قالوا للحرامي أحلف .. هل يترك السيسي الحكم عام 2030 بعد وعده الأخير؟

- ‎فيتقارير

أعادت تصريحات المنقلب عبد الفتاح السيسي بشأن عدم المساس بالدستور فتح ملف التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019، ومهدت الطريق أمام استمراره في الحكم حتى عام 2030، رغم تعهدات سابقة قطعها قبل سنوات بعدم تعديل الدستور والالتزام بولايتين رئاسيتين فقط.

وأثارت تصريحات السيسي، خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في 14 أكتوبر 2026، تساؤلات سياسية ودستورية بشأن مدى إمكانية التعويل على تعهداته الجديدة، في ظل تجربة سابقة شهدت تحولًا جذريًا في الموقف الرسمي من تعديل الدستور، بعد أقل من عامين على تأكيده رفض المساس بالنصوص المنظمة لمدة الرئاسة.

وتأتي هذه التصريحات بينما يقترب السيسي من منتصف ولايته الانقلاببة الثالثة، التي بدأت في أبريل 2024 وتنتهي في أبريل 2030، وسط تساؤلات بشأن مستقبل السلطة في مصر بعد انتهاء المدة الدستورية الحالية، وما إذا كانت البلاد ستشهد انتقالًا للسلطة وفق النصوص القائمة، أم ستتكرر تجربة تعديل الدستور لإتاحة استمرار السيسي في الحكم.

ويرى معارضين للسيسي أن أزمة الثقة في تعهدات المنقلب لا تنفصل عن سابقة عام 2019، حين جرى تعديل مواد دستورية كانت تحدد مدة الرئاسة بأربع سنوات، وتمنع استمرار الرئيس لأكثر من ولايتين متتاليتين، قبل إعادة صياغتها بما يسمح بتمديد بقاء السيسي في السلطة.

تعهدات 2017.. وعود بعدم المساس بالدستور

تعود جذور الجدل الحالي إلى السابع من نوفمبر 2017، عندما أكد السيسي، خلال مقابلة مع شبكة «CNBC» الأمريكية، التزامه بالنصوص الدستورية المنظمة لمدة الرئاسة، ورفضه إجراء تعديلات عليها.

وقال السيسي آنذاك: "أنا مع الالتزام بمدتين رئاسيتين، مدة الواحدة منهما 4 سنوات، ولن نتدخل في الدستور".

وجاء هذا التصريح قبل أشهر من هزلية الانتخابات الرئاسية لعام 2018، التي خاضها السيسي للفوز بولاية ثانية، في وقت كانت فيه التساؤلات تتزايد بشأن مستقبل الحكم وإمكانية تعديل الدستور للسماح باستمراره بعد انتهاء ولايته الثانية.

ومثّل التعهد الرئاسي آنذاك رسالة سياسية للداخل والخارج بأن السلطة ملتزمة بالقواعد الدستورية التي أُقرت عقب عام 2013، وأن النصوص المنظمة لمدة الرئاسة لن تخضع للتغيير بما يتناسب مع حسابات استمرار الحاكم.

غير أن التطورات اللاحقة كشفت عن تحول كبير في هذا الموقف، بعدما بدأت تحركات برلمانية وسياسية لتعديل الدستور، انتهت بإقرار تغييرات جوهرية في مدة الرئاسة والقواعد المنظمة لإعادة انتخاب الرئيس.

وأصبح تصريح عام 2017، بالنسبة إلى منتقدي النظام، أحد أبرز الأمثلة على التناقض بين التعهدات السياسية والممارسات الفعلية للسلطة، خصوصًا أن التعديلات اللاحقة لم تقتصر على تغيير مدة الولاية الرئاسية، بل تضمنت أحكامًا انتقالية أتاحت للمنقلب السيسي الاستمرار في الحكم حتى عام 2030.

تعديلات 2019.. كيف فتحت الطريق أمام استمرار السيسي؟

في عام 2019، قامت عصابة الانقلاب بتعديلات دستورية واسعة أثارت جدلًا سياسيًا وحقوقيًا، بعدما تضمنت تغييرًا مباشرًا في القواعد المنظمة لمدة الرئاسة، إلى جانب تعديلات أخرى تتعلق بالمؤسسات القضائية ودور القوات المسلحة.

