من واشنطن إلى نيابة أمن الدولة بالقاهرة.. ترحيل قسري للأكاديمي د. عماد مهنا وتحقيق بعد إخفاء

- ‎فيحريات

بدأت نيابة أمن الدولة العليا في مصر تحقيقات موسعة مع الدكتور عماد مهنا، خبير التخطيط الاستراتيجي والأستاذ الجامعي السابق، وذلك عقب وصوله مكرهاً إثر قرار ترحيل قسري مفاجئ من السلطات الأمريكية.

وأثارت هذه التطورات موجة من القلق والأسئلة في الأوساط الحقوقية، لاسيما بعد قضائه فترة احتجاز غامضة في السجون الأمريكية دامت قرابة تسعة أشهر دون أسباب معلنة، ليدخل فور وصوله إلى مسقط رأسه في سلسلة جديدة من إجراءات التوقيف والتحقيق لدى قطاع الأمن الوطني.

 

9 أشهر في التوقيف رغم التأشيرة الرسمية

بحسب البيانات الصادرة عن مركز الشهاب لحقوق الإنسان، بدأت فصول الأزمة في يناير 2026، عندما أوقفت السلطات الأمريكية الدكتور عماد مهنا بعد أيام قليلة من وصوله إلى أراضيها.

وجرى الاعتقال على الرغم من امتلاك مهنا تأشيرة دخول رسمية وسارية المفعول، دون أن تفصح الإدارة الأمريكية عن المبررات القانونية الرسمية التي استندت إليها لاحتجازه طوال تلك المدة، أو طبيعة السند القضائي الذي أفضى إلى اتخاذ قرار إعادته قسرياً إلى مصر.

 

من المطار إلى الأمن الوطني ثم نيابة أمن الدولة

وامتدت رحلة الاحتجاز من السجون الأمريكية لتستكمل داخل المقرات الأمنية المصرية؛ ففي الأول من سبتمبر 2026 رُحّل الدكتور مهنا قسرياً من الولايات المتحدة ووصل إلى مصر، ليتم تحفظ قطاع الأمن الوطني عليه مباشرة فور وصوله.

وفي 23 سبتمبر 2026  وبعد نحو 22 يوماً من الاحتجاز لدى الأمن الوطني، مَثُل الأستاذ الجامعي أمام نيابة أمن الدولة العليا لبدء التحقيق المباشر معه، وسط تكتم حول لائحة الاتهامات الموجهة إليه.

 

رئيس مجلس علماء مصر ومستشار رئاسي سابق

وتمنح الخلفية الأكاديمية والمهنية للدكتور عماد مهنا القضية أبعاداً مهمة؛ حيث يعتبر من الوجوه البارزة التي تصدرت الشاشات المصرية عامي 2015 و2016.

وعُرف بتقديم مقترحات لإصلاح الجهاز الإداري للدولة وإعادة هيكلة المؤسسات، وصاحب مشروع التنمية الإقليمية المعروف بـ «العبور الثاني».

وشغل سابقاً منصب رئيس اللجنة المركزية لمجلس علماء مصر، وعمل أستاذاً بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا حتى مغادرته البلاد عام 2017، فضلاً عن عمله لفترة (لم تحدد مدتها) ضمن مؤسسة الرئاسة المصرية.

وأشار التقرير الحقوقي إلى أن أشقاء الدكتور مهنا كانوا قد تعرضوا للاعتقال لفترة من قِبل قوات الأمن المصرية، قبل أن يُخلى سبيلهم ويغادروا البلاد لاحقاً.

وأعرب مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء السلامة الجسدية والنفسية للأستاذ الجامعي، ومخاوفه من تعرضه للاحتجاز التعسفي، ملخصاً مطالبه الرسمية في النقاط التالية:

طالب الجانب الأمريكي بالإفصاح عن المبررات القانونية لفترة احتجازه وترحيله، وطباعة كشف ملابسات الإجراءات الرسمية من قطاع الأمن الوطني المصري.

كما طالب بإعلان لائحة الاتهامات وبضرورة كشف النيابة العامة عن التهم المنسوبة إلى مهنا، وتحديد الجهة القضائية التي أصدرت قرار تقييد حريته بموجب القوانين المحلية.

ودعا إلى ضمانات المحاكمة العادلة وتمكين الدكتور عماد مهنا من التواصل الفوري والمنتظم مع عائلته وفريقه القانوني، لضمان حقه الأصيل في الدفاع عن نفسه أمام جهة قضائية مستقلة.

وشدد المركز على ضرورة حظر المعاملة القاسية أو التعذيب، تماشياً مع المعايير الدولية واتفاقية مناهضة التعذيب التي تلزم الدول بضمان أمن المحتجزين وسلامتهم الشخصية.

 

العمل السياسي في المهجر

وبعد مغادرته مصر عام 2017، لم يقتصر نشاط الدكتور عماد مهنا على الجانب الأكاديمي، بل برز في الولايات المتحدة الأمريكية كمتحدث باسم "تكنوقراط مصر"، وهو كيان سياسي معارض يضم كفاءات مصرية بالخارج، مما يمنح عملية ترحيله القسري أبعاداً تتجاوز الإجراءات الإدارية العادية إلى خلفيات ترتبط بنشاطه المعارض.

وقبل استقراره في الخارج، عُرف الدكتور مهنا بزيارته لأكثر من 35 دولة حول العالم، وانتهى به المطاف لفترة كمهاجر في نيوزيلندا قبل أن يقرر العودة إلى مصر إبان ثورة يناير للمساهمة في بناء الدولة.

 

مشروع "العبور الثاني" وإثارة الجدل

ولم يكن مشروع "العبور الثاني" مجرد مقترح إداري، بل كان مخططاً استراتيجياً متكاملاً يطرحه عبر قناته ومنصاته الرقمية. وتضمن المشروع أفكاراً جذرية مثل: دمج كافة الكليات العسكرية في جامعة وطنية موحدة تفتح أبوابها لفقراء مصر دون تمييز، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري الذي كان يصفه علناً في حواراته لـ "بوابة الشروق" وجريدة "الأهرام" بأنه "السبب الرئيسي لمشاكل الفساد والبيروقراطية في مصر".

وأثار الدكتور مهنا عاصفة من الجدل بعد لقاءات إعلامية في يونيو 2015، انتقد فيها رواتب الوزراء وكبار المسئولين في الدولة دون مستندات رسمية بحسب منتقديه. وبسبب تلك التصريحات، أصدر "مجلس علماء مصر" قراراً رسمياً بإحالته إلى لجنة الاستماع والتحقيق برئاسة اللواء أركان حرب فؤاد فيود، وهي المحطة التي شكلت بداية الشرخ في علاقته مع المؤسسات شبه الرسمية.

 

الجانب الاستشاري والأمني 

والمفارقة التاريخية في حياة الدكتور مهنا أنه تم تقديمه في وسائل الإعلام الرسمية (مثل موقع مصراوي) في ديسمبر 2015 بصفته "مستشار رئاسة الجمهورية للتخطيط الاستراتيجي"، وكان يتحدث حينها لوسائل الإعلام محذراً من الشائعات والأكاذيب التي تُبث عبر شبكات التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الاستقرار.

وهذا القرب السابق من السلطة ومؤسسة الرئاسة يعزز من علامات الاستفهام الحقوقية الحالية؛ حيث تحول من مقاعد التخطيط الاستراتيجي والمكاتب الرئاسية إلى الإدراج في قضايا سياسية، وصولاً إلى احتجازه الحالي في سجن أبو زعبل 2 عقب ترحيله.