وثائق مُسرّبة تكشف مشاركة شخصيات أمنية ودولية وحاخام إسرائيلي في منتدى مغلق.. وتقارير تتحدث عن اتصالات محتملة مع تل أبيب ومقترح لتصدير 50 ألف برميل نفط يومياً.
على خطى، المنقلب السيسى في مصر، و دعمه المطلق للكيان الصهيوني، آخرها، ارسال رئيس مخابراته، لتحذيز، إسرائيل، من هجوم السابع من اكتوبر، تثير ترتيبات عقد اجتماع أمني واستخباراتي دولي رفيع المستوى بمدينة سرت الليبية، خلال الفترة من 19 إلى 22 أكتوبر 2026، تساؤلات سياسية وأمنية تتجاوز العنوان المعلن للمنتدى، والمتعلق بمكافحة الإرهاب، خاصة مع الكشف عن مشاركة شخصيات دولية من بينها حاخام إسرائيلي، بالتزامن مع تقارير صحفية تحدثت عن مساعي صدام حفتر، نجل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لفتح قنوات اتصال مع إسرائيل والحصول على دعم خارجي يعزز طموحاته السياسية.
وكشفت وثيقتان غير منشورتين، قال موقع «عربي بوست» "إنه حصل عليهما من مصدر أمني ليبي، عن تفاصيل المنتدى الذي يحمل عنوان «المنتدى السنوي الأول رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن»، ويُعقد تحت شعار «تطور التهديد الإرهابي وآليات الوقاية والاستجابة»".
وتبرز أهمية الاجتماع المرتقب في طبيعة الشخصيات المدرجة ضمن برنامجه، وفي مقدمتها صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة لوالده، وحسين العايب، الذي تقدمه الوثائق بصفته رئيس جهاز المخابرات الليبية، إلى جانب الحاخام الإسرائيلي ديفيد روزن، وألكسندر زويف، القائم بأعمال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.
ورغم أن الوثائق لا تتضمن أي اتفاق معلن مع إسرائيل، فإن توقيت الاجتماع وخلفيات بعض المشاركين فيه يفتحان الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت سرت تتحول إلى ساحة جديدة للاتصالات السياسية والأمنية غير المعلنة، في ظل تنافس الأطراف الليبية على النفوذ والاعتراف الدولي.
وثائق سرية تكشف تفاصيل الاجتماع
تحمل الوثيقة الأولى، بحسب «عربي بوست»، تاريخ 9 أكتوبر 2026، وتصنيف "خاص محدود الاطلاع"، وتتضمن ترتيبات لعقد اجتماع أمني في مدينة سرت، بمشاركة قيادات ليبية وشخصيات دولية.
أما الوثيقة الثانية، فتتضمن البرنامج التفصيلي للمنتدى، الذي يبدأ بوصول الوفود المشاركة في 19 أكتوبر، وإقامة حفل استقبال مساء اليوم نفسه، قبل انطلاق الجلسات الرسمية صباح 20 أكتوبر.
وبحسب البرنامج، يتصدر صدام حفتر الجلسة الافتتاحية، إلى جانب حسين العايب وألكسندر زويف، في ظهور يمنح نجل خليفة حفتر فرصة لتقديم نفسه أمام مسؤولين أمنيين ودوليين باعتباره أحد أبرز الفاعلين في المشهد الليبي.
ويتضمن الافتتاح عرضاً مرئياً يستمر سبع دقائق، يستعرض العمليات العسكرية التي نفذتها قوات حفتر ضد التنظيمات المسلحة في بنغازي وسرت ومناطق أخرى، مع التركيز على ما يصفه البرنامج بالانتقال من مرحلة مكافحة الإرهاب إلى الاستقرار وإعادة الإعمار.
