“نَعم تجلب النِعم” : السائق روماني غريب استغاث من ضابط بالمطار إلى اتهامات بالانتماء لجماعة!

- ‎فيحريات

تتسع قضية سائق التاكسي المصري المسيحي روماني غريب عدلي عازر لتتجاوز حدود واقعة فردية بدأت، بحسب رواية منظمات حقوقية ودفاعه، باستغاثة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن ما قال: "إنه تعرض له داخل أحد المطارات، لتنتهي إلى حبسه احتياطيًا على ذمة قضية أمام نيابة أمن الدولة العليا، باتهامات من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة".

 

وبحسب ما أعلنته المفوضية المصرية للحقوق والحريات، فإن روماني محبوس على ذمة القضية رقم 4832 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، وقد جرى تجديد حبسه لمدة 15 يومًا في أكتوبر 2026. كما ذكرت منظمة التضامن القبطي أن روماني، وهو سائق سيارة أجرة مصري قبطي وناشط على وسائل التواصل الاجتماعي، محتجز منذ 18 يونيو 2026 على ذمة القضية نفسها.

 

ماذا قال روماني؟

 

تقول المفوضية المصرية للحقوق والحريات: "إن بداية القضية ارتبطت بمقطع فيديو نشره روماني على صفحته في فيسبوك، تحدث فيه عن واقعة مع أحد الضباط داخل المطار".

 

وبحسب الرواية المنشورة عنه، قال روماني إنه كان متوجهًا إلى المطار لاستقبال أحد الزبائن، وإن أحد الضباط طلب منه توصيل شخص إلى داخل المطار، وهو ما رفضه، قبل أن يقول إن الضابط احتجز بطاقته ورخصته وخط سيره ومنعه من الدخول.

 

وكان روماني يخاطب المسؤولين في الفيديو مطالبًا بمعرفة الخطأ الذي ارتكبه، مشيرًا إلى أنه يدفع الضرائب والتأمينات وأن أوراقه سليمة، ومتسائلًا عن سبب ما وصفه بالتعطيل والإهانة التي تعرض لها.

 

المهم هنا أن هذه الرواية هي رواية روماني ودفاعه والمنظمات التي تناولت قضيته، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا في واقعة المطار، ولذلك يبقى التحقيق في أصل الشكوى منفصلًا عن الاتهامات الموجهة إليه في قضية أمن الدولة.

لماذا عُوقب صاحب الشكوى؟

 

وأدانت "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"  استمرار حبس روماني، وقالت "إن القضية بدأت عقب نشره فيديو استغاثة من أحد الضباط، وطالبت بالتحقيق في الوقائع التي ذكرها في الفيديو، إلى جانب التحقيق في ظروف القبض عليه وما وصفته بتعرضه للاختفاء قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة".

 

وترى المفوضية أن المواطن الذي يلجأ إلى نشر شكوى أو استغاثة بشأن تصرف ينسبه إلى موظف عام ينبغي أن تكون شكواه محل فحص وتحقيق، لا أن تتحول الشكوى نفسها إلى سبب للملاحقة، كما طالبت بتوفير الضمانات القانونية لروماني والإفراج عنه ما لم تكن هناك أسباب قانونية تبرر استمرار حبسه.

 

وفي المقابل، تظل الاتهامات الموجهة إلى روماني، ومنها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، اتهامات قيد التحقيق وليست إدانة قضائية نهائية.

كيف أصبحنا جميعا إخوان؟

دخل حساب الموقف المصري @AlmasryAlmawkef على خط القضية بقراءة أوسع، حملت عنوانًا لافتًا: «كيف أصبحنا جميعًا إخوان في نظر النظام؟!».

 

وانطلق المنشور من واقعة روماني غريب، معتبرًا أن المفارقة الأساسية في القضية تتمثل في أن مواطنًا مسيحيًا، بحسب وصف الحساب، انتهى به الأمر إلى مواجهة اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة بعد واقعة بدأت بشكوى من ضابط في المطار.

