مصر بين مأزق “التأسيس” وتحديات الاستدامة.. من رابعة إلى “فرعون مصر الجديد”

- ‎فيتقارير

بعد مرور أكثر من عقد، تتقاطع قراءة تاريخية مع تقييمات دولية معاصرة، لعل أبرزها ما طرحه الوثائقي الفرنسي-الألماني "السيسي: فرعون مصر الجديد" (بُث في ديسمبر 2025). وهو تقرير يُفكك طبيعة التغيرات التي شهدتها مصر، باحثاً في مدى رسوخ النظام السياسي القائم مقارنة بالضغوط البنيوية التي يواجهها.

ويُمثل السؤال حول ما إذا كانت أحداث رابعة العدوية في أغسطس 2013 "نقطة تحول مؤقتة" أم "لحظة تأسيس لنظام سياسي جديد" جوهر النقاش حول مآلات الدولة المصرية في العقد الأخير.

 

إعادة الهندسة القسرية

ويرى قطاع واسع من المراقبين أن ما بعد أغسطس 2013 لم يكن مجرد استعادة للاستقرار، بل دشنت "مجزرة رابعة" مساراً سياسياً وهيكلياً مغايراً لما قبل 2011. وقد وصفت "هيومن رايتس ووتش" أحداث رابعة بـ"أسوأ عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث" و"جريمة ضد الإنسانية".

وتتجلى مؤشرات "لحظة التأسيس" في ثلاثة مستويات يتعلق الأول منها بمركزية الأمن؛ حيث تحول الجهاز الأمني من طرف متنازع في مشهد محتقن إلى الركيزة المركزية لمنظومة الحكم، فقد توسعت السلطة في استخدام الترسانة التشريعية لإغلاق الفضاء العام وتحصين النظام من أي معارضة منظمة.

أما الثاني فيتعلق بـ"تغيير الخريطة السياسية"، حيث ادى إنهاء الوجود العلني والتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قوة سياسية واجتماعية كبرى تدير السلطة التنفيذية في 2013، إلى تفكيك هيكلي للمشهد الحزبي، مما خلق فراغاً سياسياً ملأته مؤسسات الدولة المركزية.

ثم ثالثا "إعادة هندسة المجال العام"، فبعد الانتقال من سيولة سياسية وميدانية واسعة إلى إطار محكم يضبط الإعلام والاحتجاج بتكلفة عالية، مما يعكس استراتيجية "استدامة" لا "إجراءً مؤقتاً".

 

وثائقي "فرعون مصر الجديد"

في نهاية 2025، قدم الوثائقي "السيسي: فرعون مصر الجديد" تشريحاً قاسياً لهذه اللحظة التأسيسية، معتبراً أن ما جرى لم يؤدِ إلى "دولة قوية" بالمعنى التنموي، بل إلى نظام حكم يخلط بين الجيش والدولة. وركز الفيلم على عدة محاور تعزز فرضية أن رابعة كانت لحظة الانفصال عن مسار التحول الديمقراطي.

وأكد الوثائقي أن استراتيجية المشاريع العملاقة (مثل العاصمة الإدارية) هي "خداع بصري" للتغطية على تدهور ظروف المعيشة، وأن هيمنة الجيش على الاقتصاد أدت إلى نظام هش يعتمد على الإكراه والديون.

ويرى صُنّاع الفيلم أن مصر اليوم أكثر تفاوتًا واستبدادًا من عهد مبارك، حيث تعاني الطبقة الوسطى من تآكل قدراتها الشرائية والتحاقها بطبقات الفقر، وسط تعتيم رسمي على الإحصاءات الحقيقية.

وكشف الوثائقي عن تغير مواقف الغرب (وفرنسا تحديداً) من انتقاد "الانقلاب" بعد رابعة إلى دعم النظام لاعتبارات "مكافحة الإرهاب" و"حراسة الحدود الأوروبية" ضد المهاجرين، معتبراً ذلك تواطؤاً دولياً ساهم في إطالة أمد هذا النظام.

 

مقارنة تحليلية: بين 2013 و2026

تكشف المقارنة بين اللحظتين عن تحول جذري في طبيعة الدولة. فالمعارضة والاحتجاج في 2013، كان الصراع مفتوحاً في الشارع ومفعماً بالطاقة التعبوية، اما في 2026، فانحسر الشارع تماماً تحت وطأة قيود قانونية صارمة، وتحولت المعارضة إلى أفراد أو كيانات هامشية تفتقر لأي أداة للضغط الميداني.