ويبدو أن هذا العرض يستهدف إبراز الدور الأمني والعسكري للقوات التابعة لحفتر، في وقت يسعى فيه معسكر الشرق الليبي إلى تعزيز موقعه في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
جلسات مغلقة واجتماعات ثنائية بعيداً عن الإعلام
من أبرز التفاصيل التي كشفتها الوثائق النص على مغادرة الفرق الإعلامية قاعة الاجتماعات عقب انتهاء الجلسة الافتتاحية، وقبل بدء المداولات الرئيسية بين رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
كما ينص البرنامج على تخصيص غرف لعقد اجتماعات ثنائية بين المشاركين، بناءً على طلبهم، وهو ما يتيح إجراء مشاورات جانبية بعيداً عن الجلسات الرسمية.
ورغم أن هذه الترتيبات مألوفة في الاجتماعات الأمنية والاستخباراتية، فإنها تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى وجود شخصيات ذات خلفيات سياسية ودينية ودولية مختلفة، وفي مقدمتها الحاخام الإسرائيلي ديفيد روزن.
وتشمل المناقشات المعلنة تطورات نشاط تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وانتقال المقاتلين الأجانب، واستخدام الفضاء الإلكتروني والعملات الرقمية في تمويل الجماعات المسلحة، إضافة إلى قضايا الهجرة غير النظامية والتحديات الأمنية المشتركة.
كما يتضمن المنتدى جلسات تتناول التحريض ضد المكونات الدينية والعرقية، ودور القيادات الدينية في المصالحة، والعلاقة بين النزاعات الأهلية والتنظيمات المسلحة، فضلاً عن دور المجتمع المدني والنساء في بناء السلام.
لكن الوثائق لا تحدد بصورة نهائية أسماء جميع المتحدثين ومنسقي الجلسات، كما لا تعرض برنامجاً مستقلاً ليوم 22 أكتوبر، رغم إدراجه ضمن المدة المعلنة للاجتماع.
الحاخام الإسرائيلي في سرت.. حضور يثير التساؤلات
يثير إدراج اسم الحاخام الإسرائيلي ديفيد روزن ضمن الشخصيات المشاركة في المنتدى تساؤلات بشأن طبيعة الاتصالات التي قد يشهدها الاجتماع، خاصة في ظل غياب علاقات دبلوماسية رسمية بين ليبيا وإسرائيل، واستمرار الرفض الشعبي الليبي للتطبيع.
ويأتي هذا الحضور في وقت تناولت فيه تقارير صحفية سابقة احتمالات وجود قنوات اتصال بين شخصيات مقربة من معسكر حفتر ومسؤولين إسرائيليين.
غير أن وجود شخصية إسرائيلية في منتدى يتناول قضايا الأمن والحوار الديني لا يمثل، في حد ذاته، دليلاً على مفاوضات سياسية أو ترتيبات للتطبيع.
كما أن الوثائق المنشورة لا تثبت وجود لقاء ثنائي مرتقب بين صدام حفتر والحاخام الإسرائيلي، أو مشاركة الأخير بصفة رسمية ممثلاً للحكومة الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن إدراج اسمه ضمن منتدى تستضيفه منطقة خاضعة لنفوذ قوات حفتر يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المشاركة، والجهة التي وجهت الدعوة، وما إذا كان الحضور يقتصر على الحوار الديني أم يمتد إلى اتصالات أوسع.
صدام حفتر يبحث عن شرعية دولية
لا يمكن فصل الاجتماع المرتقب عن التحركات الخارجية المتزايدة لصدام حفتر، الذي يسعى إلى توسيع علاقاته الإقليمية والدولية، وتعزيز موقعه داخل المعادلة السياسية الليبية.
ففي 29 سبتمبر 2026، نشرت وكالة «نوفا» الإيطالية تقريراً بعنوان «الخطة الأميركية لليبيا تفقد زخمها وصدام حفتر يبحث عن دعم بين واشنطن وإسرائيل».
ونقلت الوكالة عن مصدر مطلع على التطورات السياسية والأمنية الليبية أن صدام حفتر يسعى إلى تعزيز علاقاته بالولايات المتحدة، بالتوازي مع استكشاف إمكانية فتح قناة اتصال إسرائيلية تمنحه مساحة إضافية للمناورة السياسية.
وربط التقرير هذه التحركات بتعثر التفاهمات المتعلقة بمستقبل السلطة التنفيذية في ليبيا، وبمناقشات حول ترتيبات انتقالية قد تمتد إلى 36 شهراً.
