بعد 13 عاماً من استمرار ملف الاحتجاز السياسي.. عائلات المعتقلين تنتقل من التحركات الفردية إلى إطار قانوني يسعى لتمثيل الأسر محلياً ودولياً
بعد أكثر من 13 عاماً ، على مذبحتى رابعة والنهضة وغيرها من مذابح الانقلاب الدموى ، وبعد اتساع نطاق ملف الاحتجاز السياسي بزمن المنقلب السفاح السيسى ، أعلنت عائلات عدد من المعتقلين السياسيين تأسيس كيان قانوني جديد تحت اسم «رابطة أهالي المعتقلين المصريين ــ فِدا»، بهدف تنظيم جهود أسر المحتجزين وتمثيلهم أمام الجهات والمؤسسات المعنية داخل مصر وخارجها، وإبقاء قضية المعتقلين حاضرة على المستويين المحلي والدولي.
وتقول الرابطة، في بيانها التأسيسي، إن هدفها الأساسي يتمثل في العمل على إنهاء ما تصفه بـ«المأساة الممتدة منذ 13 عاماً»، عبر البحث عن حلول واقعية تؤدي إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، مؤكدة استعدادها للتعاون مع كل الأطراف القادرة على المساهمة في إغلاق هذا الملف.
ويأتي تأسيس الرابطة في وقت لا تعلن فيه السلطات المصرية رقماً رسمياً حديثاً لأعداد المحتجزين على خلفية سياسية، بينما تتحدث منظمات حقوقية دولية ومحلية منذ سنوات عن وجود أعداد كبيرة من المعتقلين والمحبوسين احتياطياً في قضايا ذات طابع سياسي.
من الاحتجاز إلى معاناة الأسر
لا تقتصر تداعيات الاحتجاز، وفق أسر المعتقلين والمنظمات الحقوقية، على الأشخاص الموجودين داخل السجون، وإنما تمتد إلى عائلاتهم التي تواجه أعباء اجتماعية واقتصادية ونفسية متراكمة، خصوصاً مع استمرار بعض حالات الاحتجاز لسنوات طويلة.
وتشير الأسر إلى شكاوى تتعلق بظروف الاحتجاز، من بينها ما تصفه بالإهمال الطبي، وسوء المعاملة، والقيود على الزيارات، إضافة إلى صعوبات تتعلق بالتواصل مع المحامين ومتابعة الإجراءات القانونية.
كما تثار شكاوى بشأن استمرار حبس بعض الأشخاص رغم صدور قرارات بإخلاء سبيلهم، من خلال إدراجهم في قضايا جديدة، وهي الممارسة التي تُعرف في الخطاب الحقوقي المصري باسم "التدوير".
وبحسب روايات أسر المعتقلين ومحامين وحقوقيين، فإن هذه الممارسة تؤدي إلى استمرار الاحتجاز لفترات طويلة رغم صدور قرارات قضائية أو قانونية بالإفراج، وهو ما يجعل إنهاء الحبس عملية أكثر تعقيداً.
«فِدا».. محاولة لتوحيد جهود الأسر
تسعى الرابطة الجديدة إلى نقل تحركات أسر المعتقلين من إطار المبادرات الفردية والمتفرقة إلى عمل جماعي أكثر تنظيماً.
وبحسب بيانها التأسيسي، تشمل أهداف "فِدا" تمثيل أسر المعتقلين أمام المؤسسات والهيئات المعنية، والمطالبة بمحاكمات عادلة وظروف احتجاز كريمة، واستخدام الوسائل القانونية والسياسية المتاحة للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين.
كما تعتزم الرابطة التواصل مع المؤسسات المصرية والدولية، والشخصيات السياسية والدينية والإعلامية والحقوقية، بهدف إيصال أصوات المعتقلين وذويهم إلى أوسع نطاق ممكن.
وتتضمن خطتها، بحسب البيان، تنظيم تحركات وزيارات إلى الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها والمعنية بملفات الاحتجاز والاختفاء القسري، إلى جانب دراسة رفع دعاوى أمام المحاكم المختصة بشأن الانتهاكات التي تقول الرابطة إن المعتقلين يتعرضون لها.
كما تشمل الخطة تنظيم فعاليات تضامنية مع السجناء وأسرهم، والعمل على إبقاء القضية حاضرة في النقاش العام.
غياب رقم رسمي لأعداد المعتقلين
يعد غياب رقم رسمي حديث لأعداد المحتجزين على خلفية سياسية أحد أبرز الصعوبات التي تواجه أي محاولة لرصد حجم الظاهرة في مصر.
وكانت هيومن رايتس ووتش قد قدرت في تقرير صدر عام 2017 أن عدد من جرى سجنهم على خلفية سياسية منذ عام 2013 بلغ نحو 60 ألف شخص.