الإعلام: تحول من التعددية الاستقطابية والحادة في 2013 إلى "المركزية الإعلامية" في 2026، حيث تتسم التغطيات بتوافق رسمي يكاد يكون كلياً، مع تراجع كبير في أي صوت مستقل.

المحاسبة والذاكرة: بينما كان مطلب "المحاسبة" عن رابعة قائماً وحاضراً في 2013، تحولت القضية في 2026 إلى ملف مغلق محلياً، مكتفياً بكونها جزءاً من التاريخ الحقوقي الدولي، بينما ترسخت الذكرى في الذاكرة الجمعية كرمزية فارقة دون أن تترجم إلى مسارات سياسية.

 

التأسيس الدائم والأزمات البنيوية

ويتجادل المحللون حول الطبيعة النهائية لهذا التحول؛ فيرى فريق أن "قالب رابعة" أثبت نجاحه في "تثبيت" نظام حكم متماسك أمنياً، متجاوزاً حالة الفوضى التي سادت قبل 2013. هذا الفريق يعتبر أن الدولة أعادت تعريف نفسها بوضوح كدولة أمنية تقايض التنمية بالحرية، وأن الاستقرار الأمني بات هو العنوان الأبرز.

والسلطات الانقلابية لم تصدر حتى الآن رواية رسمية موحدة ومفصلة حول أحداث رابعة، بل اكتفت بمواقف متفرقة تصفها بأنها "مواجهة إرهاب" و"استعادة للاستقرار".

وأشارت تقارير إلى أن غياب الرواية الرسمية المفصلة (بخلاف خطابات السيسي ودراما الاختيار) يترك فراغاً تملؤه الروايات التي تؤكد أن رابعة مذبحة، مما يجعل من الصعب إقناع الرأي العام بأي رواية رسمية.

ومع ذلك، يمكن للتحليل أن يقدم بشكل موجز الموقف الرسمي المصري القائم على ثلاثة محاور: اعتبار 30 يونيو 2013 "تصحيحاً لمسار الثورة" وليس انقلاباً، ووصف فض الاعتصام بأنه إجراء ضروري لمواجهة "الإرهاب" و"العنف"، والتأكيد على أن الاستقرار الأمني الحالي هو ثمرة هذه السياسات.

في المقابل، يرى فريق آخر أن اعتبار رابعة "لحظة تأسيس نهائية" قد يكون قراءة سطحية تتجاهل الضغوط البنيوية العميقة. فالنظام الذي يستند إلى الديون الخارجية، والإنفاق الضخم على البنية التحتية مقابل تدهور المعيشة، وتهميش القوى الاجتماعية، يظل نظاماً هشاً أمام الأزمات الاقتصادية العالمية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن تاريخ مصر منذ 1952 يؤكد أن كل "لحظة تأسيس" هي في الحقيقة محطة مؤقتة في سلسلة من التفاعلات بين الحاكم والمحكوم، وأن الضغوط الاقتصادية الحالية (الديون، الفقر، الهجرة) قد تفرض مستقبلاً معادلات سياسية جديدة.

 

الدعم الخليجي والدولي

وتُعزز آراء بعض المراقبين الدوليين هذه الرؤية، مشيرين إلى أن غياب الضغوط الخارجية لمحاسبة النظام (كما نقد "هيومن رايتس فيرست") أدى إلى استمرار حالة "الاستقرار الهش". إن الاعتماد على الدعم الخليجي والتمويل الدولي لمنع الانهيار الاقتصادي، مع استمرار سياسة "القبضة الحديدية"، يضع النظام في حالة انتظار مستمر للتحديات، مما يجعله -حتى في ظل قوته الظاهرة- في حالة تفاعل دائم مع أزمات لا تملك الأطر السياسية الحالية حلولاً هيكلية لها.

ولعب الدور الخليجي (السعودية والإمارات خصوصاً) دوراً حاسماً في دعم النظام المصري مالياً وسياسياً بعد 2013، ويستمر هذا الدور في تشكيل المعادلة الاقتصادية المصرية. غير أن هذا الاعتماد يخلق هشاشة استراتيجية، إذ يظل الاقتصاد المصري رهينة لقرارات مستثمر إقليمي شبه وحيد.