وتضمنت التصورات المتداولة، بحسب التقرير، احتمال تشكيل سلطة جديدة يتولى فيها عبد الحميد الدبيبة رئاسة الحكومة، بينما يحصل صدام حفتر على رئاسة المجلس الرئاسي.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل ليبيا، من خلال تفاهمات سياسية تحظى بدعم أطراف خارجية.
وفي هذا السياق، قد يمثل اجتماع سرت فرصة لصدام حفتر لتعزيز حضوره الدولي، وتقديم نفسه بوصفه شريكاً أمنياً يمكن الاعتماد عليه في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود والهجرة غير النظامية.
لكن هذه القراءة تظل تحليلاً للسياق السياسي المحيط بالمنتدى، ولا تعني أن الاجتماع خُصص لدعم طموحات صدام حفتر أو التمهيد لتوليه منصب سياسي.
النفط الليبي يدخل على خط الاتصالات مع إسرائيل
تزداد التساؤلات بشأن التحركات الخارجية لمعسكر حفتر مع ظهور تقارير تتناول مقترحات لربط التعاون الأمني والعسكري بمصالح اقتصادية ونفطية مع إسرائيل.
فقد تناول تقرير سابق لوكالة "نوفا" الإيطالية مقترحاً وضعه محلل أميركي إسرائيلي، يتضمن توريد نحو 50 ألف برميل من النفط الليبي يومياً إلى إسرائيل، مقابل ترتيبات عسكرية وأمنية تشمل توفير الحماية لخليفة حفتر.
ويمثل هذا المقترح، إذا تحول إلى تفاهم رسمي، تطوراً بالغ الحساسية في العلاقات الإقليمية، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للنفط الليبي، وغياب العلاقات الرسمية بين طرابلس وتل أبيب.
لكن من الضروري التمييز بين طرح المقترح والتوصل إلى اتفاق بشأنه؛ إذ لا تتضمن الوثائق المتعلقة باجتماع سرت أي إشارة إلى تصدير النفط لإسرائيل، أو مفاوضات بشأن ترتيبات عسكرية مقابل إمدادات نفطية.
كما لا توجد في المعلومات الواردة أدلة تثبت موافقة خليفة حفتر أو صدام حفتر على المقترح، أو دخوله مرحلة التنفيذ.
ومع ذلك، فإن تزامن تداول هذه الأفكار مع تقارير عن اتصالات سياسية محتملة يسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن تلعبه الثروات الليبية في حسابات الأطراف الإقليمية والدولية المتنافسة.
مكافحة الإرهاب أم إعادة تقديم معسكر حفتر؟
يحمل اختيار مدينة سرت لاستضافة المنتدى دلالات سياسية وأمنية، باعتبارها إحدى المدن التي شهدت مواجهات عنيفة مع تنظيم «داعش»، قبل أن تصبح لاحقاً منطقة ذات أهمية استراتيجية في خريطة النفوذ العسكري الليبي.
كما أن تنظيم مؤتمر دولي لرؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن يوفر فرصة للجهات المستضيفة لإبراز قدرتها على إدارة ملفات أمنية تتجاوز الحدود الليبية.
ومن خلال التركيز على مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والتعاون الاستخباراتي، يستطيع معسكر حفتر مخاطبة أولويات تحظى باهتمام الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي داخل ليبيا، وتعثر الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات عامة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
ومن ثم، يمكن النظر إلى المنتدى باعتباره فرصة لتعزيز المكانة السياسية والأمنية للقوى المسيطرة على شرق ليبيا، إلى جانب أهدافه الأمنية المعلنة.
غير أن تحديد النتائج الفعلية للاجتماع يظل مرهوناً بما سيصدر عنه من بيانات أو تفاهمات، وبطبيعة اللقاءات التي قد تعقد على هامشه.
تساؤلات بشأن الدور الأممي
يثير إدراج اسم ألكسندر زويف، القائم بأعمال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ضمن المتحدثين في الجلسة الافتتاحية تساؤلات بشأن مستوى المشاركة الدولية في المنتدى.
