أتاحت المخزون العقاري للمبادرة المحلية رغم استهلاكه.. الإسكان بالدولار للقادرين.. والإيجار لغير القادرين!

- ‎فيتقارير

تبدأ وزارة الإسكان بحكومة المنقلب السيسي، في 10 نوفمبر 2026، إتاحة التسجيل الإلكتروني للطرح الثالث من مبادرة «بيتك في مصر» للمصريين المقيمين بالخارج، والذي يضم نحو 4 آلاف وحدة سكنية متنوعة في ثماني مدن جديدة، هي العلمين الجديدة، والقاهرة الجديدة، والشروق، و6 أكتوبر، والشيخ زايد، والعاصمة الجديدة، والمنصورة الجديدة، ودمياط الجديدة.

ويشمل الطرح وحدات بمشروعات مدينتي وجنة وظلال وديارنا ومزارين وزاهية، إلى جانب مشروعات أخرى بمستويات ومساحات مختلفة.

 

وتشترط المبادرة أن يكون المتقدم مصرياً مقيماً بالخارج وألا يقل عمره عن 21 عاماً، مع إنشاء حساب إلكتروني على موقع المبادرة وإجراء تحويل دولاري بحد أدنى 5 آلاف دولار للتحويل الواحد، مع السماح بتحويل مبالغ إضافية وإضافتها إلى رصيد الحاجز بعد مراجعتها واعتمادها.

ويتم الحجز بأسبقية الحجز الإلكتروني، مع إتاحة سداد كامل قيمة الوحدة في بعض المشروعات، أو سداد 50% في مشروعات أخرى، على أن تختلف الخصومات وفق نظام السداد وطبيعة المشروع.

وفي الوقت الذي تفتح فيه وزارة الإسكان أبواب التملك أمام المصريين بالخارج من خلال مبادرة «بيتك في مصر»، التي تتطلب تحويلات دولارية لا تقل عن 5 آلاف دولار للتحويل الواحد، تتجه في المقابل إلى طرح وحدات سكنية لمحدودي الدخل بنظام الإيجار، في مشهد يعكس تفاوتاً واضحاً وعدالة اجتماعية غائبة في طبيعة الفرص السكنية المتاحة بين القادرين على توفير مدخرات دولارية والشرائح التي لا تستطيع تحمل تكلفة التملك.

وبينما تستهدف المبادرة الأولى المصريين بالخارج الراغبين في شراء وحدات بالمدن الجديدة والمشروعات المتميزة، تطرح الدولة 15 ألف وحدة للإيجار ضمن «سكن لكل المصريين 9»، إلى جانب 10 آلاف وحدة أخرى بنظام الإيجار المنتهي بالتملك من خلال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والمتوقع أن تشهد تصارعا غير مسبوق.

ولا تتعلق المسألة فقط باختلاف نظام التملك والإيجار، وإنما تفتح ملفاً آخر يتعلق بمخزون الدولة العقاري، ومدى الاستفادة من العمارات والوحدات التي سبق إنشاؤها في المدن الجديدة والقرى، وما إذا كانت الحكومة تتجه إلى إعادة توظيف وحدات جاهزة أو غير مستغلة بدلاً من تحمل تكاليف بناء مشروعات جديدة، ومدى صلاحية هذه الوحدات للسكن الفعلي من حيث الموقع والخدمات والمواصلات.

 

الإيجار لمحدودي الدخل

على الجانب الآخر، أعلنت وزارة الإسكان طرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار ضمن المبادرة الرئاسية «سكن لكل المصريين 9»، موزعة بواقع 8464 وحدة بالمحافظات، و3256 وحدة بالمدن الجديدة، و3280 وحدة ضمن وحدات مبادرة «حياة كريمة».

وتتضمن الوحدات مساحات متنوعة، أبرزها 90 متراً مربعاً، وثمة وحدات بمساحة 75 متراً مربعاً في بعض المواقع، إلى جانب وحدات حياة كريمة بمساحات تتراوح بين 96 و100 متر مربع.

وتشترط المبادرة ألا يتجاوز صافي دخل الأسرة 16 ألف جنيه شهرياً، وألا يقل عمر المتقدم عن 21 عاماً ولا يزيد على 35 عاماً عند نهاية الإعلان. كما تتطلب سداد 365 جنيهاً مصروفات تسجيل غير مستردة، و10 آلاف جنيه تأميناً للوحدة، يُسترد وفق الضوابط المعلنة.

 

أما الإيجار الشهري، فيتفاوت بحسب موقع الوحدة ومساحتها ودخل الأسرة، وتبدأ القيم الإيجارية المعلنة من 1500 جنيه وتصل إلى 5000 جنيه في بعض المواقع، مع دعم إيجاري تقدمه الدولة يصل إلى 100 ألف جنيه كحد أقصى على مدار مدة الإيجار.

