من تجويع المواطنين ورفع أسعار الخدمات إلى تقييد الحريات وبيع الأصول.. قراءة في سياسات إدارة الفقر وتحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات للسيطرة السياسية
لم تعد الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المصريون منذ انقلاب الجيش عام 2013 على أول رئيس مدنى منتخب الشهيد محمد مرسى، مجرد نتيجة لاضطراب الأسواق أو سوء التخطيط الاقتصادي، بل باتت، وفق قراءة تحليلية طرحها الكاتب كمال الجندي، أقرب إلى منظومة متكاملة لإدارة الإنهاك المعيشي، تقوم على إبقاء قطاعات واسعة من المجتمع في حالة انشغال دائم بتدبير الاحتياجات الأساسية، بما يحد من قدرتها على المشاركة السياسية أو المطالبة بالتغيير.
ويرى الجندي أن ما يميز المرحلة الحالية هو اتساع نطاق الضغوط المعيشية، وتحولها من أزمات اقتصادية متفرقة إلى نمط مستمر من استنزاف دخول المواطنين، عبر الزيادات المتتالية في أسعار الوقود والكهرباء والمياه والخبز، وتراجع قيمة الدخول، وتآكل القدرة الشرائية، بالتزامن مع تراجع أدوار الدولة الاجتماعية في قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
وتكمن المفارقة، بحسب هذه القراءة، في تقديم الأعباء المتزايدة باعتبارها تضحيات وطنية ضرورية لإنجاز مشروعات الدولة، بينما تتحمل الأسر المصرية كلفة هذه السياسات من مستوى معيشتها ومدخراتها، في وقت تتسع فيه الفجوة بين عالم المشروعات والمدن الجديدة والمنتجعات، وبين واقع قطاعات واسعة من المواطنين التي تكافح لتوفير الغذاء والدواء وسداد فواتير الخدمات.
تسليح الحاجة.. حين تتحول لقمة العيش إلى أداة للسيطرة
يضع الجندي مفهوم «تسليح الحاجة» في قلب تحليله، ويقصد به تحويل الاحتياجات الإنسانية الأساسية، مثل الخبز والمياه والدواء والكهرباء، من حقوق اجتماعية يفترض أن تلتزم الدولة بتوفيرها، إلى أدوات ضغط يمكن توظيفها في ضبط السلوك الاجتماعي والسياسي.
وتقوم هذه الفرضية على أن المواطن الذي يستنزف معظم وقته وطاقته في البحث عن احتياجات أسرته وتأمين الحد الأدنى من المعيشة، تتراجع قدرته على الانشغال بالقضايا العامة أو المشاركة في العمل السياسي والتنظيمي، ويصبح أكثر عرضة للانكفاء على مشكلاته الفردية.
ويستند هذا التصور إلى أطروحات عدد من المفكرين في علم الاجتماع والفلسفة السياسية، من بينهم هربرت ماركيوز، الذي تناول في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» آليات استنزاف القدرة النقدية للفرد داخل المنظومات المهيمنة، وميشيل فوكو، الذي حلل مفهوم «السياسة الحيوية» وعلاقة السلطة بإدارة أجساد البشر واحتياجاتهم الأساسية.
كما يستحضر التحليل أطروحة نعومي كلاين في كتاب «عقيدة الصدمة»، بشأن استغلال الأزمات والضغوط الاستثنائية لتمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية.
ومن هذا المنظور، لا يقتصر أثر الفقر على تراجع مستوى المعيشة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أولويات المجتمع، بحيث تتحول المطالب المتعلقة بالحرية والعدالة والمشاركة السياسية إلى قضايا مؤجلة أمام أولوية البقاء وتوفير احتياجات اليوم التالي.
القمع وتقييد المجال العام.. الوجه الآخر لسياسات الإفقار
ويربط الجندي بين السياسات الاقتصادية المتبعة منذ عام 2013 وبين اتساع القيود المفروضة على المجال العام، معتبرا أن تمرير إجراءات التقشف ورفع الدعم وتراجع الإنفاق الاجتماعي اقترن بمنظومة أمنية وقضائية حدّت من قدرة المواطنين على الاعتراض والتنظيم.
