رفع شرائح الكهرباء قبل زيادة الأجور.. هل يُراهن السيسي على القبضة الأمنية؟

- ‎فيتقارير

 

في خطوة أثارت غضبًا واسعًا، رفعت حكومة المنقلب السيسي، أسعار الكهرباء للقطاعات الصناعية والخدمية بنسب وصلت إلى 31%، قبل أسابيع من أي حديث جاد عن تحسين الأجور أو تخفيف الأعباء عن ملايين المواطنين الذين يواجهون موجات متتالية من الغلاء والتضخم، القرار يكشف مجددًا طبيعة أولويات السلطة، التي تبدو أكثر انحيازًا لإرضاء صندوق النقد الدولي وتحصيل الإيرادات، مقابل تحميل المجتمع كلفة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

 

الزيادة الجديدة لم تقتصر على المصانع أو الأنشطة التجارية الكبرى، بل شملت قطاعات تمس الحياة اليومية مباشرة، مثل مترو الأنفاق وشركات المياه والري، ما يعني أن آثار القرار ستصل سريعًا إلى المواطن عبر ارتفاع أسعار النقل والخدمات وفواتير المعيشة بشكل عام. وبينما تتحدث الحكومة عن "تقليص فجوة الدعم" و"الاقتراب من التكلفة الحقيقية"، يرى مراقبون أن المواطن وحده أصبح يتحمل فاتورة السياسات الاقتصادية الفاشلة، في وقت تتآكل فيه الدخول وتنهار القدرة الشرائية.

 

لماذا الآن؟

 

توقيت القرار يثير تساؤلات حادة، خاصة أنه جاء قبل أي زيادات حقيقية في الرواتب أو المعاشات، وكأن الحكومة تراهن على قدرة الشارع على التحمل بلا حدود، السلطة بررت الخطوة بارتفاع تكلفة استيراد الغاز الطبيعي والمازوت، وبضغوط الحرب الإقليمية، لكن منتقدين يرون أن الأزمة أعمق من مجرد ارتفاع أسعار الطاقة، وترتبط بإدارة اقتصادية تعتمد على الاقتراض والتوسع في الإنفاق غير الإنتاجي، بينما يجري تحميل المواطن النتائج في النهاية.

 

كما يأتي القرار بالتزامن مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة لإجراء مراجعات جديدة لبرنامج القرض، ما يعزز الانطباع بأن الحكومة تسابق الزمن لتنفيذ شروط الصندوق المتعلقة برفع الدعم وتحرير أسعار الطاقة، حتى لو أدى ذلك إلى انفجار اجتماعي جديد.

 

 المواطن خارج الحسابات

 

اللافت أن الحكومة تحدثت عن مراعاة "صغار المستهلكين"، لكنها تجاهلت أن رفع تكلفة الكهرباء على الخدمات والقطاعات الإنتاجية سينعكس حتمًا على الأسعار في الأسواق، فكل زيادة في تكلفة الطاقة تعني تلقائيًا ارتفاع أسعار السلع والنقل والخدمات، بينما تبقى الرواتب شبه ثابتة.

 

ويرى اقتصاديون أن الحكومة تتعامل مع الأزمة بمنطق الجباية لا التنمية، إذ تبحث عن سد عجز الموازنة وتقليص الدعم بأي وسيلة، دون وجود خطة واضحة لتحسين الدخول أو حماية الطبقات الأكثر تضررًا، ويخشى كثيرون من أن تؤدي هذه السياسات إلى موجة تضخم جديدة قد تكون الأشد منذ سنوات.

 

هل تراهن السلطة على الأجهزة الأمنية؟

 

وسط هذا الغضب المتصاعد، يطرح مراقبون سؤالًا جوهريًا: هل تعتقد السلطة أن دعم الجيش والشرطة والقضاء كافٍ لاحتواء أي غضب شعبي محتمل؟

 

خلال السنوات الماضية، حرص النظام على تعزيز الامتيازات المالية والمؤسسية للأجهزة السيادية، بالتوازي مع تشديد القبضة الأمنية وتوسيع أدوات الرقابة والسيطرة على المجال العام، هذا الواقع يدفع البعض للاعتقاد بأن السلطة تراهن على تماسك هذه المؤسسات لضمان الاستقرار، حتى مع تزايد الضغوط المعيشية على المواطنين.

 

لكن خبراء يحذرون من أن الأزمات الاقتصادية الكبرى لا يمكن احتواؤها أمنيًا إلى الأبد، خاصة إذا استمرت موجات الغلاء وتراجع مستوى المعيشة، فارتفاع الأسعار المتواصل، إلى جانب تآكل الطبقة الوسطى واتساع دائرة الفقر، يخلق حالة احتقان يصعب التنبؤ بنتائجها، مهما بلغت قوة القبضة الأمنية.

 

معادلة صعبة

 

الحكومة تبدو عالقة بين ضغوط صندوق النقد ومتطلبات الاستقرار الداخلي، فهي تريد خفض الدعم وتقليل العجز المالي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي موجة غلاء جديدة قد ترفع منسوب الغضب الشعبي، وبين هذا وذاك، يبقى المواطن المصري الطرف الأضعف، يدفع ثمن أزمات اقتصادية وسياسات لا يملك أي دور في صنعها.