نزيف الأموال الساخنة وأعباء الديون وتوترات المنطقة تضاعف الضغوط على الاقتصاد المصري.. ومحللون يحذرون من تداعيات أي مواجهة جديدة مع إيران على الجنيه والموازنة والاستقرار الاجتماعي
تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والإقليمية التي تواجهها مصر فى زمن المنقلب السفيه السيسى، في ظل تداخل أزمات داخلية متراكمة مع توترات إقليمية ودولية متصاعدة، بما يضع نظام عبد الفتاح السيسي أمام تحديات معقدة مع اقتراب نهاية ولايته الثالثة عام 2030، ويعيد فتح التساؤلات بشأن مستقبل بقائه في السلطة، وقدرته على إدارة الأزمات المتزامنة.
وتشير تقديرات محللين إلى أن التحولات السياسية في الولايات المتحدة، واحتمالات تصاعد الضغوط الأمريكية المتعلقة بملف حقوق الإنسان، إلى جانب التوترات المرتبطة بإيران، قد تفرض أعباء إضافية على القاهرة، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي، وتراجع قيمة الجنيه، وتزايد الاعتماد على الاقتراض وتدفقات الأموال الساخنة.
ويرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري، من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة فاتورة الاستيراد، وتراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، فضلاً عن احتمالات تسارع خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، بما يفاقم الضغوط على العملة المحلية والموازنة العامة.
ضغوط أمريكية ومخاوف من مواجهة إقليمية
على الصعيد السياسي، يتوقع محللون أن يؤدي فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي إلى زيادة الضغوط على إدارة المنقلب ، السيسي بشأن مستقبل السلطة بعد عام 2030، مع احتمال إعادة طرح ملف حقوق الإنسان والمساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لمصر، بما في ذلك إمكانية حجب أجزاء منها، على غرار ما حدث في عامي 2021 و2023.
إقليمياً، تزداد المخاوف من تداعيات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية موسعة لطهران، وهو توجه تقول تقارير وتحليلات إنه يحظى بدفع من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويمثل هذا الاحتمال تحدياً إضافياً للاقتصاد المصري، الذي يعاني بالفعل تراجعاً حاداً في قيمة العملة المحلية، بعدما فقد الجنيه نحو 90% من قيمته خلال عشر سنوات، شهدت خمسة قرارات رئيسية لتحرير سعر الصرف منذ عام 2016، وفق تقديرات المصدر.
وتزداد المخاطر مع احتمال اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن التأثير المحتمل على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس والسياحة.
وكان خام برنت قد سجل 105.29 دولارات للبرميل، وفق السعر الوارد في البيانات، فيما يحذر محللون من أن أي تصعيد عسكري قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، ويزيد تكلفة واردات الطاقة المصرية.
وتنعكس هذه التطورات المحتملة على سوق الصرف، إذ يرى محللون أن اتساع المواجهة الإقليمية قد يدفع مزيداً من الأموال الساخنة إلى الخروج من السوق المصرية، ويزيد الضغوط على الجنيه الذي تراجع إلى مستويات تقارب 56 جنيهاً للدولار، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
كما يُهدد ارتفاع أسعار الطاقة بتوسيع عجز الموازنة، الذي تشير البيانات إلى تسجيله نحو 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال أول شهرين من العام المالي 2026/2027، بما قد يضع الحكومة أمام ضغوط جديدة لرفع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات، وهو ما ينعكس بدوره على الأوضاع المعيشية ويزيد احتمالات الاحتقان الشعبي.
تراجع الأموال الساخنة وتفاقم أزمة الديون
وتبدو الصورة الاقتصادية أكثر تعقيداً مع تزايد خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين الحكومية، إذ قدرت بيانات منسوبة إلى بنك «ستاندرد تشارترد» حجم الأموال الساخنة التي خرجت مؤخراً بما يتراوح بين 10 و15 مليار دولار، بعد وصول استثمارات الأجانب في أذون الخزانة إلى مستوى قياسي بلغ 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي.
