أثار احتمال إشراك مفتي الديار المصرية الأسبق، الدكتور علي جمعة، في مجلس استشاري حكومي ماليزي معني بالتعليم الإسلامي والتراث الديني، جدلًا سياسيًا وإعلاميًا، بعدما دعا البرلماني ووزير الخارجية الماليزي السابق سيف الدين عبد الله رئيس الوزراء أنور إبراهيم إلى عدم تعيينه، مستندًا إلى مواقف منسوبة إليه بشأن الأحداث السياسية في مصر عقب الانقلاب علي الرئيس الشهيد الدكتورمحمد مرسي عام 2013.
وبحسب تقرير نشرته منصة Free Malaysia Today، حثّ سيف الدين عبد الله، المنتمي إلى تحالف «بيركاتان ناسيونال» والممثل لدائرة إنديرا ماهكوتا، رئيس الوزراء أنور إبراهيم على عدم تعيين عالم دين مصري في المجلس الاستشاري الجديد المعني بالدراسات الإسلامية.
وقال سيف الدين أمام مجلس النواب الماليزي إن رجل الدين الذي يقصده أيد جنرالًا في الجيش أطاح برئيس منتخب ديمقراطيًا في إحدى دول الشرق الأوسط، وبرّر قتل الآلاف من أنصار الرئيس المخلوع.
ورغم عدم تسمية العالم صراحة في التصريحات البرلمانية المنقولة، ربط التقرير بين حديث سيف الدين ومفتي مصر الأسبق علي جمعة، الذي سبق أن أشار أنور إبراهيم إلى إمكانية إشراكه في «المجلس الاستشاري الماليزي للمعاهد الدينية التقليدية (البوندوق) والتراث الإسلامي».
ونقلت المنصة عن سيف الدين قوله، خلال مناقشة ميزانية عام 2027: «لا تعيّنوا هذا العالم الشرير والظالم. إن ذلك سيرسل رسالة خاطئة إذا كنا جادين في تحسين التعليم الإسلامي لأطفالنا».
https://www.instagram.com/p/DedwjXamm_3/
تفاصيل الاعتراض
ويأتي اعتراض سيف الدين عبد الله الوزير الماليزي السابق على تعيين علي جمعة، بعد أن وصفه بأنه عالم شرير وظالم، واتهمه بدعم عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيرًا للدفاع وقت الانقلاب علي بالرئيس المصري الشهيد الدكتورمحمد مرسي عام 2013.
واعتبر سيف الدين أن مواقف علي جمعة بشأن تلك الأحداث تثير تساؤلات حول مدى ملاءمة اختياره لتقديم المشورة في مجال التعليم الإسلامي، مشيرًا إلى وجود علماء في ماليزيا وإندونيسيا ودول الشرق الأوسط يمكن الاستعانة بهم بدلًا منه.
ويعكس هذا الاعتراض، بحسب ما ورد في التصريحات المنشورة، خلافًا حول المعايير التي ينبغي اعتمادها عند اختيار أعضاء المجالس الاستشارية الدينية، وما إذا كان ينبغي حصر التقييم في المكانة العلمية والتخصص، أم أن المواقف السياسية السابقة للمرشح يجب أن تكون عنصرًا مؤثرًا في قرار التعيين.
وشهد المنشور المتداول على حساب موقع Free Malaysia Today تعليقات متعددة الاتجاهات، تراوحت بين تأييد اعتراض سيف الدين عبد الله، وانتقاد علي جمعة، والتشكيك في ملاءمة تعيين شخصية أجنبية لهذا المنصب، مقابل تعليقات دافعت عن كفاءته العلمية وفصلت بين مواقفه السياسية وطبيعة المهمة الاستشارية المقترحة.
تعليقات مؤيدة للاعتراض
كتب mustafamahsa1998: «علي جمعة 😂😂😂»، بينما علّق gbrq9 ساخرًا: «تعيين علي جمعة بالذات؟ هذه مزحة 😂😂».
وتساءل joseph.bingo2019 عن رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، قائلًا: «ما خطب أنور؟ ألا يقوم بواجبه في البحث والتحقق من المعلومات؟».
كما كتب sanalkaf: «كلام صحيح تمامًا وفي الصميم»، فيما علّق jahatdiam ساخرًا: «قولوا فقط: الإخوان المسلمون 😂».
وأبدى sleeping_giants اعتراضه على مبدأ الاستعانة بشخصية أجنبية، متسائلًا: «لماذا يُفكَّر أصلًا في تعيين أجنبي لهذا المنصب؟».
أما peekeyarkla فكتب: «شيئًا فشيئًا، بدأت النوايا تتضح. استخدام الدين لتحقيق الأهداف ليس أمرًا جديدًا. هذا كل ما لديّ لأقوله. السلام».