فوجود مسؤول أممي رفيع المستوى، حال تأكيد مشاركته، يمنح الاجتماع ثقلاً مؤسسياً، ويعكس اهتماماً دولياً بمناقشة التحديات الأمنية في ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا.
لكن إدراج اسم مسؤول أممي في برنامج الاجتماع لا يعني بالضرورة تبني الأمم المتحدة للمواقف السياسية للجهات المنظمة، أو منحها اعترافاً سياسياً يتجاوز الأطر الرسمية المعتمدة.
كما أن الوثائق لا توضح ما إذا كانت المشاركة الأممية قد تأكدت بصورة نهائية، أو طبيعة التنسيق الذي جرى بشأن تنظيم المنتدى.
وتبقى هذه التفاصيل مهمة لتحديد ما إذا كان الاجتماع يمثل منصة أمنية دولية متعددة الأطراف، أم مناسبة يسعى من خلالها معسكر حفتر إلى تعزيز حضوره السياسي الخارجي.
ليبيا بين صراع السلطة وحسابات القوى الخارجية
يأتي الكشف عن اجتماع سرت في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً، وتنافساً بين مراكز النفوذ المختلفة على إدارة الدولة والسيطرة على مواردها الاقتصادية.
وفي ظل تعثر المسار الانتخابي، تتزايد أهمية العلاقات الخارجية في حسابات القوى المحلية التي تسعى إلى تحسين مواقعها في أي تسوية سياسية محتملة.
ويبدو صدام حفتر أحد أبرز الشخصيات التي تتحرك داخل هذه المعادلة، مستفيداً من موقعه العسكري ونفوذ والده في شرق ليبيا، ومحاولاً توسيع شبكة علاقاته مع الأطراف الدولية.
وتثير التقارير المتعلقة بإمكانية فتح قنوات اتصال مع إسرائيل حساسية إضافية، بالنظر إلى موقف قطاعات واسعة من المجتمع الليبي الرافض للتطبيع، وإلى الجدل الذي سبق أن أثارته اتصالات ليبية إسرائيلية.
لكن الانتقال من الحديث عن اتصالات محتملة إلى الجزم بوجود اتفاقات سرية يحتاج إلى أدلة مستقلة، لا توفرها الوثيقتان المتعلقتان بمنتدى سرت.
هل تتحول سرت إلى بوابة لتفاهمات جديدة؟
تكشف الوثائق، في حدود المعلومات التي أوردها «عربي بوست»، عن ترتيبات لاجتماع أمني دولي يجمع شخصيات ليبية وأممية ودينية وأمنية، في توقيت تشهد فيه الساحة الليبية تحركات سياسية متشابكة.
وبينما يقدم البرنامج المنتدى باعتباره منصة لمناقشة مكافحة الإرهاب والتحديات الأمنية، فإن خلفيات بعض المشاركين والتقارير السابقة بشأن تحركات صدام حفتر تفتح الباب أمام تساؤلات حول الأبعاد السياسية المحتملة للاجتماع.
وتتركز أبرز هذه التساؤلات حول طبيعة المشاركة الإسرائيلية، وإمكانية عقد لقاءات جانبية، ومدى ارتباط التحركات الخارجية لصدام حفتر بمساعيه للحصول على دور أكبر في مستقبل السلطة الليبية.
كما يظل ملف النفط حاضراً في خلفية المشهد، في ضوء المقترحات التي تناولتها تقارير صحفية بشأن إمكانية توظيف الإمدادات النفطية في ترتيبات أمنية وسياسية إقليمية.
وبين مكافحة الإرهاب والبحث عن الدعم الخارجي، يبقى السؤال الأبرز: هل يقتصر اجتماع سرت على التنسيق الأمني المعلن، أم يتحول إلى محطة جديدة في مساعي صدام حفتر لتعزيز نفوذه وفتح قنوات اتصال دولية مثيرة للجدل، بما فيها إسرائيل؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها الوثائق وحدها، وإنما ما ستكشف عنه نتائج المنتدى وطبيعة اللقاءات التي ستجري على هامشه، وما إذا كانت ستفضي إلى تفاهمات تتجاوز الملفات الأمنية المعلنة.