ويشير في هذا السياق إلى اتساع نطاق الاعتقالات والاحتجازات التي طالت نشطاء وسياسيين وأصحاب مهن مختلفة، فضلا عن التضييق على الأصوات المنتقدة للسياسات الاقتصادية، وتراجع مساحة العمل النقابي والاحتجاجات العمالية.
كما يتوقف عند ظاهرة «التدوير»، التي تعني إعادة إدراج المحتجزين على ذمة قضايا جديدة بعد انتهاء مدد حبسهم في قضايا سابقة، بما يطيل فترات احتجازهم ويحرمهم من فرص استعادة حريتهم.
ويرى أن هذه البيئة أسهمت في رفع كلفة الاعتراض، ليس فقط بالنسبة إلى النشطاء السياسيين، وإنما أيضا بالنسبة إلى المواطنين العاديين الذين قد يترددون في التعبير عن غضبهم من ارتفاع الأسعار أو تدهور الخدمات خشية التعرض للملاحقة.
وبذلك، تصبح الضغوط المعيشية والقيود السياسية، وفق التحليل، مسارين متداخلين؛ الأول يستنزف قدرة المواطنين الاقتصادية والاجتماعية، والثاني يحد من قدرتهم على تنظيم أنفسهم أو تحويل غضبهم إلى مطالب جماعية.
غياب الرؤية الاقتصادية الوطنية والاعتماد على روشتة صندوق النقد
ومن أبرز الانتقادات التي يطرحها الجندي أن السلطة لم تقدم، منذ توليها إدارة البلاد، مشروعا اقتصاديا وطنيا متكاملا يقوم على زيادة الإنتاج والتصنيع وتطوير الزراعة وتعزيز استقلال الاقتصاد، وإنما اعتمدت بدرجة كبيرة على سياسات الاقتراض والتقشف وإعادة هيكلة الدعم، خصوصا منذ اتفاق عام 2016 مع صندوق النقد الدولي.
ويعتبر أن هذه السياسات، بصيغتها التي طُبقت في مصر، نقلت جانباً كبيراً من كلفة الاختلالات الاقتصادية إلى المواطنين، من خلال رفع أسعار الوقود والطاقة والخدمات الأساسية، وتقليص أوجه الدعم، بينما لم تحقق الإجراءات، بحسب رؤيته، تحسنا يتناسب مع حجم الأعباء التي تحملتها الأسر المصرية.
وامتدت التداعيات، وفق المقال، إلى التعليم والصحة، حيث يتزايد العبء المالي على الأسر للحصول على خدمات كان يُفترض أن توفر الدولة قدرا أساسيا منها بصورة ميسورة، بالتزامن مع التوسع في طرح منشآت صحية لإدارة وتشغيل القطاع الخاص، بما يثير مخاوف بشأن مستقبل الدور الاجتماعي للدولة وإمكانية حصول الفئات محدودة الدخل على العلاج.
وفي قطاع التعليم، ينتقد الجندي السياسات التي تؤدي إلى تحميل الأسر رسوما وأعباء إضافية، معتبرا أنها تفرغ مفهوم التعليم الحكومي المجاني من مضمونه، وتزيد الفجوة بين القادرين وغير القادرين على تحمل تكاليف التعليم.
الدعم النقدي واستبعاد المستحقين.. تقليص الحماية الاجتماعية
ويتوقف التحليل عند التوجه نحو تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، معتبرا أن هذا التحول لا يمكن تقييمه بمعزل عن أوضاع المستفيدين من منظومة التموين، وما يثيره استبعاد أعداد من المواطنين من البطاقات التموينية من مخاوف بشأن اتساع دائرة الفئات التي تفقد مظلتها الاجتماعية.