وشملت التعديلات المادة 140 من الدستور، التي كانت تنص على أن مدة الرئاسة أربع سنوات ميلادية، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لمرة واحدة، لتصبح مدة الولاية ست سنوات بدلًا من أربع، مع الإبقاء على مبدأ عدم جواز تولي الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.

لكن التغيير الأكثر إثارة للجدل تمثل في إضافة المادة الانتقالية 241 مكررًا، التي نظمت تطبيق التعديلات على الرئيس الموجود في السلطة وقت إقرارها.

ونصت المادة على انتهاء مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 2018، مع جواز إعادة انتخابه لمرة تالية.

وبموجب هذه التعديلات، امتدت الولاية الانقلاببة الثانية للسيسي حتى عام 2024 بدلًا من 2022، وأصبح بإمكانه الترشح لولاية جديدة مدتها ست سنوات، وهو ما تحقق بالفعل عقب الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في ديسمبر 2023.

وبذلك انتقل الموعد الدستوري لانتهاء حكم المنقلب السيسي من عام 2022، وفق القواعد التي كانت سارية قبل التعديل، إلى عام 2030، إذا استكمل ولايته الحالية.

دستور 2014.. من تقييد السلطة إلى تمديد الحكم

تكتسب تعديلات 2019 أهمية خاصة بالنظر إلى الظروف السياسية التي وُضع فيها دستور 2014، والذي تضمن نصوصًا تهدف إلى تقييد مدة بقاء رئيس الجمهورية في السلطة.

فقد نص الدستور الانقلابي قبل تعديله على تحديد الولاية الرئاسية بأربع سنوات، وعدم جواز إعادة انتخاب الرئيس إلا لمرة واحدة، في إطار توجه معلن لمنع استمرار الحكم الفردي لفترات طويلة.

كما تضمنت المادة 226 ضوابط خاصة بتعديل الدستور، من بينها عدم جواز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا إذا كان التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات.

غير أن تعديلات عام 2019 أثارت خلافًا حول تفسير هذه الضمانات وحدودها، ومدى اتساق تمديد مدة الرئاسة وإضافة أحكام انتقالية تخص الرئيس القائم مع فلسفة النصوص الدستورية الأصلية.

وبالنسبة إلى معارضي التعديلات، فإن ما جرى لم يكن مجرد تغيير قانوني في مدة الرئاسة، بل تحولًا في العلاقة بين الدستور والسلطة، بحيث أصبحت النصوص الدستورية قابلة لإعادة الصياغة بما يتوافق مع متطلبات استمرار النظام السياسي.

​​

تصريحات أكتوبر 2026.. لماذا عاد السيسي للحديث عن الدستور؟

بعد أكثر من سبع سنوات على تعديلات 2019، عاد  المنقلب السيسي إلى الحديث عن عدم المساس بالدستور، مؤكدًا خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، في 14 أكتوبر 2026، أن الدستور "لن يمسه أحد".

وأعادت هذه التصريحات إلى الواجهة المقارنة بين تعهدات عام 2017 والتطورات التي أعقبتها، خصوصًا مع اقتراب انتهاء النصف الأول من الولاية الانقلاببة الحالية.

ويثير توقيت التصريح تساؤلات بشأن الرسائل السياسية التي يسعى المتفلب  السيسي إلى توجيهها، سواء إلى الداخل المصري أو الأطراف الخارجية المهتمة بمستقبل الحكم واستقرار المؤسسات السياسية.

فبينما يمكن قراءة التصريح باعتباره تأكيدًا على الالتزام بالقواعد الدستورية القائمة، يرى منتقدون أن التجربة السابقة تجعل من الصعب التعامل معه باعتباره ضمانة نهائية لعدم إجراء تعديلات مستقبلية.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل غياب إعلان رسمي عن ترتيبات خلافة المنقلب السيسي بعد عام 2030، أو ملامح انتقال السلطة عقب انتهاء ولايته الحالية.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خطة جديدة لتعديل الدستور، إذ لم يُعلن عن مشروع رسمي بهذا الشأن، لكن سابقة 2019 تظل عاملًا رئيسيًا في تفسير الشكوك المحيطة بالتعهدات الجديدة.

