لماذا تتعمد الحكومة إخفاء المعلومات وترفض الكشف عن أعداد الفقراء؟

- ‎فيتقارير

مع سياسات حكومة الانقلاب الرامية إلى إفقار وتجويع المصريين عبر رفع الأسعار والتضييق عليهم فى الحصول على الخدمات والغاء دعم الكهرباء والغاز والمياه تضاعفت معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة فى التاريخ المصري، حيث أكدت بيانات البنك الدولى أن نحو 65% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، أى أكثر من 70 مليون مواطن، فى الوقت الذى تزعم فيه حكومة الانقلاب أن معدلات الفقر لا تتجاوز 29.7%، رغم أن البنك الدولي قال في تقرير له، إن حكومة الانقلاب أكدت له أن معدل الفقر لديها بلغ 32.5 في المئة، ضمن طلب قدمته للحصول على تمويل برنامج الإنتاج الزراعى المرن لتغيّر المناخ، بقيمة 250 مليون دولار.

وأكد البنك أن التفاوتات المكانية لا تزال قائمة، خاصة بين المناطق الريفية والحضرية، وأن نحو 66 في المئة من الفقراء يعيشون فى مناطق ريفية، مع وصول معدلات التضخم السنوى فيه إلى 42.6 في المئة، وهو أعلى من معدل التضخم على مستوى البلاد

يُشار إلى أنه وفقًا لآخر بيانات رسمية (2019 /2020)، صُنّف نحو 3 من كل 10 مصريين فقراء، لكن محللين يشيرون إلى أن الضغوط الاقتصادية اللاحقة، من جائحة كورونا إلى تداعيات الحرب الأوكرانية والحرب الإيرانية وحرب الإبادة الصهيونية فى قطاع غزة، رفعت العدد كثيرا، حتى أصبح نحو 60% من المصريين على خط الفقر أو قريبين منه.

 

صندوق النقد

من جانبه قال الباحث الاقتصادى مصطفى بسيوني إن أول ما يمكن ملاحظته في تطوّر أرقام الفقر في مصر هي الذروة التي سجّلها في عامي 2017 و2018، حيث طال الفقر ثلث سكّان مصر، مرتفعاً بفارق كبير عن العامين السابقين، مؤكدا أن هناك عاملين مؤثِّرين بشدّة في وصول نسبة الفقر لهذا المستوى؛ الأول اقتصادي يرتبط بالاتفاق الذي أبرمته حكومة الانقلاب مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016، وحرّرت بموجبه سعر الصرف، بحيث قفز سعر الدولار في سوق الصرف الرسمية ووصل إلى ضعف قيمته، فضلاً عن تطبيق تعريفة جديدة لضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%، بالإضافة إلى الإلغاء التدريجي للدعم على الوقود.  

وأكد بسيوني فى تصريحات صحفية أن هذه الحزمة ساهمت في دفع معدّلات التضخّم إلى مستويات قياسية في حينها، ممّا جعل قطاعاً واسعاً من المصريين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية ووقعوا تحت خطّ الفقر.

وأضاف : أمّا العامل الثاني فهو سياسي، حيث مثّل العام 2016 اكتمال سيطرة سلطات الانقلاب على الشارع والقضاء على أي مظاهر للحركة أو الاحتجاج، بحيث شكّلت المظاهرات المعارضة لاتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية الذي نقلت بموجبه تبعية جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية، آخر مظاهر الاحتجاج الجماهيري في تلك الفترة، علماً بأن سلطات الانقلاب لم تبدِ أي مرونة تجاهها وقمعتها بعنفٍ واعتقلت أعداداً واسعة من المحتجّين.

 

تحسين الأرقام

وأوضح بسيونى أن «بحث الدخل والإنفاق» الذي يعاين بيانات العامين 2019 و2020، يشير إلى تطوّر نسبة الفقر من 16.7% في العام 1999 إلى 29.7% في العام 2020 لافتا إلى أن الهيمنة الأمنية وغياب مظاهر الاحتجاج وضعف المعارضة في تلك الفترة، جعلت يد سلطات الانقلاب مُطلقة في تطبيق سياسات اقتصادية ضدّ الفقراء.

وكشف أن نظام الانقلاب يحاول اعتماد خط فقر غير واقعي، عبر تحسين الأرقام النهائية، مؤكدا أن هذا لن يقلّل من الإحساس العام في المجتمع بتحوّل تدبير الحياة اليومية لمهمّة شاقّة وعسيرة، وأحياناً مستحيلة. وأشار بسيونى إلى أن الأسوأ أن محاولة تحسين الأرقام على هذا النحو هو مجرد إنكار للسياسات التي أوصلت إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعني أنه لن تكون هناك محاولات لتحسين الأوضاع بل سيتم الاكتفاء بتحسينها على الورق فقط.

