شكلت أحداث عام 2013 في مصر محطة فارقة ومختبراً حقيقياً لمدى التزام القوى الكبرى والمجتمع الدولي بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، ورغم توثيق التقارير الحقوقية والدولية لأحداث جسيمة وقعت أمام عدسات الكاميرات، إلا أن ردود الفعل الدولية لم ترتقِ يوماً إلى مستوى آليات المحاسبة الفعلية أو العقوبات المؤثرة، بل غلبت عليها اعتبارات ما يدعوه بـ "الواقعية السياسية" والمصالح الاستراتيجية العليا.
وفي هذا السياق، يتناول هذا التقرير تفاصيل المواقف الدولية وتناقضاتها، محلياً وإقليمياً ودولياً، مسلطاً الضوء على أبعاد السياسة الأمريكية والأوروبية، ومستعيناً بالرؤى النقدية والتحليلية لكبار المراقبين والصحفيين والدوريات العالمية الكبرى.
"المعايير المزدوجة"
واتسم موقف إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بالتناقض الظاهري بين الخطاب الحقوقي والممارسات الفعلية على الأرض:
وصدرت التصريحات الرسمية مدينة للعنف ومطالبة بضبط النفس والعودة إلى مسار انتقالي ديمقراطي، إلا أن ردود الفعل العملية اقتصرت على تعليق مؤقت ومحدود للغاية لشحنات عسكرية محددة، وتأجيل تدريبات "النجم الساطع" العسكرية المشتركة في ذلك العام، كإشارات سياسية لا ترقى لقطع الجسور الاستراتيجية التاريخية بين البلدين.
ولم يتوقف شريان المساعدات؛ إذ استمرت مصر في تلقي أكثر من 1.2 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية عام 2013، وأكثر من 1.3 مليار دولار عام 2014، مما عكس رغبة واضحة في الحفاظ على استمرار العلاقة المؤسسية مع الجيش المصري بصرف النظر عن التطورات السياسية الداخلية.
ويفسر الخبراء هذا الاستمرار بسيادة اعتبارات أمنية وعسكرية كبرى لدى واشنطن، تتصدرها حماية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ضمان حرية الملاحة والاستقرار الاستراتيجي في قناة السويس، والتعاون الوثيق في ملف مكافحة الإرهاب بشبه جزيرة سيناء والمحيط الإقليمي، وهي مصالح رأت الإدارة الأمريكية أن تعريضها للخطر عبر عقوبات قاسية قد يهدد استقرار الشرق الأوسط بأسره.
الموقف الأوروبي وصفقات التسليح
سارت العواصم الأوروبية والمؤسسات الأوروبية في فلك مقارب مشابه للموقف الأمريكي، وإن اتسم ببعض التباينات الدبلوماسية الشكلية:
وأصدر الاتحاد الأوروبي في أغسطس 2013 بيانات واضحة تدعو إلى وقف العنف والعودة إلى مسار سياسي شامل، لكن هذه البيانات لم تتبعها أي آليات عقابية حقيقية أو إجراءات لمحاسبة المسؤولين دولياً، مكتفية بالتعبير عن "القلق البالغ".
وعلى الرغم من تعليق بعض شحنات معدات مكافحة الشغب المؤقتة في بعض الدول الأوروبية، إلا أن صفقات التسليح الكبرى والتعاون الاستخباراتي استمرت دون توقف جذري. ومع حلول عامين لاحقين (2014-2015)، عادت العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية إلى طبيعتها الكاملة، مدفوعة باهتمام أوروبي مشترك بملفات أمنية حساسة مثل مكافحة الهجرة غير الشرعية، وأمن المتوسط، ومواجهة الجماعات المتطرفة.
قراءة "كيركباتريك"
لتحليل هذه المواقف بموضوعية وعمق، يُستعان بأطروحة المفكرة والسياسية الأمريكية جين كيركباتريك (صاحبة نظرية الدكتاتوريات والمعايير المزدوجة)، والتي ترى أن الدول الكبرى لا تبني سياساتها الخارجية على "المثالية المطلقة" أو تصدير الديمقراطية القسرية، بل على الحفاظ على الاستقرار ومنع الفوضى ولو كان الثمن التعامل مع أنظمة سلطوية تراها ضرورية لحماية مصالحها الحيوية.
هذا التفسير وجد صداه الواسع في كتابات وتحليلات نخبة من أبرز الصحفيين والمراقبين الدوليين، وفي مقدمتهم ديفيد كيركباتريك (مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة آنذاك ومؤلف "كتاب في أيدي العسكر" Into the Hands of the Soldiersوالذي وثق كيف مُنحت القيادة العسكرية ما وصفه بـ "الضوء الأصفر" لتجاوز مسار الأزمة بمعزل عن الضغط الحقوقي الغربي الجاد، نظراً لخشية الغرب من انهيار الدولة المصرية ودخولها في فوضى عارمة شبيهة بما حدث في دول عربية أخرى خلال الربيع العربي.
وقد دعمت دوريات ومراكز أبحاث عالمية كبرى هذا الطرح عبر تغطيات وتحليلات معمقة، ومن أبرزها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز عبر أرشيف تغطيات ديفيد كيركباتريك، ودراسات مركز أبحاث فورين أفيرز في موقع فورين أفيرز، إضافة إلى الأوراق البحثية الصادرة عن موقع مركز بروكنز للأبحاث والتي فسرت تناقضات الدعم الغربي وتفضيل الاستقرار الأمني الإقليمي على معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان.