 

ويستعيد "الموقف المصري" تفاصيل الاستغاثة، فيشير إلى أن روماني قال: "إنه كان قادمًا من السويس إلى المطار لاستقبال زبون، وإنه رفض طلبًا من ضابط بتوصيل شخص إلى داخل المطار، قبل أن تُسحب منه بطاقته ورخصته وخط السير".

 

كما يشير المنشور إلى أن روماني تحدث في الفيديو عن دفعه الضرائب والتأمينات، وتساءل عن الخطأ الذي ارتكبه، معتبرًا أن ما حدث له بدأ من خلاف مع ضابط ثم تحول إلى قضية أمن دولة.

لا يتوقف طرح «الموقف المصري» عند واقعة المطار، وإنما يستخدمها باعتبارها مثالًا على ما يراه الحساب نمطًا أوسع يتعلق باتهامات الإرهاب ونشر الأخبار الكاذبة.

 

ويستحضر الحساب حالات قال إنها طالت مواطنين مصريين خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن اتهامات من بينها «الانضمام إلى جماعة إرهابية» و«نشر أخبار كاذبة» ظهرت في قضايا بدأت، بحسب روايته، من انتقادات أو شكاوى أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ويقول «الموقف المصري» "إن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في وجود قوانين لمواجهة الإرهاب أو الأخبار الكاذبة في حد ذاتها، وإنما في احتمال تحول هذه الاتهامات إلى إطار واسع يمكن من خلاله التعامل مع الاعتراضات العامة أو الشكاوى الفردية باعتبارها قضايا أمنية".

 

ويطرح المنشور سؤالًا سياسيًا وحقوقيًا أوسع حول المسافة بين الشكوى والنقد من ناحية، وبين الاتهام الجنائي من ناحية أخرى، وما إذا كانت المؤسسات المعنية تفحص مضمون الشكوى الأصلية قبل الانتقال إلى ملاحقة صاحبها.

https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2107870255586382269

 

وتكتسب قضية روماني غريب بعدًا إضافيًا عند مقارنتها بحالة الكاتب والباحث القبطي هاني صبحي، الذي واجه بدوره اتهامات بالانضمام إلى جماعة "إرهابية" (وتقصد بها النيابة جماعة الإخوان المسلمين)، ونشر أخبار وبيانات كاذبة  (ويقصد بها شرح مشكلته عبر وسائل التواصل)!.

 

وأُلقي القبض على هاني صبحي في أكتوبر 2025، ثم ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 7143 لسنة 2025 حصر أمن دولة، التي قررت حبسه احتياطيًا، وذكرت مصادر حقوقية وإعلامية أن الاتهامات شملت الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وإشاعات وبيانات كاذبة.

وأكدت تقارير صحفية أن صبحي مسيحي الديانة، وأن التحقيق معه ارتبط بمنشورات على فيسبوك تناولت قضايا سياسية وأمنية. كما وثق مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن من بين المنشورات التي سبقت القبض عليه منشورًا تناول قصة العجل الذهبي في الديانات السماوية، وآخر تضمن تعليقًا ساخرًا على تصريحات للإعلامية داليا زيادة.

 

https://www.elshehab-ngo.net/post/4137

 

 

وذكرت «مدى مصر» أن صبحي ظهر أمام نيابة أمن الدولة بعد يوم من القبض عليه من منزله في المرج، وأن النيابة وجهت إليه الاتهامات المشار إليها، وقررت حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات.

وهنا تظهر المفارقة التي أعادت قضية روماني غريب طرحها من جديد: هاني صبحي، وهو مسيحي، واجه اتهامًا بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، بينما روماني غريب، وهو مسيحي أيضًا، يواجه اتهامًا بالانضمام إلى جماعة إرهابية. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الوقائع أو الأدلة في القضيتين متطابقة، وإنما يلفت النظر إلى أن الاتهام ذاته لا يرتبط بالضرورة بالهوية الدينية للمتهم.

