10 مليارات دولار لاستيراد الغاز… لماذا تقلص حكومة السيسي إمدادات المصانع وتسمح بالتصدير؟

- ‎فيتقارير

الكهرباء تستهلك 76% من الغاز المتاح.. وتقليص إمدادات المصانع بنسبة 20% يهدد الإنتاج والصادرات.. وفاتورة استيراد الغاز المسال تتصاعد إلى مليارات الدولارات

تكشف القرارات المتضاربة لحكومة المنقلب السفيه، عبد الفتاح السيسي بشأن إدارة ملف الغاز الطبيعي عن حجم التخبط في التعامل مع أزمة الطاقة ونقص العملة الصعبة، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطاً متزايدة لتوفير الدولار اللازم لسداد أقساط الديون وفوائدها، وتمويل واردات السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج.

فبينما تتحدث الحكومة عن ضرورة زيادة الإنتاج الصناعي والصادرات لتعظيم الحصيلة الدولارية، قررت وزارة البترول خفض إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والميثانول بنسبة 20%، اعتباراً من 2 نوفمبر ولمدة غير محددة، بالتزامن مع السماح بتصدير كميات من الغاز المخصص للشركات الأجنبية إلى الأسواق الأوروبية.

وتطرح هذه الإجراءات تساؤلات بشأن أولويات الحكومة في توزيع الغاز بين احتياجات الصناعة المحلية، ومحطات الكهرباء التي تستحوذ على نحو 76% من إمدادات الغاز المحلي والمستورد، ومصالح شركات البترول الأجنبية التي تسعى إلى تحقيق عوائد دولارية من حصصها في الإنتاج المصري.

وتأتي هذه التناقضات في ظل أزمة طاقة ممتدة للعام الثالث على التوالي، تتفاقم بفعل تراجع الإنتاج المحلي مقارنة بالاستهلاك، وارتفاع تكلفة واردات الغاز المسال، وتراجع قيمة الجنيه، بما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات الكهرباء والصناعة، وتوفير الدولار اللازم للاستيراد، وتجنب تحميل الموازنة أعباء مالية إضافية.

 

ترشيد الإنفاق.. وخفض إمدادات المصانع

ظهرت التناقضات بوضوح عقب اجتماع لجنة إدارة الأزمات المركزية، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مساء الاثنين الماضي، حيث ناقش زيادة مخزون السلع والأدوية والمنتجات الغذائية، وتأمين احتياجات الدولة من الطاقة والوقود، وترشيد الإنفاق الحكومي واستهلاك الوقود والكهرباء داخل الوزارات والهيئات، إلى جانب خفض بعض بنود الإنفاق، بينها الدعاية والإعلان.

وأكد بيان الاجتماع ضرورة أن تضمن خطة الترشيد استمرار الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للسلع الأساسية والمواد البترولية.

وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد عادل إن الإجراءات تستهدف الجهات الحكومية ولا تشمل المنازل، ولن تؤدي إلى تخفيف الأحمال الكهربائية عن المواطنين، مشيراً إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة والسلع عالمياً خلال شهري سبتمبر وأكتوبر.

لكن بعد ساعات من نشر البيانات المتعلقة بالاجتماع وخطة ترشيد الإنفاق، اختفت تلك البيانات من صفحات مجلس الوزراء، بينما ظلت نسخ من بعضها منشورة على موقع الهيئة العامة للاستعلامات ووسائل الإعلام الرسمية.

وفي تطور يعكس حجم الضغوط على إمدادات الطاقة، أفاد ممثلو شركات وأعضاء باتحاد الصناعات بأن وزارة البترول أبلغت شركات الأسمدة والبتروكيماويات، مساء الاثنين، بخفض إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والميثانول بنسبة 20% اعتباراً من 2 نوفمبر، بسبب ارتفاع أسعار الغاز المسال، دون تحديد مدة واضحة لاستمرار القرار.