وبحسب نماذج حساب الإيجار المنشورة، قد يتحمل صاحب الأسرة التي يبلغ صافي دخلها 10 آلاف جنيه إيجاراً شهرياً قدره 2500 جنيه، بينما يصل إلى 3000 جنيه عند دخل 12,200 جنيه، و4000 جنيه عند دخل 16 ألف جنيه، وفق ضوابط الدعم وتحديد القيمة المستحقة.

ويضاف إلى الإيجار مبلغ 250 جنيهاً شهرياً مقابل الصيانة والإدارة والتحصيل، مع زيادة سنوية في القيمة الإيجارية بنسبة 7%.

وبالتالي، فإن المواطن الذي يبلغ إيجاره 2500 جنيه يحتاج عند بداية التعاقد إلى نحو 12,865 جنيهاً، تشمل التأمين ومصروفات التسجيل وشهر الإيجار المقدم، بخلاف الالتزامات الشهرية اللاحقة. ويظل مبلغ التأمين قابلاً للاسترداد وفق شروط التعاقد.

ومن المهم التأكيد أن دعم الـ100 ألف جنيه ليس مبلغاً نقدياً يحصل عليه المواطن مقدماً، وإنما دعم يُحتسب على مدار مدة الإيجار وفق دخل المستفيد ومساحة الوحدة.

وكانت الوزارة قد قررت مد فترة التقديم أسبوعاً إضافياً، لتنتهي في 8 نوفمبر 2026، استجابة لطلبات المواطنين.

 

25 ألف وحدة للإيجار

ولا يقتصر التوجه على وحدات «سكن لكل المصريين 9»، إذ أعلنت وزارة الإسكان عن طرح إجمالي 25 ألف وحدة سكنية بنظامين مختلفين؛ 15 ألف وحدة للإيجار من خلال صندوق الإسكان الاجتماعي، و10 آلاف وحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك من خلال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

وتتضمن وحدات الإيجار المنتهي بالتملك نحو 5 آلاف وحدة منفذة بالفعل، و5 آلاف وحدة أخرى مزمع تنفيذها، موزعة على نحو 26 مدينة جديدة.

وهنا تظهر نقطة مهمة في طبيعة التوسع؛ فالدولة لا تعتمد على البناء الجديد إلا في أضيق المتاح، وإنما تتجه أيضاً إلى استغلال وحدات منفذة بالفعل وإتاحتها بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، مع إضافة وحدات أخرى يجري التخطيط لتنفيذها.

ويثير ذلك تساؤلات حول حجم المخزون العقاري القائم لدى الدولة، وعدد الوحدات غير المشغولة في المدن الجديدة، ومدى إمكانية توظيفها في تلبية احتياجات السكن بدلاً من تركها دون استخدام.

مخزون الدولة

تمتلك الدولة بالفعل رصيداً كبيراً من الوحدات السكنية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية في المدن الجديدة، ومنها مشروعات دار مصر، وسكن مصر، وجنة، وغيرها من المشروعات التي تضم آلاف العمارات والوحدات السكنية.

ومن هنا تبرز إمكانية إعادة توظيف الوحدات غير المستغلة أو التي لم تجد طلباً كافياً، بعد مراجعة حالتها الفنية واستكمال المرافق والخدمات اللازمة، وتحويلها إلى وحدات إيجارية أو إيجار منتهٍ بالتملك، بما يحقق استفادة من أصول عقارية سبق إنفاق استثمارات كبيرة عليها.

لكن وجود عمارات جاهزة لا يعني بالضرورة أنها تصلح تلقائياً لتوفير سكن ملائم. فهناك فرق بين وحدات تقع داخل مجتمعات عمرانية مكتملة الخدمات، وأخرى تقع في أطراف المدن أو القرى، وقد تعاني من ضعف المواصلات أو نقص المدارس والوحدات الصحية والأسواق وفرص العمل.

 

كما أن الوحدات التي أُنشئت في بعض المناطق الريفية ضمن مشروعات التطوير تحتاج إلى تقييم مستقل من حيث موقعها وحالتها الفنية ومدى ارتباطها بالخدمات الأساسية، قبل إدراجها ضمن المعروض الإيجاري.

 

ولم تعلن الوزارة أن كامل وحدات الطرح الإيجاري مأخوذ من عمارات قديمة أو وحدات غير مستغلة، كما لم تقدم بيانات تفصيلية تربط كل وحدة بمصدرها وتاريخ إنشائها وحالتها. ولذلك تظل هذه النقطة بحاجة إلى كشف رسمي يوضح طبيعة المخزون الذي سيجري استغلاله.