لكن هذا الرقم لا يمثل إحصاءً حديثاً لعدد المعتقلين الموجودين حالياً داخل السجون المصرية، كما أن طبيعة الملف وتغير أوضاع المحتجزين، بين الإفراج وإعادة الاحتجاز والمحاكمات والأحكام، تجعل من الصعب اعتماد رقم واحد بوصفه حصيلة نهائية.
وتشير تقارير حقوقية لاحقة إلى استمرار وجود أعداد كبيرة من المحتجزين على خلفيات سياسية، من دون توفر بيانات رسمية شاملة تسمح بتحديد العدد الحالي بصورة دقيقة.
المعتقلون.. طيف سياسي وحقوقي واسع
وتقول منظمات حقوقية إن الاحتجاز المرتبط بالنشاط السياسي في مصر لم يعد مقتصراً على أعضاء أو أنصار تيار سياسي محدد، وإنما شمل، وفق تقاريرها، صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وأكاديميين ومتظاهرين ومعارضين سياسيين، إضافة إلى أشخاص جرى توقيفهم بسبب التعبير عن آرائهم أو نشاطهم السياسي.
وفي تقريرها العالمي لعام 2026، قالت «هيومن رايتس ووتش» إن آلاف المحتجزين في مصر ظلوا رهن حبس احتياطي مطول أو يقضون أحكاماً صدرت إثر محاكمات اعتبرتها المنظمة غير عادلة.
كما تحدثت المنظمة عن استمرار ما وصفته بالاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة.
وتؤكد السلطات المصرية في المقابل، في مواقفها الرسمية المتكررة، أن إجراءات القبض والمحاكمة تتم وفق القانون، وأنها تواجه تهديدات أمنية وإرهابية تتطلب إجراءات أمنية وقضائية، وترفض اتهامات المنظمات الحقوقية التي تتحدث عن وجود سياسة ممنهجة للانتهاكات.
الرعاية الصحية وظروف الاحتجاز
يمثل الوضع الصحي للمحتجزين وظروف السجون أحد أكثر الملفات إثارة للجدل بين السلطات المصرية والمنظمات الحقوقية.
وبحسب «هيومن رايتس ووتش»، استمرت خلال عام 2025 حالات احتجاز في ظروف وصفتها المنظمة بأنها ترقى إلى سوء المعاملة، بما في ذلك الحرمان من الرعاية الصحية والحبس الانفرادي لفترات طويلة.
كما وثقت المنظمة حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز خلال العام، وربطت بعضها، وفق تقييماتها، بأوضاع الاحتجاز وعدم الحصول على الرعاية الطبية الكافية.
وتضع "فِدا" هذه القضية ضمن أولوياتها، مشيرة إلى شكاوى تتعلق بالرعاية الطبية والتغذية والتهوية والاكتظاظ، إلى جانب القيود المفروضة على الزيارات والأنشطة وقراءة الكتب والصحف ووسائل متابعة الأخبار.
وتطالب الرابطة بأن تتوافق ظروف الاحتجاز مع القوانين المصرية والقواعد والمعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء.
"التدوير".. قضية أخرى في ملف الاحتجاز
ومن بين أبرز الشكاوى التي تطرحها أسر المعتقلين ومحاموهم ظاهرة إعادة إدراج المحتجزين في قضايا جديدة بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم، والمعروفة إعلامياً وحقوقياً باسم "التدوير"
ويرى منتقدو هذه الممارسة أنها تؤدي إلى إطالة أمد الاحتجاز بصورة تتجاوز الغرض الأصلي للحبس الاحتياطي، بينما تقول السلطات المصرية إن كل قضية جديدة تخضع لإجراءات قانونية مستقلة، وإن قرارات النيابة والقضاء لا تستند إلى اعتبارات سياسية.
وتعد هذه القضية من الملفات التي تقول الرابطة الجديدة إنها ستوليها اهتماماً، في إطار سعيها إلى ضمان تنفيذ قرارات الإفراج وعدم استمرار الاحتجاز خارج الأطر القانونية.
الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان
وتأتي المطالب المتعلقة بتحسين أوضاع المحتجزين في ظل وجود تعهدات رسمية مصرية سابقة في هذا المجال.
ففي سبتمبر 2021، أطلقت حكومة الانقلاب الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي تضمنت محاور تتعلق بتعزيز حقوق المحتجزين وتحسين ظروف الاحتجاز، والتأكيد على المعاملة الكريمة وعدم التعرض للتعذيب أو الإيذاء البدني والنفسي.
كما تضمنت الاستراتيجية الحديث عن تعزيز الرقابة على أماكن الاحتجاز وتوسيع إجراءات الإفراج وفقاً للقانون، إلى جانب إجراءات تستهدف الحد من أعداد السجناء، من بينها التوسع في الإفراج الشرطي والعفو الرئاسي والإفراج عن بعض المحكوم عليهم وفق الضوابط القانونية.