في الجزء الأوسع من منشوره، يذكر «الموقف المصري» أن قضية روماني لا ينبغي قراءتها بمعزل عن حالات أخرى قال إنها طالت مواطنين بسبب منشورات أو شكاوى.

 

ويستشهد الحساب، في هذا السياق، بأطباء وصيادلة خلال أزمة كورونا، وبمواطنين تحدثوا عن ارتفاع الأسعار أو الأوضاع الاقتصادية، وبحالات أخرى قال "إنها واجهت اتهامات بنشر أخبار كاذبة أو الانضمام إلى جماعة محظورة".

 

كما يشير إلى قضية الصحفية دينا عزب، التي قال "إنها نشرت مقاطع تتحدث فيها عن واقعة مع أفراد شرطة، بينما قدمت وزارة الداخلية رواية مختلفة للواقعة، ثم واجهت اتهامات مرتبطة بنشر أخبار كاذبة بحسب ما أورده المنشور".

 

ويذكر كذلك صحفيي منصة «متصدقش»، باعتبارهم مثالًا على ما يصفه الحساب بتداخل العمل الصحفي والتحقيق في المعلومات مع الاتهامات الأمنية.

 

وهذه الأمثلة تظل، في صياغة التقرير، رواية «الموقف المصري» وتحليله، ولا ينبغي عرضها باعتبارها أحكامًا قضائية أو حقائق ثابتة في كل تفاصيلها.

اللافت في معالجة الحساب أن الصفة المسيحية لروماني لم تُطرح باعتبارها سببًا للاتهام، وإنما باعتبارها عنصرًا يلفت إلى مفارقة سياسية في الخطاب العام.

 

فالاتهام بالانضمام إلى جماعة الإخوان أو جماعة إرهابية يفترض، في نظر كثير من المتابعين، وجود صلة تنظيمية أو فكرية تحتاج إلى أدلة محددة. ولذلك يصبح السؤال أكثر حدة عندما يكون المتهم مسيحيًا، كما في حالة هاني صبحي، أو سائقًا يقول إن بداية مشكلته كانت شكوى من تصرف ضابط، كما في حالة روماني غريب.

 

لكن هذه المفارقة لا تكفي وحدها لإثبات بطلان الاتهامات، إذ تظل القضية القانونية مرتبطة بالأدلة التي تقدمها النيابة وما تقرره المحكمة في النهاية.

من «نعم تجلب النعم» إلى سؤال «أين النعم؟»

 

وفي سياق التفاعل على مواقع التواصل، ظهرت قراءة ساخرة لتصريحات رأس الكنيسة تواضروس التي طالب فيها "الشعب" بالتصويت للسيسي ب"نعم" وربط قضية المسيحيين بتأييد النظام، وقال «نعم تجلب النعم» مؤيدا لعبدالفتاح السيسي لأنه  قتل الإخوان المسلمين واعتقل قادتهم النابهين صفوة المجتمع المصري.

 

حساب مينا @MinaThePharaoh يسير فيما سار إليه تواضروس  وكبت منشورًا مطولًا تناول فيه المفارقة من زاوية مختلفة، مستعيدًا حالة رفيق حبيب، وهو شخصية مسيحية شاركت في الحياة السياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، ليستنتج من ذلك أن الهوية الدينية لا تمنع، من حيث المبدأ، وجود تحالفات سياسية بين أفراد من ديانات مختلفة ليثبت جديلة جهات التقاضي الخاصة بالسيسي في توجيه اتهام  باطل إلى شخص غير معني به فقط لأنه اشتكى أو عبر عن رأيه.

 

حالة مثل رفيق حبيب (خارج السجن حاليا) لا يمكن أن يكون دليلًا على أن كل مواطن مسيحي يواجه اتهامًا بالانضمام إلى جماعة الإخوان قد ارتبط بها بالفعل؛ فكل قضية ينبغي أن تُفحص بأدلتها الخاصة وكأنه تحريض  من مينا على رجل مثل مكرم عبيد الذي شارك أسرة  الإمام  حسن البنا في حمل جثمانه ودفنه وكمستشاري الشيخ البنا من النصارى.