وساهمت هذه التدفقات الخارجة في زيادة الضغوط على النقد الأجنبي، بالتزامن مع تراجع الجنيه، واتساع عجز الميزان التجاري الذي تجاوز 64 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، وسط توقعات بارتفاعه خلال العام الحالي، مع زيادة فاتورة واردات الطاقة إلى أكثر من 42.4 مليار دولار سنوياً.
وتواجه الحكومة كذلك استحقاقات خارجية ثقيلة، إذ تشير الأرقام الواردة إلى أن أقساط وفوائد الديون الخارجية المستحقة خلال العام المالي الحالي تبلغ نحو 60.9 مليار دولار، في وقت يصل فيه إجمالي الدين الخارجي إلى 166.45 مليار دولار، بما يعادل نحو 1517 دولاراً للفرد وفق التقديرات المذكورة.
ولا تتوقف أعباء الدين عند الالتزامات الخارجية، إذ سجلت فوائد الدين العام نحو 512.2 مليار جنيه خلال شهري يوليو وأغسطس فقط، بما يمثل أكثر من 60% من إجمالي المصروفات العامة البالغة 849.1 مليار جنيه خلال الفترة نفسها، ويعادل نحو 96% من الإيرادات العامة التي بلغت 533.2 مليار جنيه.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، وعن حجم الموارد التي تستنزفها خدمة الدين على حساب الإنفاق على الخدمات والاستثمارات العامة، خصوصاً أن الإيرادات الضريبية تمثل نحو 81.9% من إجمالي الإيرادات، بما يعكس استمرار الاعتماد الكبير على الضرائب في تمويل الموازنة.
ورغم تأكيد حكومة مصطفى مدبولي أنها تستهدف خفض الدين العام، وأنها لا تعتزم طلب برنامج تمويل جديد من صندوق النقد الدولي بعد انتهاء القرض البالغ 8 مليارات دولار بنهاية العام الجاري، فإن تحركات الاقتراض الأخيرة تشير إلى استمرار الاعتماد على التمويل المحلي والخارجي لتغطية الالتزامات المالية.
فقد اقترضت الحكومة نحو 4.3 تريليون جنيه من السوق المحلية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام المالي 2026/2027، وفق وثيقة رسمية اطلعت عليها نشرة «إنتربرايز»، وجرى توجيه الجزء الأكبر من الحصيلة لإعادة تمويل ديون مستحقة.
كما طرحت الحكومة إصدارات دولارية بنحو 500 مليون دولار، بمتوسط أجل يصل إلى خمس سنوات، ووقعت اتفاقية تمويل بقيمة مليار دولار مع البنك الدولي، فيما أقر مجلس النواب قرضاً بقيمة 170 مليون دولار من بنك التنمية الأفريقي، إلى جانب اتفاقية أخرى بقيمة مليوني دولار.
وفي السياق نفسه، طرح البنك المركزي أذون خزانة بقيمة 600 مليون يورو لتوفير سيولة بالعملة الأجنبية، بينما أعلن «أفريكسيم بنك» ضخ نحو 9 مليارات دولار في مصر خلال العام الجاري، مع استهداف زيادة التمويلات إلى 10 مليارات دولار بنهاية العام.
وتثير هذه التحركات تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على تقليص الاعتماد على الاقتراض، في ظل استمرار عجز الموارد الدولارية وتزايد الالتزامات، فضلاً عن توجيه جانب كبير من التمويلات الجديدة إلى سداد ديون سابقة، بدلاً من الاستثمار في قطاعات إنتاجية تضمن موارد مستدامة.
الإمارات ومصالح متعارضة مع القاهرة
وعلى المستوى العربي، تتزايد مؤشرات التباين بين المصالح المصرية والإماراتية في عدد من الملفات الإقليمية، رغم العلاقات الوثيقة التي تربط السيسي بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد، والدعم السياسي والمالي الذي قدمته أبوظبي للقاهرة منذ عام 2013.
وتبرز الخلافات المحتملة في ملفات السودان وإثيوبيا وليبيا واليمن والصومال، حيث تتعارض بعض التحركات الإماراتية مع أولويات الأمن القومي المصري، وفق تقديرات محللين.