وترى أسر المعتقلين أن هذه التعهدات تمثل أساساً يمكن الاستناد إليه للمطالبة بمراجعة أوضاع المحتجزين والإفراج عن كل من لم تثبت إدانته في محاكمة عادلة.
في المقابل، تقول منظمات حقوقية دولية: "إن هناك فجوة واسعة بين ما تضمنته الاستراتيجية من تعهدات وبين ما تصفه بالممارسات الفعلية على الأرض".
انتقادات دولية مستمرة
وفي يناير 2025، قالت «هيومن رايتس ووتش» إن "مراجعة مصر أمام آلية الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة شهدت تقديم أكثر من 370 توصية من 137 دولة".
وتناولت بعض هذه التوصيات، بحسب المنظمة، قضايا التعذيب والاحتجاز التعسفي وأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان.
وتشير هذه المراجعات الدولية إلى استمرار ملف حقوق الإنسان والاحتجاز السياسي باعتباره أحد الملفات التي تحظى باهتمام المؤسسات الحقوقية الدولية في تقييم الوضع الحقوقي في مصر.
تحرك نحو المؤسسات الدولية
وتراهن"فِدا" على توسيع نطاق تحركها خارج الحدود المصرية، من خلال التواصل مع الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية بالاحتجاز والاختفاء القسري، إضافة إلى المؤسسات الحقوقية والسياسية والإعلامية.
وتقول الرابطة: "إن الهدف من هذه التحركات ليس فقط عرض حالات فردية، وإنما إبقاء قضية المعتقلين المصريين حاضرة في المحافل الدولية، والسعي إلى فتح مسارات قانونية وسياسية يمكن أن تسهم في إنهاء حالات الاحتجاز التي تعتبرها غير قانونية."
كما تعتزم الرابطة التواصل مع الجاليات المصرية وأسر المعتقلين المقيمين خارج مصر، بما يسمح، وفق رؤيتها، بتوسيع قاعدة المشاركة في الدفاع عن حقوق المحتجزين.
هل يتحول الملف إلى قضية جماعية منظمة؟
يمثل تأسيس "فِدا" محاولة جديدة من جانب أسر المعتقلين لتنظيم تحركاتهم في مواجهة ملف معقد امتد لأكثر من عقد.
فبدلاً من اقتصار الجهود على متابعة كل حالة بصورة منفردة، تسعى الرابطة إلى بناء إطار جامع يتعامل مع قضايا المعتقلين باعتبارها ملفاً قانونياً وحقوقياً واجتماعياً متكاملاً.
وتؤكد الرابطة أن نشاطها لا يستهدف الانحياز إلى تيار سياسي بعينه، وإنما تمثيل أهالي المعتقلين والمطالبة بحقوقهم القانونية والإنسانية، وفتح قنوات تواصل مع المؤسسات المصرية والدولية.
وفي المقابل، يبقى نجاح هذا التحرك مرتبطاً بقدرته على توثيق الحالات، وتقديم ملفات قانونية قابلة للتحقق، وفتح قنوات حوار مع المؤسسات المعنية، في وقت لا تزال فيه قضية الاحتجاز السياسي واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد المصري.
ملف مفتوح منذ 13 عاماً
بعد أكثر من عقد على بداية موجة الاحتجازات الواسعة التي أعقبت أحداث 2013، لا يزال ملف المعتقلين السياسيين حاضراً في المشهد المصري، وسط تباين كبير بين الرواية الرسمية والانتقادات الحقوقية الدولية.
وبينما تؤكد حكومة الانقلاب التزامها بالقانون ووجود آليات قضائية للتعامل مع قضايا المحتجزين، تستمر المنظمات الحقوقية وأسر المعتقلين في المطالبة بالإفراج عن المحتجزين على خلفية سياسية، وتحسين ظروف السجون، وضمان المحاكمات العادلة، وإنهاء ما تصفه بممارسات الاحتجاز المطول والتدوير.
وفي هذا السياق، تأتي رابطة "فِدا" باعتبارها محاولة لتحويل معاناة الأسر من جهود فردية متفرقة إلى عمل جماعي منظم، يسعى إلى استخدام الأدوات القانونية والحقوقية والسياسية المتاحة، محلياً ودولياً، من أجل الوصول إلى حل نهائي لملف المعتقلين.
ويبقى السؤال الأبرز خلال المرحلة المقبلة هو مدى قدرة الرابطة وغيرها من المبادرات الحقوقية على تحويل المطالب المتراكمة إلى تحركات قانونية ومؤسسية ملموسة، وما إذا كان ملف الاحتجاز السياسي سيشهد معالجة أوسع تنهي معاناة آلاف الأسر التي تقول "إنها تنتظر منذ سنوات إغلاق هذا الملف."