 

إرادة سياسية

قال الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي، مصطفى يوسف، إن أي نظام ديكتاتوري سلطوي لا يعبأ بالفقراء، ويهتم بتشديد القبضة الأمنية لضمان خضوعهم إزاء أي إجراءات اقتصادية، مشيرا إلى أنه في الحالة المصرية يدين السيسي بوجوده وبقائه لا للشعب إنما لجهات خارجية كإسرائيل والإمارات والسعودية.

وأكد يوسف قى تصريحات صحفية أن من يفرِّط في مقدرات بلاده لن يبالي بفقراء وطنه؛ لأن التفريط في مياه النيل سيؤدي إلى زيادة رقعة الفقر ومعدلات البطالة، وزيادة فاتورة استيراد المواد الغذائية، والتنازل عن المياه الاقتصادية شمالا وشرقا سيحرم المصريين من ثرواتهم، ما يؤكد أنه لا توجد أدنى إرادة سياسية لعمل أي خطط تنموية أو جذب استثمارات مبنية على رؤية استراتيجية.

وكشف أن الهدف الوحيد للسيسي وطغمته الحاكمة، يتمثل في استمرار الإمبراطورية الاقتصادية للجيش وتشديد القبضة الأمنية على المصريين، ما يعني استمرار سياسات الإفقار الممنهج وزيادة معدلات البطالة والفقر المدقع مما ينذر بكارثة اجتماعية واقتصادية .

 

شماعة الفشل

وأكد المحلل السياسي والاقتصادي محمد رمضان، أن سياسة نظام الانقلاب عمل على إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء، معتبرا أن حديث هذا النظام عن الزيادة السكانية باعتبارها معوقا للتنمية، وتحميل الدعم الحكومي مسئولية عدم تحقيق أي تقدم ملموس، هو هروب من المسئولية، وشماعة لتبرير الفشل وزيادة الأسعار .

وقال رمضان قى تصريحات صحفية : الحقيقة أن نظام الانقلاب لا يمتلك خطة أو مشروعا واضحا لإدارة الدولة، متسائلا : ألم يقل السيسي قبل هيمنته على السلطة إنه يريد أن يُغني الناس أولا قبل أن يرفع الدعم؟ .

وشدد على أن الطبقتين الفقيرة والمتوسطة -وفق الأرقام الحكومية والدراسات المستقلة- هما أكثر المتضررين من القرارات الاقتصادية الممتدة منذ عام 2014 مرورا بتعويم الجنيه، وتطبيق رؤية صندوق النقد الدولي، التي شملت خفض الدعم وزيادة الضرائب والرسوم، التي وصلت إلى 700% في بعض الخدمات والسلع.

 

تعمد التعتيم

وأكد محمد أنيس عضو الجمعية المصرية للاقتصاد التشريعي أن نظام السيسي يتعمد التعتيم على التزايد الكبير فى أعداد الفقراء بسبب سياساته الاقتصادية الفاشلة، مؤكدا أن عدم صدور بيانات الفقر يأتى فى إطار هذه السياسة حيث إن ذلك التعتيم يعد إحدى المشكلات التي تواجه الخبراء الاقتصاديين، خصوصاً وأن المعلومات التي يوفرها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء منقوصة بشكل كبير .

وشدد أنيس قى تصريحات صحفية على أن هناك ثوابت يجب التعامل معها والإفصاح عنها لكون المؤشرات المتوافرة تشير بالفعل لازدياد النسب عن المسجلة في آخر إحصاء رسمي.

وأوضح أن الحد الأدنى للفرد المقدر بنحو دولارين في اليوم كمعيار للفقر يجب أن يظل هو الأساس الذي تجري عليه كافة الحسابات، مشيراً إلى أن إدخال نصيب الفرد في الخدمات يحسن الأرقام ظاهرياً لكنه يخفي المعدلات الحقيقية للفقر.

 

إخفاء البيانات

هذا التعتيم أكده عبد المنعم إمام أمين سر لجنة الخطة والموازنة بمجلس نواب السيسي، مشيرا إلى أن هناك تعمداً حكومياً لطمس المعلومات الخاصة بمعدلات الفقر منذ سنوات، وهو أمر سبق إثارته عدة مرات داخل المجلس لكن من دون أن يتم الحصول على أرقام واضحة تساعد في وضع الخطط التي تستهدف تحسين حياة المواطنين .

وحذر إمام فى تصريحات صحفية من أن تداعيات إخفاء البيانات وطمسها خوفاً من النسب الكبيرة المتوقعة في الإعلان أضرارها أكبر بكثير من فوائدها، موضحا أن أرقام نسب الفقر تكون مهمة لاعتبارات عدة، بما فيها تشجيع الاستثمار لكون هناك نوع من الاستثمارات يعتمد على استهداف توظيف وتشغيل الفئات الفقيرة .

وكشف أنهم لم يجدوا حتى اليوم رغبة من حكومة الانقلاب في الإعلان عن الأرقام الحقيقية، التي تغيرت بالتأكيد على مدار السنوات الماضية.