وتشير الاتهامات الواردة في هذا السياق إلى تقديم أبوظبي دعماً مالياً واستثمارياً لإثيوبيا، ودعماً لقوات الدعم السريع في السودان، إلى جانب تحركات تتعلق بإقامة قاعدة عسكرية في أرض الصومال، قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في تقرير نشرته في 6 يوليو الماضي، إنها ترتبط بمصالح أمريكية وإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن هذه الملفات تضع القاهرة أمام معادلة صعبة، في ظل اعتمادها السابق على الدعم الإماراتي، مقابل تزايد التباينات في ملفات تمس محيطها الاستراتيجي، خصوصاً السودان وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
كما يتوقع محللون ألا يحصل السيسي على مستوى الدعم المالي والسياسي نفسه الذي تلقته حكومته في السنوات السابقة، مشيرين إلى أن الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي المصري لم تعد قائمة بعد تحويل 11 مليار دولار منها إلى صفقة رأس الحكمة، وفق ما ورد في البيانات المتداولة.
وتعني هذه التطورات، بحسب تقديراتهم، أن القاهرة قد تجد نفسها أمام ضغوط اقتصادية وإقليمية متزامنة، في وقت تتراجع فيه هوامش المناورة المالية، وتزداد حاجتها إلى مصادر تمويل خارجية.
جدل ما بعد 2030 يعود إلى الواجهة
وفي الداخل، تتزامن الأزمات الاقتصادية مع عودة الجدل السياسي بشأن مستقبل السيسي بعد انتهاء ولايته الثالثة عام 2030، خصوصاً بعد تصريحات متكررة أكد فيها أنه لا يعتزم تعديل الدستور للحصول على فترة رئاسية جديدة أو البقاء في الحكم إلى أجل مفتوح.
لكن هذا الهدوء النسبي عاد ليتراجع بعد طرح شخصيات مقربة من النظام، من بينها الصحفي والبرلماني مصطفى بكري، مقترحات تتعلق بتغيير الدستور بالكامل، بما أعاد فتح النقاش حول احتمالات استمرار السيسي في السلطة بعد انتهاء المدة الحالية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تزايد الضغوط المعيشية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهي عوامل يرى مراقبون أنها قد تغذي حالة من الغضب الشعبي، حتى وإن لم تظهر في صورة احتجاجات واسعة في الوقت الراهن.
ويشير هؤلاء إلى أن ما تشهده بعض الدول الأوروبية من تحركات شبابية، بينها احتجاجات مرتبطة بجيل زد في فرنسا وإيطاليا، يعيد طرح التساؤلات بشأن قدرة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على توليد موجات احتجاجية جديدة، خصوصاً مع تزايد الجدل حول مستقبل الحكم في مصر.
وفي مؤشر آخر على تراجع أوضاع الحوكمة والمؤسسات، جاءت مصر في المرتبة الأخيرة عالمياً في مؤشر انفتاح الحكومة، وفي المركز 135 من بين 143 دولة في مؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمي في 23 أكتوبر الماضي، كما احتلت المركز الأخير بين عشر دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شملها المؤشر.
وقال مشروع العدالة العالمي إن النتائج تضع مصر ضمن الدول الأقل أداءً في مجالات المساءلة المؤسسية والحريات المدنية والوصول إلى العدالة، مشيراً إلى القيود المفروضة على المعارضة السياسية والصحافة واستقلال القضاء.
محلل سياسي: الأزمات المتراكمة تضاعف كلفة أي صدمة جديدة
وفي قراءته لتداعيات المشهد، قال الكاتب والمحلل السياسي مجدي الحداد إن إشكالية نظام السيسي تتمثل في أن الأزمات الجديدة لا تأتي بمعزل عن الأزمات السابقة، بل تضيف أعباءها إلى مشكلات متراكمة منذ عام 2013، أو منذ توليه الرئاسة رسمياً عام 2014.
وأوضح الحداد أن أي أزمة إقليمية جديدة، وفي مقدمتها احتمالات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ستضيف أعباء اقتصادية وسياسية إلى وضع داخلي يعاني بالفعل من اختلالات مزمنة، معتبراً أن تأثير هذه التطورات على مصر قد يكون أكبر من تأثيرها على دول أخرى في المنطقة بسبب تراكم المشكلات.