آليات المحاسبة الدولية
إن غياب أي مسار حقيقي للمحاسبة الدولية لم يكن ناتجاً عن جهل بالحقائق أو نقص في التوثيق؛ فالمجازر والانتهاكات وُثقت بالصوت والصورة وأمام مرآى ومسمع بعثات الدبلوماسيين ووكالات الأنباء العالمية. غير أن هيكل النظام الدولي والنظام القانوني الدولي (مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة) يعتمد في كثير من الأحيان على إرادة سياسية تفتقر إليها القوى الكبرى عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية مع المبادئ الإنسانية.
فعندما تزن الدول الكبرى كلفة التدخل أو فرض العقوبات مقابل كلفة الحفاظ على حليف إقليمي رئيسي يمسك بزمام الاستقرار في دولة مركزية بحجم مصر، فإن الكفة تميل حتماً لصالح "الاستقرار الواقعي". هذا الواقع يفسر بوضوح لماذا تحولت الدبلوماسية الدولية إلى مجرد بيانات إدانة خجولة، وبقيت الملفات الحقوقية رهينة لحسابات السياسة الخارجية والمصالح الجيوسياسية العليا.
فيديو تغطية نيويورك تايمز للوضع في القاهرة 2013
يعرض هذا الفيديو المشاهد الميدانية والتحليلات الإعلامية الغربية التي واكبت لحظة تحول السلطة في مصر وطبيعة التفاعل الدبلوماسي الدولي المرافق لها، مسلطاً الضوء على حجم التغطية الإعلامية التي واجهت صمتاً عملياً من صانعي القرار في العواصم الغربية.
https://www.youtube.com/watch?v=5NZLZRXnFpA
https://www.nytimes.com/by/david-d-kirkpatrick
مقال "Time to Cut Egypt Off: America Must Stop Underwriting Sisi’s Brutal Reign" (حان وقت قطع العلاقات مع مصر: يجب على أمريكا التوقف عن تمويل حكم السيسي القمعي) من تأليف سارة ليا ويتسون (مديرة منظمة "الديمقراطية الآن للوطن العربي" DAWN)، ونُشر في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) في 16 يوليو 2021.
يركز المقال على نقد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر، ويطرح عدة نقاط رئيسية أبرزها: نقض وعود جو بايدن: يشير المقال إلى أنه رغم تعهدات الرئيس الأمريكي جو بايدن الانتخابية وتغريداته السابقة بانتقاد السيسي ووعده بعدم تقديم "شيكات على بياض" لديكتاتور مصر المفضلة (كما كان يفعل دونالد ترامب)، إلا أن الإدارة الأمريكية واصلت التعامل مع النظام المصري بطريقة "الأمور كالمعتاد" دون تغيير حقيقي.
وتؤكد الكاتبة أن نظام عبد الفتاح السيسي يمثل الدكتاتورية العسكرية الأكثر قمعاً في تاريخ مصر الحديث منذ تولي السيسي السلطة في عام 2014، حيث شهدت البلاد تدميراً كاملاً للمجتمع المدني واعتقالات واسعة طالت المعارضين والنشطاء والحقوقيين.
ويجادل المقال بأن الدعم العسكري والمالي الأمريكي الضخم لمصر (نحو 1.3 مليار دولار سنوياً) يجعل الولايات المتحدة شريكة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تُرتكب تحت حكم السيسي.
وتختتم سارة ليا ويتسون مقالها بالدعوة إلى ضرورة إنهاء الدعم الأمريكي غير المشروط والتوقف عن تمويل نظام يعتمد على قمع شعبه وإسكات كافة أصوات المعارضة وحرية التعبير.
https://www.foreignaffairs.com/articles/middle-east/2021-07-16/time-cut-egypt#
ونشر موقع "ميدل إيست آي" (Middle East Eye) مقالا كتبه الدكتور يحيى حامد (وزير الاستثمار الأسبق في مصر) ونُشر في 16 أغسطس 2023 بمناسبة الذكرى العاشرة لمذبحة رابعة العدوية.
ويستذكر الكاتب المجزرة التي وقعت في أغسطس 2013، والتي راح ضحيتها نحو 1000 متظاهر مصري على يد قوات الأمن والجيش، معتبرًا إياها بداية لعهد جديد من القمع والوحشية لتثبيت حكم عبد الفتاح السيسي.
ويشير حامد إلى أن المتظاهرين تجمعوا دعماً للرئيس الشهيد محمد مرسي (أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر)، ويقر بأن الإدارة التي عمل بها ارتكبت أخطاء، لكنها لا تقارن بحجم الفساد والوحشية التي شهدتها العقود السابقة أو العقد الذي تلا الانقلاب، مؤكداً أن الديمقراطية تبنى عبر التجربة والتراكم وليس بضربة واحدة.
وينتقد الكاتب بشدة الموقف الأمريكي والأوروبي، مبيناً أن الدعم الغربي للديمقراطية مشروط بخدمة المصالح الغربية فقط؛ فإذا تعارضت الديمقراطية مع مصالحهم (كما حدث في مصر وباكستان)، يفضل الغرب "المستبدين" ويضفون شرعية على الاستبداد تحت مسمى "الاستقرار".
ويوضح المقال أن السياسة الأمريكية تجاه مصر ظلت ثابتة في جوهرها بغض النظر عن الحزب الحاكم؛ إذ رفض الرئيس الأسبق باراك أوباما لقاء مرسي، بينما تودد قادة الغرب لاحقاً للسيسي. كما ينتقد إدارة جو بايدن مبيناً أن سياستها تجاه مصر لم تختلف فعلياً عن سياسة سلفه دونالد ترامب.
https://www.youtube.com/watch?v=5bViBNDjNsk