وهكذا تتحدث الحكومة عن حماية الأنشطة الإنتاجية وزيادة الصادرات، بينما تتجه في الوقت نفسه إلى تقليص أحد أهم مدخلات الإنتاج في صناعات ترتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والحصيلة التصديرية.

 

مصانع الأسمدة: تراجع الطلب يخفف أثر القرار مؤقتاً

من جانبه، قال الخبير الصناعي ورئيس شركة «أجري تريد» لصناعة الأسمدة أحمد هجرس إن خفض إمدادات الغاز الطبيعي للمصانع خلال الفترة الحالية قد يستمر خلال شهري نوفمبر وديسمبر، موضحاً أن الدولة استغلت تراجع الطلب على أسمدة اليوريا في فصل الشتاء لخفض معدل الغاز الموجه يومياً إلى المصانع بنسبة 20%.

وأضاف أن القرار لن يؤثر، وفق تقديره، على السوق المحلية أو الزراعات أو صادرات الأسمدة خلال الفترة الحالية، بسبب تركز الطلب الشتوي على سماد النترات، وتراجع الطلب الموسمي على اليوريا في عدد من الأسواق الخارجية، بينها أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا.

وأكد هجرس أن المصانع قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الجمعيات الزراعية وتوفير الحصص المقررة للسوق المحلية، دون تغيير أسعار البيع للجمهور، مرجحاً استمرار خفض حصص الغاز خلال نوفمبر وديسمبر، وفقاً لتطورات استهلاك محطات الكهرباء.

واعتبر أن توقيت القرار مناسب من وجهة نظره، مقارنة بفصل الصيف الذي يمثل موسم الاستهلاك الرئيسي لليوريا محلياً ولأغراض التصدير.

لكن تراجع الأثر المباشر المتوقع على السوق خلال الموسم الشتوي لا ينفي المخاطر التي قد تترتب على استمرار تقليص الإمدادات، خصوصاً أن الغاز الطبيعي يمثل مادة خاماً رئيسية لإنتاج الأمونيا والأسمدة والميثانول، ويشكل ما بين 60 و70% من تكلفة إنتاج طن الأسمدة، وفقاً للمعلومات الواردة في التقارير المتعلقة بالقطاع.

ومن ثم، فإن استمرار خفض الإمدادات قد ينعكس على معدلات تشغيل المصانع وتكلفة الإنتاج وقدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلية والوفاء بالتزامات التصدير، إذا امتدت الأزمة إلى مواسم يرتفع فيها الطلب.

 

تصدير الغاز إلى أوروبا.. ومصالح الشركات الأجنبية

في مقابل تقليص إمدادات المصانع المحلية، كشفت تقارير صحفية محلية عن سماح الحكومة للشركات الأجنبية بتصدير كميات من الغاز المخصص لها خلال أشهر الشتاء، مع تراجع الاستهلاك المحلي نسبياً وإعادة ضخ كميات من الغاز إلى مجمع الإسالة في إدكو شمال دلتا النيل.

وبحسب هذه التقارير، يجري تخصيص نحو 150 ألف متر مكعب يومياً للتصدير إلى الأسواق الأوروبية خلال نوفمبر، بقيمة تقدر بنحو 60 مليون دولار للشحنة، بالتنسيق مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس».

ونقل مسئول سابق بوزارة البترول أن هذه السياسة تأتي في ظل ضغوط تمارسها شركات بترول كبرى، من بينها شركة «إيني» الإيطالية، للسماح لها بتصدير حصصها من إنتاج آبار الغاز المحلية، بما يضمن لها تحقيق عوائد بالدولار، ويساعدها على توفير الغاز لعملائها في أوروبا.

وتستند هذه السياسة، وفقاً للمصدر، إلى تراجع الاستهلاك المحلي نسبياً خلال فصل الشتاء، وإتاحة الفرصة للشركات الأجنبية لتحقيق عائد من الإنتاج، بما يشجعها على مواصلة الاستثمار في البحث والاستكشاف وتنمية الحقول الجديدة، فضلاً عن توفير حصيلة من النقد الأجنبي.