أزمة الثقة.. هل تكفي تصريحات السيسي لحماية الدستور؟

تكشف المقارنة بين تصريحات السفيه  السيسي عامي 2017 و2026 عن إشكالية تتجاوز شخص السيسي، و أكاذيبه السابقه، إلى طبيعة الضمانات المؤسسية اللازمة لحماية النصوص الدستورية من التعديل وفق حسابات السلطة السياسية.

ففي النظم الدستورية المحترمة ، لا تستند حماية الدستور إلى تعهدات الحاكم وحدها، وإنما إلى وجود مؤسسات مستقلة، وآليات رقابية فعالة، وتوازن بين السلطات يمنع احتكار القرار السياسي.

ويرى منتقدو السيسي أن تعديلات 2019 أضعفت الثقة في استقرار القواعد الدستورية، بعدما أظهرت إمكانية تغيير نصوص جوهرية تتعلق بمدة الرئاسة رغم التعهدات السابقة بعدم المساس بها.

كما يطرح الجدل تساؤلات بشأن قدرة البرلمان على التعامل باستقلالية مع أي مقترحات مستقبلية لتعديل الدستور، خاصة إذا ارتبطت بمطالبات سياسية باستمرار الرئيس أو تمديد مدة حكمه.

وفي هذا السياق، تصبح القضية الأساسية ليست مجرد إعلان الالتزام بالدستور، وإنما مدى وجود ضمانات تحول دون تكرار تجربة تعديل قواعد الرئاسة بما يخدم استمرار السلطة القائمة.

ما بعد 2030.. ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحكم

مع اقتراب الولاية الانقلاببة الثالثة للسيسي من منتصفها، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل السلطة في مصر، تتفاوت في مدى اتساقها مع النصوص الدستورية الحالية والتجربة السياسية السابقة.

السيناريو الأول: تعديلات دستورية جديدة لتمديد الحكم

يقوم هذا السيناريو على احتمال تكرار تجربة عام 2019، من خلال طرح تعديلات دستورية جديدة تتيح للمنقلب السيسي الترشح مجددًا بعد انتهاء ولايته الحالية.

وقد يرتبط هذا الاحتمال، حال حدوثه، بحملات سياسية أو برلمانية تطالب باستمرار السيسي تحت شعارات تزعم الحفاظ على الاستقرار واستكمال المشروعات القومية ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمني…..؟.. 

وتستند المخاوف من هذا السيناريو إلى السابقة التي شهدتها البلاد عام 2019، عندما استُخدمت مبررات مشابهة للدفاع عن تمديد مدة الرئاسة.

ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو افتراضيًا، في ظل عدم وجود إعلان رسمي عن توجه جديد لتعديل النصوص الدستورية المنظمة لمدة الرئاسة.

السيناريو الثاني: انتقال شكلي للسلطة مع استمرار النفوذ

يفترض السيناريو الثاني انتهاء ولاية السيسي عام 2030 دون تعديل الدستور، مع انتقال منصب الرئاسة إلى شخصية أخرى تحظى بدعم المؤسسات السيادية،وفي مقدمتها الجيش والقضاء والداخلية والمخابرات بالطبع .

وفي هذه الحالة، قد يستمر نفوذ السيسي السياسي بصورة غير مباشرة، من خلال ترتيبات داخل مؤسسات الدولة أو أدوار سياسية أخرى لا تتعارض ظاهريًا مع انتهاء ولايته الرئاسية.

ويطرح هذا الاحتمال تساؤلات بشأن طبيعة انتقال السلطة، وما إذا كان سيؤدي إلى تغيير فعلي في مراكز اتخاذ القرار، أم سيقتصر على انتقال المنصب مع استمرار البنية السياسية القائمة.

غير أن هذا السيناريو أيضًا يظل في نطاق التحليل السياسي، ولا توجد مؤشرات رسمية مؤكدة على تبني ترتيبات من هذا النوع.

السيناريو الثالث: الالتزام بالدستور ومغادرة السلطة في 2030

 السيناريو الثالث , وهو مستبعد، في ظل عقلية مثل المنقلب السيسي وهَو الالتزام بالنصوص الدستورية الحالية، وانتهاء ولاية السيسي في أبريل 2030، دون إجراء تعديلات جديدة تتيح له الترشح مرة أخرى.