وانتقد الحداد طريقة تعامل الحكومة مع أزمة الطاقة، قائلاً إن الاعتماد على الشراء وقت الحاجة، بدلاً من إبرام تعاقدات طويلة الأجل، يجعل الاقتصاد المصري أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
وأضاف أن الحكومة كان بإمكانها، وفق رؤيته، إبرام عقود مستقبلية لتأمين احتياجاتها من النفط ومشتقاته بأسعار محددة، بما يقلل مخاطر ارتفاع الأسعار المفاجئ ويحمي الموازنة من أعباء إضافية.
وأشار إلى أن ملف الغاز يكشف، بحسب وصفه، عن اختلالات في إدارة التعاقدات، مستشهداً بأزمة تصدير الغاز لإسرائيل في السابق، وما قال إنه ترتب على تعثر تنفيذ تعاقدات التصدير من نزاع دولي.
وأكد الحداد أن معالجة أزمة الوقود لا تكون بالشراء وفق منطق «اليوم بيومه»، وإنما بتأمين الاحتياجات من خلال تعاقدات طويلة الأجل، لافتاً إلى أن الإنتاج المحلي من النفط ومشتقاته لا يغطي سوى نحو 60% من الاحتياجات، فيما يتم استيراد النسبة المتبقية.
كما انتقد اعتماد الحكومة على الأموال الساخنة والاقتراض المحلي والخارجي، إلى جانب التوسع في بيع الأصول ورفع أسعار السلع والخدمات وخفض قيمة الجنيه، معتبراً أن هذه الإجراءات لا تمثل حلولاً مستدامة للأزمة الاقتصادية.
وشدد على أن بناء اقتصاد قادر على مواجهة الصدمات يتطلب توسيع الإنتاج والاستثمار الحقيقي، وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والدولية، بدلاً من الاعتماد على أدوات تمويل مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.
تحذيرات من تشديد القبضة الأمنية مع تصاعد الغضب
من جانبه، قال الناشط الدكتور خالد رفعت، في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، إن نظام السيسي يواجه عدة أزمات متزامنة، في مقدمتها الغضب الشعبي الناتج عن تدهور الأوضاع المعيشية للأغلبية، إلى جانب أزمة الدين الخارجي وتراجع الدعم الخليجي واحتمالات عودة المواجهة العسكرية مع إيران.
وتوقع رفعت أن تكون المرحلة المقبلة أكثر صعوبة على النظام، وأن تنعكس الضغوط المتزايدة في صورة تشديد للإجراءات الأمنية، بهدف منع الاحتجاجات أو الحد من الاعتراضات المنشورة في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، مع تضييق المساحات المتاحة للتعبير عن الغضب.
وفي السياق نفسه، أكدت رئيسة حزب الدستور، وفاء صبري، أن تجاوز الأزمة الاقتصادية يتطلب بناء اقتصاد منتج، وجذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل، وزيادة الموارد المستدامة من النقد الأجنبي.
وانتقدت صبري، عبر حسابها على «فيسبوك»، تأخر الحكومة في اتخاذ خطوات جادة باتجاه هذه الأهداف، مشيرة إلى إهدار مليارات الجنيهات في بناء المدن والمباني والقاعات الفخمة، ومحذرة من التداعيات المحتملة لاندلاع مواجهات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.
وتكشف هذه المواقف، على اختلاف أصحابها، عن اتساع دائرة الانتقادات الموجهة إلى السياسات الاقتصادية للحكومة، وعن تزايد المطالب بالانتقال من الاعتماد على الاقتراض وبيع الأصول إلى نموذج إنتاجي يوفر موارد حقيقية ومستدامة.
وبين ضغوط الديون، وتراجع قيمة الجنيه، واحتمالات تصاعد التوترات الإقليمية، وتباين المصالح مع بعض الحلفاء، يعود سؤال مستقبل الحكم بعد 2030 إلى واجهة المشهد المصري، في وقت تبدو فيه قدرة الحكومة على احتواء الأزمات مرهونة بمعالجة اختلالات اقتصادية ومؤسسية تراكمت على مدار سنوات، وليس فقط بالتعامل مع تداعيات كل أزمة على حدة.