ويحذر من أن قيمة الدعم النقدي قد تتآكل بفعل التضخم وارتفاع أسعار السلع، بما يجعل المبالغ المقدمة أقل قدرة على تلبية الاحتياجات الفعلية للأسر، خصوصا إذا لم تسبق عملية التحول مراجعة دقيقة لمعايير الاستحقاق وضمانات وصول الدعم إلى مستحقيه.
ويشير إلى أن تقليص الدعم العيني في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء والخدمات قد يزيد هشاشة الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى، بدلا من تخفيف الأعباء عنها.
بيع الأصول وتراكم الديون.. أين تذهب عوائد الصفقات؟
وفي موازاة الضغوط المعيشية، يطرح الجندي تساؤلات بشأن سياسة بيع الأصول العامة والأراضي والشركات والموانئ، ومدى انعكاس عوائد هذه الصفقات على حياة المواطنين والاقتصاد الإنتاجي.
ويشير إلى صفقات الأراضي الساحلية والاستثمارات الخليجية، فضلا عن ملف جزيرتي تيران وصنافير، باعتبارها نماذج تثير نقاشا واسعا بشأن إدارة الأصول الاستراتيجية للدولة، والعائد الحقيقي الذي تحققه هذه التصرفات للاقتصاد والمجتمع.
كما يربط بين استمرار الاقتراض وارتفاع أعباء الدين وبين التوسع في مشروعات البنية التحتية والعقارات والمدن الجديدة، متسائلا عن الجدوى الاقتصادية لهذه المشروعات ومدى قدرتها على توفير موارد إنتاجية وفرص عمل مستدامة، مقارنة بالأعباء المالية التي تتحملها الموازنة العامة.
وتتمحور الإشكالية، وفق هذه القراءة، حول غياب الشفافية الكافية بشأن استخدام حصيلة بيع الأصول، ومدى توجيهها إلى معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، بدلا من استمرار الاعتماد على الاقتراض والتصرف في ممتلكات الدولة.
مصر على مسارين.. امتيازات لفئات محددة واتساع دائرة الفقر
ويعتبر الجندي أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية أسهمت في تعميق الانقسام الطبقي داخل المجتمع، مع اتساع المسافة بين فئات تتمتع بامتيازات ومزايا مرتبطة بمواقعها داخل مؤسسات الدولة، وبين قطاعات واسعة تواجه تراجعا مستمرا في مستوى المعيشة.
ويصف هذا الواقع بأنه انقسام بين عالم المدن الجديدة والمنتجعات والمجمعات السكنية المغلقة، وعالم المواطنين الذين يواجهون ارتفاع أسعار الغذاء والمرافق وتراجع القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، يشير إلى ما يراه انحيازا في توزيع الامتيازات والمزايا المادية والتأمينية لمصلحة قطاعات ومؤسسات بعينها، بالتزامن مع تراجع أوضاع المعلمين والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والموظفين، وهي فئات شكلت تاريخيا جزءا أساسيا من الطبقة الوسطى المصرية.
ويرى أن تآكل هذه الطبقة لا يمثل مجرد خسارة اقتصادية، بل يمتد إلى إضعاف إحدى أهم القوى الاجتماعية القادرة على إنتاج الوعي والمشاركة في الحياة العامة، بعدما باتت قطاعات منها منشغلة بتوفير متطلبات المعيشة والعمل في أكثر من وظيفة لمواجهة ارتفاع التكاليف.
فواتير الكهرباء والمياه والغاز .. جباية لا تتوقف
ومن أبرز مظاهر الإنهاك المعيشي التي يتناولها التحليل الزيادات المتكررة في أسعار الكهرباء والمياه والغاز، وتحول فواتير المرافق إلى عبء شهري يضغط على ميزانيات الأسر.
ويشير الجندي إلى أن هذه الخدمات، التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية ولا يمكن الاستغناء عنها، أصبحت تمثل مصدرا متزايدا لاستنزاف دخول المواطنين، خصوصا مع التهديد بقطع الخدمة حال عدم السداد.