وبموجب هذا السيناريو، تشهد مصر انتخابات رئاسية تفتح الطريق أمام اختيار رئيس جديد، وفق الإجراءات والقواعد الدستورية والقانونية المنظمة للعملية الانتخابية.

ويمثل هذا المسار الاختبار الأوضح لمدى جدية التعهدات الأخيرة بعدم المساس بالدستور الانقلابي نفسه، كما يتيح فرصة لترسيخ مبدأ التداول الدوري للسلطة، من داخل عصابة الانقلاب . 

لكن تحقيق انتقال سياسي تنافسي لا يتوقف على الالتزام بموعد انتهاء الولاية الرئاسية وحده، وإنما يرتبط أيضًا بمدى توافر بيئة سياسية تسمح بالتعددية والمنافسة الانتخابية وضمانات النزاهة وتكافؤ الفرص.

هل تتكرر مبررات "استكمال الإنجازات"؟

من أبرز القضايا التي تثيرها المقارنة بين عامي 2019 و2026 إمكانية عودة الخطاب السياسي الذي ربط استمرار السيسي في السلطة بضرورة استكمال المشروعات القومية والحفاظ على استقرار الدولة.

فقد شكلت هذه المبررات جزءًا أساسيًا من الخطاب المؤيد لتعديلات 2019، عندما جرى تقديم تمديد مدة الرئاسة باعتباره ضرورة تفرضها التحديات الاقتصادية والأمنية.

ويرى منتقدون أن ربط استمرار المشروعات والسياسات العامة ببقاء شخص السيسي يثير إشكالية تتعلق بطبيعة الدولة المؤسسية، التي يُفترض أن تستمر برامجها ومشروعاتها بغض النظر عن تغير شاغلي المناصب التنفيذية.

كما أن تكرار هذه المبررات مستقبلًا، حال طرح تعديلات جديدة، قد يعيد الجدل بشأن الحدود الفاصلة بين متطلبات الاستقرار السياسي وضرورة احترام القواعد الدستورية المنظمة لتداول السلطة.

وفي المقابل، يرى المدافعون عن إطالة مدد الرئاسة أن بعض البرامج الاقتصادية والتنموية تحتاج إلى فترات زمنية ممتدة لتحقيق أهدافها، وهو الطرح الذي يواجه اعتراضات من جانب من يعتبرون أن استمرارية السياسات لا تستلزم استمرار الرئيس نفسه.

الدستور بين النصوص والواقع السياسي

تسلط التجربة المصرية الضوء على الفارق بين وجود نصوص دستورية تقيد السلطة، وبين القدرة الفعلية لهذه النصوص على أداء وظيفتها في مواجهة الحسابات السياسية.

فالدستور، بوصفه الوثيقة القانونية الأعلى في الدول المحترمة التي لا يحكمها أمثال السيسي ، لا يقتصر دوره على تنظيم المؤسسات وتوزيع الصلاحيات، وإنما يتضمن أيضًا ضمانات تحول دون تركيز السلطة في يد شخص واحد لفترات غير محدودة.

وعندما تصبح النصوص المتعلقة بمدة الرئاسة قابلة للتعديل استجابة للظروف السياسية، وأهواء، حاكم جاء علي دبابة، عقب انقلاب عسكري، ومجازر للشعب ، و اعتقال لما يقرب من ١٠٠ ألف مواطن  تتراجع قدرة الدستور على توفير قواعد مستقرة يمكن للمواطنين والقوى السياسية الاعتماد عليها.

وتبرز هذه الإشكالية بصورة واضحة في الحالة المصرية، حيث أدى تعديل الدستور عام 2019 إلى تغيير المواعيد والقيود التي كانت تحكم استمرار السيسي في منصبه، رغم تعهداته السابقة بالالتزام بها.

ومن ثم، فإن تصريحات أكتوبر 2026 لا يمكن فصلها عن هذه التجربة، التي ستظل حاضرة في تقييم أي تعهد جديد يتعلق بمستقبل الرئاسة في ظل وجود هذا السيسي .