وتبنى الاتحاد الأوروبي مقاربة "الاستقرار أولاً" تجاه مصر، حيث يقدم الدعم الاقتصادي مقابل لعب القاهرة دور "حارس الحدود الأوروبية" ضد الهجرة غير الشرعية. هذا التوجه يعكس تحولاً في الأولويات الأوروبية من قضايا حقوق الإنسان إلى اعتبارات الأمن والهجرة.

وتتقاطع السياسة الأمريكية تجاه مصر مع أدوار إقليمية متعددة، من الوساطة في غزة إلى إدارة التوازنات مع إسرائيل وإيران. كما أن الصراع في غزة وما يرتبط به من مشاريع تهجير محتملة يضع مصر في مواجهة ضغوط أمريكية-إسرائيلية كبيرة.

ويؤكد تقاطع هذه القراءات؛ أن رابعة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت الفاصل التاريخي الذي نقل مصر من "حالة السيولة" إلى "حالة الضبط الأمني المركزي". ومع ذلك، يظل التساؤل المفتوح الذي طرحه الوثائقي الفرنسي هو المحرك الفعلي للنقاش: إلى متى يمكن لنظام يعتمد على الإكراه والديون وتهميش المجتمع أن يتجنب الانهيار في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ما إذا كانت رابعة لحظة تأسيس أبدي، أم مجرد حلقة في مسار تاريخي مصري لم يغلق بعد.

https://tv.apple.com/ie/movie/el-sisi-egypts-new-pharoah/umc.cmc.1bchj5ensyo22xcmegyv9y3ol

 

تحليل المقارنة

في 2013 (صراع مفتوح في الشارع): كانت المعارضة تعتمد على الشارع كساحة رئيسية للتعبير عن المواقف السياسية، حيث سادت المظاهرات الحاشدة، والاعتصامات، والصدامات المباشرة بين التيارات المختلفة والدولة، وكان الصراع يأخذ طابعاً تعبوياً وجماهيرياً واسع النطاق.

في 2026 (مجال سياسي شديد التضييق): انحسر الصراع المفتوح في الشارع بشكل شبه كامل. تحول شكل المعارضة وأطرافها إلى أفراد أو كيانات هامشية تعمل في مساحات ضيقة للغاية، وسط قيود تنظيمية وقانونية مشددة تحد من حرية الحركة والعمل الحزبي المستقل.

الإعلام

في 2013 (استقطاب حاد): انقسم المشهد الإعلامي بشدة بين منصات تدافع عن مسار 30 يونيو وأخرى تناهضه، وبلغت لغة التجييش والخطاب الحزبي والأيديولوجي ذروتها، حيث لعب الإعلام دوراً تعبوياً مباشراً في المعركة السياسية.

وفي 2026 (سيطرة وضغوط أكبر): اتسم المشهد الإعلامي بمركزية عالية وتوافق واسع في التغطيات والرسائل الإعلامية الرسمية، مع تراجع كبير في التعددية الصحفية والفضائية المستقلة وزيادة الضوابط التنظيمية والقانونية على النشر والمحتوى.

الاحتجاج

في 2013 (مظاهرات ضخمة): شهدت الشارع المصري حشوداً مليونية واحتجاجات ضخمة ومستمرة (سواء في التحرير أو رابعة أو الاتحادية)، وكانت الاحتجاجات أداة رئيسية ومؤثرة في الضغط وتغيير المعادلات السياسية.

في 2026 (تكلفة أمنية وسياسية عالية): تراجعت الاحتجاجات الشعبية والشارعية بشكل غير مسبوق؛ نظراً لوجود تشريعات منظمة للتظاهر وعواقب أمنية وقانونية صارمة، مما جعل أي تحرك احتجاجي يترتب عليه تكاليف باهظة ومخاطر عالية.

الإخوان

في 2013 (قوة سياسية واجتماعية كبيرة): كانت الجماعة تدير السلطة التنفيذية عبر رئيس منتخَب (محمد مرسي)، وتمتلك شبكات تنظيمية واسعة، وتمويلاً، وقواعد شعبية واجتماعية ضخمة امتدت لعقود.

في 2026 (محظورة وملاحقة): صُنفت وتعرّض تنظيمها لتفكيك هيكلي كامل، وتشتت قياداتها بين السجون، أو المنفى الخارجي، أو التواري عن الأنظار، وفقدت حضورها العلني والمؤسسي تماماً في الداخل.