وفي السياق نفسه، قال rl951413 إن ماليزيا تواجه مشكلات كثيرة أخرى تستحق الحل، وإن تعيين عالم دين مصري مستشارًا يمكن تأجيله.
الانحياز إلى السلطة
وذهب بعض المعلقين إلى أبعد من تأييد الاعتراض السياسي، ووجّهوا اتهامات مباشرة إلى علي جمعة.
وكتب rosmoto أن رجال الدين المعنيين، بحسب رأيه، يمكن شراء ذممهم ليقولوا ما يُطلب منهم.
وقال amro.127، معرّفًا نفسه بأنه مصري، إنه يتفق بشدة مع الانتقادات، مضيفًا أن مصر لا تزال تضم مشايخ عظماء لا يخشون إلا الله، لكنه لا يرى علي جمعة واحدًا منهم.
كما كتب kareem_hassan_egp، الذي عرّف نفسه بأنه مصري، أن المفتي، وفق رأيه، ينحاز إلى الحكومة ويقدم لها مبررات دينية لسجن معارضيها.
وأبدى ammar_awady، الذي قال أيضًا إنه مصري، تأييده للرسالة المنتقدة، فيما اكتفى مستخدمون آخرون، بينهم zyadessam وyssn.nssy وdread.t وrimski80، بالتفاعل عبر رموز التصفيق.
وتظل هذه المواقف اتهامات وآراء صادرة عن أصحاب الحسابات، ولا تمثل في حد ذاتها إثباتًا مستقلًا لصحة ما ورد فيها.
وفي المقابل، زعم shot.by.shade دفاعًا عن علي جمعة، مؤكدًا أنه لم يصدر، بحسب قوله، تصريحًا يؤيد الانقلاب علي محمد مرسي، رغم معارضته الأيديولوجية للإسلام السياسي الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين.
وأضاف أن تعيينه مستشارًا في قطاع تعليمي محدود تديره جهات خاصة لا يختلف، من وجهة نظره، عن الاستعانة بأساتذة غربيين مؤيدين للتطبيع مع "إسرائيل" مستشارين في جامعات ماليزية خاصة.
الأوقاف تشيد بـ"ماليزيا"
في سياق موازٍ، ورد في بيان منسوب إلى وزارة الأوقاف بحكومة الانقلاب إشادة بما عبّر عنه رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم من تقدير لمصر والأزهر الشريف وشيخه الأكبر وعلمائه.
وأشار البيان إلى أن الوزارة تثمن الإشادة بالدور العلمي والدعوي الذي ينهض به وزير الأوقاف أسامة الأزهري، وعضو هيئة كبار العلماء ومفتي الجمهورية الأسبق الدكتور علي جمعة، في ترسيخ الفهم الصحيح للإسلام ونشر العلم النافع وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتوازن والاحترام المتبادل.
كما ورد ما يفيد بأن علي جمعة وجّه رسالة إلى رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، دعا فيها الله أن يديم على ماليزيا وشعبها الأمن والاستقرار والازدهار، وذلك بعد إشادته بزيارة رئيس الوزراء وتقديره دور الأزهر!
اعتبارات علمية
يكشف الجدل عن تباين في تقييم المعايير المناسبة لاختيار الشخصيات الدينية التي تتولى تقديم المشورة بشأن التعليم الإسلامي والتراث الديني. فبينما يرى معارضو التعيين أن المواقف المنسوبة إلى علي جمعة بشأن أحداث مصر عام 2013 تستدعي إعادة النظر في اختياره، يرى مدافعون عنه أن مكانته العلمية ينبغي أن تُقيّم بمعزل عن الخلافات السياسية.
ويثير النقاش تساؤلات حول دور العلماء الأجانب في صياغة السياسات التعليمية الدينية داخل ماليزيا، ومدى أولوية الاستعانة بالكفاءات المحلية والإقليمية، فضلًا عن حدود العلاقة بين الاعتبارات الدبلوماسية والاختيارات الأكاديمية والدينية.
وفي ظل هذا التباين، يبقى من الضروري التمييز بين التصريحات المنقولة عن المسؤولين، والاتهامات الواردة في تعليقات ين، والمواقف الرسمية الصادرة عن المؤسسات المصرية والماليزية، مع التحقق من تفاصيل التعيين المقترح وطبيعة اختصاصات المجلس قبل استخلاص نتائج نهائية بشأن تداعياته.
الاتهام الماليزي له أساس موثّق
ففي تصريحات علنية منسوبة إلى علي جمعة، وليس مجرد اتهام سياسي بلا أدلة؛ لكن وصفه بأنه حرّض على قتل المتظاهرين السلميين تحديدًا يحتاج إلى التمييز بين ما ورد في التسجيلات، وتفسيره، وردّ جمعة على الاتهامات.