ويعتبر أن تحميل المواطنين أعباء الاختلالات المالية والإدارية وتكاليف الاقتراض، من خلال الزيادات المتتالية في أسعار الخدمات، يعمق الشعور بأن المواطن أصبح الطرف الذي يتحمل الكلفة النهائية لسياسات لا يملك المشاركة في تحديدها أو مراجعتها.
كما يحذر من أن التوسع في إسناد إدارة وتشغيل المرافق العامة إلى القطاع الخاص قد يضعف البعد الاجتماعي لهذه الخدمات، ويحولها تدريجيا إلى أنشطة استثمارية تحكمها اعتبارات الربحية، بما قد ينعكس على قدرة الفئات الأقل دخلا على الحصول عليها.
هل يتحول الإنهاك المعيشي إلى خطر على النظام نفسه؟
ورغم أن الضغط الاقتصادي قد يرفع تكلفة الاحتجاج ويحد من قدرة المواطنين على التنظيم لفترات، فإن الجندي يحذر من الاعتقاد بأن إنهاك المجتمع يضمن استقرار السلطة بصورة دائمة.
ويستند في ذلك إلى قراءات تاريخية واجتماعية، من بينها أعمال المؤرخ إريك هوبسباوم بشأن الثورات والتحولات الاجتماعية، ليطرح فكرة أن الأزمات المعيشية الحادة قد تنتج هدوءا ظاهريا، لكنه لا يعكس بالضرورة قبول المجتمع بالسياسات القائمة.
فمع استمرار تراجع الدخول وتآكل المدخرات وانسداد آفاق التحسن، قد يفقد الخوف تدريجيا جزءا من تأثيره، خصوصا عندما يشعر المواطن بأنه لم يعد يملك ما يخشى خسارته، وأن استمرار الأوضاع الراهنة لا يترك أمامه مساحة حقيقية لتحسين ظروف حياته.
ومن هنا، يمكن أن تتحول حالة الانكفاء الفردي إلى غضب اجتماعي أوسع، إذا تلاقت المظالم المعيشية مع وجود مساحات للتواصل والتنظيم والتعبير عن المطالب المشتركة.
وتكمن المفارقة في أن السياسات التي يُفترض أنها تستهدف إضعاف قدرة المجتمع على الاحتجاج قد تؤدي، إذا تجاوزت حدود الاحتمال، إلى تقويض عوامل الاستقرار نفسها.
الإنهاك ليس بديلا عن السياسة
في المحصلة، يطرح تحليل كمال الجندي قضية تتجاوز مؤشرات التضخم والدين وارتفاع الأسعار، لتتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومدى تحول الاحتياجات الأساسية من حقوق اجتماعية إلى أدوات ضغط، في ظل تراجع الحماية الاجتماعية وتضييق المجال العام.
فالرهان على إبقاء المواطنين منشغلين بتدبير لقمة العيش قد ينجح في تأجيل التعبير عن الغضب، لكنه لا يعالج جذور الأزمات الاقتصادية ولا يوفر مقومات الاستقرار طويل الأجل.
كما أن تجريف الطبقة الوسطى وتراجع الخدمات العامة وتآكل القدرة الشرائية لا تمثل مجرد خسائر فردية، بل تهدد البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، وتضعف قدرتها على تحقيق تنمية متوازنة.
وبينما تواصل الأسر المصرية مواجهة أعباء المعيشة والبحث عن الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن استمرار تحميل المجتمع كلفة السياسات الاقتصادية، والاعتماد على الخوف والإنهاك بدلا من الإصلاح والمشاركة والمساءلة؟
فالمجتمعات قد تتحمل الأزمات لفترات طويلة، لكن تحويل المعاناة اليومية إلى نمط دائم للحياة لا يلغي أسباب الغضب، وإنما قد يراكمها إلى أن تصبح أكبر من قدرة أدوات السيطرة على احتوائها.