السكن البديل

ولا يمكن فصل التوسع في نظام الإيجار عن قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025، الذي أعاد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ونص في مادته الثامنة على أحقية المستأجرين المخاطبين بأحكام القانون أو من امتدت إليهم عقود الإيجار في الحصول على وحدة بديلة من الوحدات المتاحة لدى الدولة، بنظام الإيجار أو التمليك.

وبموجب قرار مجلس الوزراء رقم 53 لسنة 2025، أُنشئت إدارة مركزية باسم «الإيجار والسكن البديل» داخل صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، لتلقي وفحص طلبات المستأجرين وترتيب أولويات التخصيص والتنسيق مع الجهات الحكومية التي لديها وحدات متاحة.

وبذلك أصبح توفير السكن البديل جزءاً من الالتزامات المرتبطة بتطبيق قانون الإيجار القديم، وليس مجرد برنامج اجتماعي اختياري.

وأعلنت وزارة الإسكان في يوليو 2026 تلقي نحو 102 ألف طلب للحصول على وحدات بديلة، قبل مد فترة التقديم حتى 12 يناير 2027.

وهذا الملف يضيف ضغطاً جديداً على المخزون العقاري للدولة، إذ يتعين توفير وحدات مناسبة للمستأجرين المستحقين، مع مراعاة مواقع مساكنهم الأصلية وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وعدم الاكتفاء بتوفير وحدات بعيدة عن مناطق إقامتهم دون مراعاة آثار الانتقال.

أين تذهب الوحدات؟

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت الدولة تتجه إلى سياسة جديدة لإدارة أصولها العقارية، تقوم على تشغيل العمارات والوحدات القائمة من خلال الإيجار بدلاً من بيعها أو تركها غير مستغلة.

فوجود آلاف الوحدات في مشروعات مثل دار مصر وغيرها يطرح ضرورة الإعلان عن حجم المخزون غير المشغول، وعدد الوحدات التي تحتاج إلى صيانة أو استكمال مرافق، والوحدات التي يمكن طرحها فوراً للإيجار أو التمليك.

كما تبرز أهمية الكشف عن خريطة الوحدات الإيجارية الجديدة، وتحديد ما إذا كانت عمارات حديثة أم وحدات سبق إنشاؤها، ومدى توافر الخدمات والمواصلات حولها، خاصة أن توفير وحدة سكنية في منطقة بعيدة عن العمل والمدارس والمرافق قد يحول انخفاض الإيجار إلى أعباء إضافية على الأسرة.

فالمواطن محدود الدخل لا يحتاج إلى أربعة جدران فقط، وإنما إلى مسكن تتوافر حوله مقومات الحياة، حتى لا يجد نفسه مضطراً إلى إنفاق ما وفره من قيمة الإيجار على الانتقال اليومي والحصول على الخدمات الأساسية.

التملك أم الانتفاع؟

 

تكشف المقارنة بين المبادرات عن ثلاثة مسارات متوازية؛ تملك وحدات متميزة للمصريين بالخارج من خلال التحويلات الدولارية، وإتاحة وحدات إيجارية لمحدودي الدخل، وتوفير وحدات بديلة للمخاطبين بقانون الإيجار القديم، إلى جانب مسار الإيجار المنتهي بالتملك.

ولا يعني ذلك أن جميع المصريين بالخارج من الأغنياء، أو أن كل المواطنين بالداخل لا تتاح لهم فرص التملك، لكن اختلاف شروط الدخول والقدرة المالية المطلوبة يطرح تساؤلات حول مدى التوازن بين هذه المسارات.

فالمواطن الذي لا يستطيع تحويل 5 آلاف دولار قد يكون قادراً على سداد أقساط شهرية مناسبة، ومحدود الدخل الذي يحصل على وحدة بالإيجار قد يحتاج إلى مسار واضح يتيح له التملك مستقبلاً، بدلاً من استمرار الانتفاع دون تكوين أصل عقاري يمتلكه.

كما أن الاستفادة من المخزون العقاري القائم قد توفر على الدولة تكاليف إنشاء وحدات جديدة، بشرط ألا تتحول إلى مجرد إعادة تسويق لعمارات بعيدة أو غير مكتملة الخدمات، وأن يكون معيار الاختيار هو صلاحية الوحدة للسكن الفعلي وليس مجرد توافرها.

وبين التوسع في التملك بالدولار وتوفير الإيجار المدعوم والسكن البديل، يظل ملف الإسكان مرتبطاً بسؤال القدرة على الوصول إلى مسكن ملائم، وتوظيف الأصول العقارية التي تمتلكها الدولة، وتحقيق التوازن بين تكلفة توفير الوحدة والقدرة الحقيقية للمواطن على تحمل نفقات السكن والمعيشة.