لكن غياب البيانات التفصيلية بشأن الكميات المتاحة للتصدير، وحجم حصص الشركات الأجنبية، وآليات توزيع الغاز بين القطاعات المختلفة، يجعل تقييم أولويات الحكومة في إدارة الأزمة أكثر صعوبة، ويثير تساؤلات حول مدى التوازن بين احتياجات السوق المحلية ومصالح الشركات العاملة في قطاع الطاقة.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع اتجاه أوروبا إلى تأمين احتياجاتها من الغاز، في ظل خطط الاتحاد الأوروبي لوقف واردات الغاز الروسي اعتباراً من ديسمبر المقبل، وما يفرضه ذلك من ضغوط على الأسواق الأوروبية لتوفير بدائل للإمدادات.

 

الكهرباء تلتهم 76% من الغاز.. والصناعة تتحمل جانباً من الأزمة

تتمثل إحدى أبرز مشكلات إدارة ملف الطاقة في ارتفاع استهلاك محطات الكهرباء من الغاز الطبيعي، إذ تستحوذ على نحو 76% من إجمالي الغاز المستهلك، ما يترك حصة أقل للقطاعات الصناعية التي تعتمد عليه بوصفه وقوداً ومادة خاماً أساسية.

ومع زيادة احتياجات محطات التوليد، تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين توفير الغاز للكهرباء أو توجيهه إلى المصانع، في ظل فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وهو ما يفسر جانباً من القرارات المتعلقة بخفض إمدادات بعض الصناعات.

وفي مواجهة نقص الغاز الموجه لمحطات الكهرباء، اتجهت الحكومة إلى زيادة استخدام المازوت بديلاً للغاز في محطات التوليد، في محاولة لتخفيف الضغط على الإمدادات، لكن هذا التحول يفرض بدوره أعباء تتعلق بتوفير الوقود وتكلفته.

وتكشف هذه المعادلة عن خلل في ترتيب أولويات الطاقة، إذ يؤدي ارتفاع استهلاك محطات الكهرباء إلى تقليص الكميات المتاحة للصناعة، بينما تحتاج الحكومة في الوقت نفسه إلى زيادة الإنتاج الصناعي والصادرات لتوفير العملة الأجنبية التي تستخدمها في تمويل واردات الطاقة وسداد الالتزامات الخارجية.

 

فجوة بين الإنتاج والاستهلاك.. والاعتماد على الاستيراد يتزايد

يرجع خبراء الطاقة الضغوط المتزايدة على سوق الغاز إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، إذ يبلغ الإنتاج نحو 3.7 مليارات قدم مكعبة يومياً، مقابل استهلاك يقدر بنحو 6.2 مليارات قدم مكعبة خلال فصل الشتاء، ويرتفع في ذروة الصيف إلى ما بين 7.2 و7.5 مليارات قدم مكعبة يومياً.

وتضطر هذه الفجوة الحكومة إلى الاعتماد على واردات الغاز المسال لتلبية احتياجات محطات الكهرباء والصناعة، في وقت أصبحت فيه تكلفة الشراء أكثر ارتفاعاً، سواء بفعل زيادة الأسعار العالمية أو تراجع قيمة العملة المحلية.

ويشير خبراء بترول إلى أن واردات الغاز القادمة من إسرائيل استقرت عند نحو 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بالتزامن مع ثبات نسبي في الإنتاج المحلي، وهو ما يزيد الضغوط على تدبير احتياجات السوق.

كما ارتفعت تكلفة شحنة الغاز المسال بنحو 120 مليون دولار، بالتزامن مع صعود مؤشر الغاز الأوروبي إلى أكثر من 25 دولاراً، مع توقعات بوصوله إلى 35 دولاراً في ديسمبر المقبل، بينما تجاوز سعر الغاز المسال في الأسواق الآسيوية 34 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بنهاية أكتوبر، مقابل نحو 25 دولاراً في نهاية سبتمبر، بزيادة تقارب 36% خلال شهر واحد.

