: هل يمكن تشكيل تحالفات عربية وإسلامية قادرة على المواجهة؟
وكانت الآراء في هذا الحوار: أن المنطقة ليست كتلة سياسية واحدة. مصر مرتبطة باتفاقية سلام مع إسرائيل، وتركيا، رغم الخلافات السياسية المتعددة، تمتلك علاقات استراتيجية واقتصادية وعسكرية مع إسرائيل، فيما تقف إيران في موقع المواجهة المباشرة مع المشروع الإسرائيلي، ولكل دول عربية أو إسلامية تحديات مختلفة داخلية أو خارجية، لذلك تبدو فكرة تشكيل جبهة إسلامية موحدة في مواجهة إسرائيل شديدة التعقيد.
لكن إذا كان توحيد المواقف غير ممكن، فإن الحد الأدنى الذي يمكن تحقيقه قد يكون منع الصدامات البينية. فعدم تحول التناقضات الإقليمية إلى حروب داخلية أو صراعات تستنزف القوى المختلفة قد يكون بحد ذاته عاملاً استراتيجياً، لأنه يمنع تحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف متبادل، ويتيح لكل طرف توجيه موارده نحو أولوياته الأساسية.
وأما عن علاقة المقاومة بالدولة في ظل الضغوط لنزع سلاح المقاومة، فإن ذلك يستدعي إعادة البحث في هذه العلاقة حفاظا على الدولة دون التخلي عن عناصر القوة، كما أن الانخراط في المؤسسات الرسمية يفرض على القوى السياسية تقديم تنازلات وتسويات بحكم طبيعة العمل السياسي، بينما ترى بعض المقاربات داخل البيئة المقاومة أن هناك ثوابت لا يمكن أن تكون موضوعاً للتسوية السياسية.
التحدي الحقيقي أمام المقاومة في هذه المرحلة من أجل مواجهة مشروع إسرائيل الكبرى لا يكون فقط كيف تواجه إسرائيل، بل كيف تمنع الاستنزاف من تحويل المواجهة إلى أزمة داخلية، وكيف تحافظ على تماسك المجتمع، وكيف تطور المقاومة أدواتها دون أن تفقد أهدافها ومبادئها
ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار أحدهما وإلغاء الآخر، بل في إيجاد صيغة تمنع تحول العلاقة بين الدولة والمقاومة إلى مصدر إضافي للصراع الداخلي.
ومن أجل مواجهة التحديات الجديدة أمام المقاومة كان لا بد من العودة التاريخية إلى كل تجارب المقاومة: فالمقاومة استطاعت أن تتطور في الماضي من مجموعات محدودة الإمكانات إلى قوة منظمة، وهي مطالبة اليوم أيضاً بأن تتطور بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة، فالأسلحة تغيرت، والتكنولوجيا تغيرت، وطبيعة الحرب تغيرت، وكذلك البيئة السياسية والاجتماعية، ومن هنا فإن التحدي ليس فقط الحفاظ على المقاومة، بل الحفاظ على قدرتها على التكيف، فالمواجهة اليوم ليست حرباً عسكرية تقليدية، بل صراعاً متعدد المستويات، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والسياسة والإعلام والثقافة والمجتمع.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في مفهوم القوة نفسه. فالقوة ليست فقط عدد الصواريخ أو حجم الترسانة، وإنما أيضاً قدرة المجتمع على الصمود، وقدرة المؤسسات على حماية الناس، وقدرة الخطاب السياسي والإعلامي على الإقناع، والقدرة على منع الخصم من تحويل الصراع الخارجي إلى انقسام داخلي.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المقاومة في هذه المرحلة من أجل مواجهة مشروع إسرائيل الكبرى لا يكون فقط كيف تواجه إسرائيل، بل كيف تمنع الاستنزاف من تحويل المواجهة إلى أزمة داخلية، وكيف تحافظ على تماسك المجتمع، وكيف تطور المقاومة أدواتها دون أن تفقد أهدافها ومبادئها، فالمرحلة اليوم، تحتاج إلى أكثر من القوة العسكرية؛ تحتاج إلى رؤية شاملة للصراع، ومرونة في الوسائل، وثبات في المبادئ، وقدرة على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة على الأرض.
ومن خلال هذا النقاش والحوار نحتاج اليوم إلى رؤية شاملة في هذه الحرب الكبرى كي لا نغرق في الحروب الصغرى ونفقد البوصلة مجددا.