المؤسسة الأمنية

في 2013 (طرف في الصراع): كانت الأجهزة الأمنية والشرطية جزءاً أساسياً من الصراع السياسي المتأزم والمحتقن، وتعرضت لضغوط واستهدافات مباشرة ومواجهات ميدانية مع الاحتجاجات المتعارضة.

في 2026 (مركز أساسي في منظومة الحكم): تُعزز موقع المؤسسة الأمنية وأصبح ركيزة محورية وثابتة في هندسة واستقرار منظومة الحكم والدولة، وبات الاستقرار الأمني يشكل العنوان الأبرز لسياسات الدولة الداخلية.

المحاسبة على رابعة

في 2013 (مطالبات بالتحقيق): طالبت قوى محلية ودولية ومنظمات حقوقية بتحقيقات موسعة وشفافة لمعرفة ملابسات فض الاعتصامات وأعداد الضحايا وتحديد المسؤوليات القانونية.

في 2026 (لا محاسبة حقيقية): أُغلق هذا الملف على المستوى القضائي والسياسي المحلي، وتحولت الأحداث إلى مادة للتأريخ الحقوقي أو الدولي دون وجود مسارات أفقية أو عمودية للمحاسبة أو التحقيق الرسمي داخل مصر.

الذاكرة

في 2013 (حدث حي): كان الحدث يُمثل واقعاً معيشاً لحظياً، وتجربة دموية وصادمة تركت آثاراً آنية مباشرة على النفوس والعلاقات الاجتماعية والسياسية.

في 2026 (ذاكرة سياسية وقضية عدالة): تحولت الأحداث إلى جزء من التاريخ السياسي المعاصر، وثبتت في الذاكرة الجمعية كرمزية فارقة، وتراجع الحضور الميداني ليحل محله النقاش الحقوقي والتاريخي حول العدالة الانتقالية والذاكرة الوطنية.

 

الاقتصاد الكاشف

وتتكشف من الأرقام صورة الاقتصاد الكاشف لادعاءات تخص الاستيلاء على الحكم، حيث  يعتمد بشكل متزايد على الأنشطة الريعية الخدمية بدلاً من القطاعات الإنتاجية، مع تصاعد حاد في الدين الخارجي ونسبة الدين إلى الناتج المحلي، واستمرار الضغوط التضخمية رغم التراجع النسبي. هذا التكوين الاقتصادي الهش يجعل النمو المصري رهينة لعوامل خارجية (أسعار الطاقة، تحويلات المصريين في الخارج، تدفقات الاستثمار الأجنبي) أكثر من كونه مدفوعاً بقدرات إنتاجية داخلية مستدامة

وشهد الدين الخارجي المصري قفزة هائلة خلال العقد الماضي، حيث ارتفع من نحو 46.1 مليار دولار في العام المالي 2013/2014 إلى حوالي 164.7 مليار دولار بحلول العام المالي 2022/2023.

أما نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، فقد ارتفعت من 15.6% في 2013/2014 إلى 40.3% في 2022/2023، وهو ارتفاع حاد يهدد استدامة المالية العامة.

وتشير التوقعات إلى أن الدين الحكومي المصري قد يصل إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2026، وفقاً لنماذج الاقتصاد الكلي. هذا الارتفاع المتسارع يعكس اعتماداً متزايداً على الاقتراض الخارجي لتمويل العجز المزمن في الميزان التجاري والموازنة العامة.

معدل التضخم

واستمرت الضغوط التضخمية في الاقتصاد المصري طوال العقد الماضي، وإن تفاوتت حدتها بين فترة وأخرى. فقد بلغ معدل التضخم 24.6% في العام المالي 2016/2017، وهو العام الذي شهد تعويم الجنيه، ثم تراجع تدريجياً قبل أن يرتفع مجدداً ليصل إلى 25.2% في العام المالي 2022/2023.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن معدل التضخم بلغ نحو 20.4% في العام المالي 2024/2025، مما يعكس استمرار الضغوط التضخمية رغم التراجع النسبي عن ذروته. ويرتبط جزء كبير من هذه الضغوط بأسعار النفط والطاقة العالمية، فضلاً عن التوترات الجيوسياسية الإقليمية التي ترفع تكاليف الاستيراد والتأمين البحري.