وتعني هذه الزيادات أن استمرار الاعتماد على الاستيراد يرفع فاتورة الطاقة ويزيد الضغط على موارد النقد الأجنبي، خصوصاً في ظل تراجع الإنتاج المحلي وعدم قدرة الإمدادات الحالية على تغطية الاستهلاك.

 

10.1 مليار دولار لاستيراد الغاز… وفاتورة تتصاعد

خصصت الحكومة نحو 10.1 مليارات دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال خلال العام المالي 2026/2027، لكن تقديرات الإنفاق تشير إلى أنها أنفقت بالفعل نحو 5.8 مليارات دولار بحلول أوائل أكتوبر، وفقاً لمحللين ومصادر في سوق الطاقة.

وتتوقع تقديرات السوق ارتفاع عدد شحنات الغاز المسال التي تستوردها مصر إلى نحو 184 شحنة خلال العام، مقابل 152 شحنة، بما يعكس استمرار الاعتماد على الخارج لتغطية العجز بين الإنتاج والاستهلاك.

وفي محاولة لتقليل الاعتماد على السوق الفورية وتقلبات أسعارها، تجري وزارة البترول محادثات مع شركات عالمية، من بينها «شل» و«توتال إنيرجي» و«بي بي» و«هارتري بارتنرز»، لإبرام اتفاقيات توريد طويلة الأجل.

ورغم أن هذه الاتفاقيات قد توفر قدراً أكبر من الاستقرار في تدبير الإمدادات، فإنها لا تلغي مخاطر ارتفاع الأسعار أو تكلفة توفير التمويل اللازم للواردات، كما لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي واتساع الفجوة مع الاستهلاك.

وتتضاعف أعباء الاستيراد بفعل تراجع قيمة الجنيه، بعدما استقر الدولار عند حدود 56 جنيهاً في البنوك، وهو ما يرفع تكلفة الشحنات المستوردة بالعملة المحلية، حتى في حال استقرار الأسعار العالمية أو تراجعها نسبياً.

 

هدف زيادة الإنتاج إلى 6.6 مليارات قدم.. وتحديات الحقول القائمة

وبالتوازي مع زيادة الواردات، تراهن الحكومة على استثمارات جديدة لرفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، إذ تستهدف مصر زيادة إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 6.6 مليارات قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030، مقارنة بمتوسط حالي يبلغ نحو 3.7 مليارات قدم مكعبة.

لكن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها التراجع الطبيعي لإنتاج الحقول القائمة، الذي تقدر بيانات حكومية معدله بنحو 120 مليون قدم مكعبة يومياً، ما يعني أن أي زيادة في الإنتاج تتطلب استثمارات جديدة لتعويض التراجع أولاً، قبل تحقيق نمو صافٍ في الإمدادات.

كما أن ارتفاع أسعار النفط والوقود والمنتجات البترولية يضيف أعباء جديدة على تكلفة الإنتاج والاستيراد، ويجعل تمويل خطط التوسع في البحث والاستكشاف وتنمية الحقول أكثر تعقيداً.

وتكشف أزمة الغاز عن مأزق يتجاوز مجرد نقص الإمدادات؛ فالحكومة تسعى إلى توفير الدولار عبر التصدير، لكنها تقلص في الوقت نفسه الغاز اللازم لتشغيل مصانع تنتج سلعاً قابلة للتصدير، وتخصص جانباً كبيراً من الإمدادات لمحطات الكهرباء، ثم تعود إلى السوق الدولية لشراء الغاز بأسعار مرتفعة لتغطية العجز.

وبين مصالح شركات الطاقة الأجنبية، واحتياجات محطات الكهرباء، ومتطلبات الصناعة المحلية، تتضح أزمة غياب سياسة متماسكة لإدارة موارد الغاز، بما يضع الإنتاج والصادرات والعملة الصعبة أمام ضغوط متشابكة، ويجعل القرارات الحكومية المتفرقة أقرب إلى معالجة مؤقتة لأعراض الأزمة، بدلاً من التعامل مع أسبابها الهيكلية.