ففي أكتوبر 2013، نُشرت تقارير عن تسجيل مصوّر يظهر فيه مفتي مصر الأسبق وهو يخاطب قيادات من الجيش والشرطة، بينهم عبد الفتاح السيسي، مستخدمًا عبارات تدعو إلى قتل من وصفهم بـ«الخوارج»، ومن بينها عبارة تُرجمت إلى الإنجليزية: «أطلقوا النار بقصد القتل». وتناولت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه التصريحات لاحقًا ضمن توثيقها لانتهاكات داخلية السيسي.
لكن السؤال الحاسم هو: هل كان يقصد المسلحين الذين يهاجمون قوات الأمن حصريًا، أم شمل خطابه المعارضين السياسيين والمتظاهرين؟ هنا يكمن جوهر الخلاف.
ماذا قال علي جمعة فعلًا؟
في تسجيل متداول يعود إلى عام 2013، خاطب علي جمعة قيادات عسكرية وأمنية، واستخدم عبارات حادة ضد من وصفهم بـ«الخوارج». ونقلت وكالة الأناضول في تقرير نشرته في 9 أكتوبر 2013 عنه قوله، مخاطبًا الحاضرين: "اضرب في المليان، إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء الخوارج".
ونُقل عنه أيضًا قوله، في سياق حديثه عن قتالهم، ما معناه أن من يقتلهم أو يُقتل أثناء قتالهم ينال الثواب "من قتلهم كان أولى بالله منهم". وتناولت تقارير إعلامية التسجيل باعتباره دعمًا دينيًا لاستخدام القوة ضد معارضي السلطة بعد عزل مرسي.
نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في 7 سبتمبر 2021، بعنوان «تعاملت قوات الأمن معهم» ، تحليلًا لتصريحات علي جمعة عقب فض اعتصام رابعة.
وذكرت المنظمة أن خطابه في 18 أغسطس 2013، بعد أربعة أيام من الفض، بدا وكأنه يصف معارضي الانقلاب علي بمرسي أو من «يمسون الجيش المصري» بالكفار والخوارج، وأن مقاطع من الخطاب تضمنت ما بدا أنه دعوة إلى القتل. وأضافت أن مكتب جمعة لم ينفِ صدور التصريحات المنسوبة إليه، لكنه قال إنه كان يقصد الجماعات المسلحة في سيناء.
في المقابل، أوضح جمعة في تصريحات نقلتها بوابة الأهرام في 24 أغسطس 2013 أنه أفتى بقتل من يحمل السلاح لمهاجمة الدولة أو قتل أفراد الشرطة والجيش، ونفى أنه أفتى بقتل الإخوان المسلمين لمجرد انتمائهم إليهم أو أوصى بقتل المتظاهرين بسبب معارضتهم السياسية.
إذن، الخلاف ليس حول وجود تصريحات متشددة منسوبة إليه؛ بل حول نطاق الأشخاص الذين شملتهم هذه التصريحات، وما إذا كان تقييدها بالمسلحين يعكس معناها الفعلي أم لا.
وتوجد دراسات أكاديمية تناولت تأييد علي جمعة للانقلاب العسكري وتداعياته العنيفة. ففي فصل أكاديمي منشور لدى مطبعة جامعة أكسفورد عام 2022، بعنوان Ali Gomaa: Celebrating the Rabaa Massacre، درس الباحث أسامة العزامي تصريحات جمعة العلنية والخاصة بعد فض رابعة، وخلص في تحليله إلى أنها عكست دعمًا قويًا للانقلاب وللقمع العنيف للاحتجاجات المناهضة له. كما ناقش عبارته الشهيرة الداعية إلى إطلاق النار بقصد القتل.
1.هيومن رايتس ووتش — تقرير عن القتل خارج نطاق القضاء في مصر وتصريحات علي جمعة: https://www.hrw.org/report/2021/09/07/security-forces-dealt-them/suspicious-killings-and-extrajudicial-executions
2. أكسفورد — دراسة أكاديمية بعنوان Ali Gomaa: Celebrating the Rabaa Massacre: https://academic.oup.com/book/43077/chapter/361534860
3. Free Malaysia Today — اعتراض سيف الدين عبد الله على تعيين علي جمعة: https://www.freemalaysiatoday.com/category/nation/2026/10/14/don-t-appoint-wicked-egyptian-cleric-as-adviser-mp-tells-anwar
4. إنستغرام — منشور Free Malaysia Today حول التصريحات الماليزية: https://www.instagram.com/p/DedwjXamm_3/
5. بوابة الأهرام — تصريحات علي جمعة بشأن الفتوى وقتل المسلحين: https://gate.ahram.org.eg/
6. وكالة برناما الماليزية — موقف مؤسسة التنمية الإسلامية الماليزية من الجدل: https://www.bernama.com