بعد نحو 15 عاماً على الثورة التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تعود شعارات «شغل، حرية، كرامة وطنية» إلى الشوارع مجدداً، في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي والسياسي من الأوضاع التي تعيشها البلاد تحت حكم الرئيس قيس سعيّد، منذ استحواذه على السلطات في 25 يوليو 2021، وما أعقب ذلك من إجراءات استثنائية اعتبرتها قوى سياسية انقلاباً على الدستور والمؤسسات الديمقراطية.
وتشهد تونس، اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، تحركاً احتجاجياً واسعاً بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل، وبمشاركة طيف كبير من الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والحقوقية ومكونات المجتمع المدني، في محاولة لتوحيد الجهود لمواجهة الانسداد السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الحريات العامة.
وتكتسب المسيرة أهمية استثنائية بالنظر إلى طبيعة القوى المشاركة فيها، إذ تجمع أطرافاً سياسية ونقابية وحقوقية تختلف في توجهاتها الفكرية ومواقفها السياسية، لكنها تلتقي هذه المرة عند المطالبة بإنهاء حالة الانغلاق السياسي، واستعادة الحريات، وفتح حوار وطني جاد، ووضع حد للتدهور المعيشي الذي يثقل كاهل التونسيين.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب بين قوى المعارضة والمنظمات الوطنية يمثل تطوراً مهماً في المشهد التونسي، بعدما ظلت التحركات الاحتجاجية خلال السنوات الماضية متفرقة، وتقتصر في الغالب على قطاعات مهنية أو تنظيمات سياسية بعينها.
وتتجه الأنظار إلى حجم المشاركة الشعبية في المسيرة، وما إذا كانت ستشكل بداية مرحلة جديدة من الاحتجاجات المنظمة، أم ستظل تحركاً رمزياً محدود التأثير، في ظل استمرار السلطة في رفض الحوار مع معارضيها.
عودة شعارات الثورة.. الغضب يتجدد بعد 15 عاماً
تعيد مسيرة 17 أكتوبر إلى الواجهة الشعارات التي ارتبطت بالثورة التونسية، التي انطلقت شرارتها في ديسمبر 2010، وانتهت بسقوط نظام بن علي في 14 يناير 2011.
ورغم مرور نحو عقد ونصف على تلك الأحداث، فإن المطالب الأساسية المتعلقة بالعمل والحرية والعدالة الاجتماعية لا تزال حاضرة بقوة في الشارع التونسي، وسط شعور متزايد لدى قطاعات من المجتمع بأن الأوضاع السياسية والاقتصادية لم تحقق التطلعات التي رفعتها الثورة.
وتأتي الاحتجاجات في ظل انتقادات متصاعدة لسياسات قيس سعيّد، الذي اتخذ في يوليو 2021 إجراءات شملت تجميد البرلمان وإقالة الحكومة، قبل أن يمضي في إعادة تشكيل النظام السياسي وإقرار دستور جديد عام 2022، وسط رفض قوى معارضة اعتبرت تلك الإجراءات تقويضاً للمسار الديمقراطي.
ومنذ ذلك الحين، تشهد تونس خلافات سياسية حادة، ترافقت مع ملاحقات قضائية لعدد من المعارضين والنشطاء، واتهامات حقوقية للسلطات بتضييق المجال العام وتقليص هامش الحريات.
وفي المقابل، يدافع سعيّد عن مساره السياسي باعتباره محاولة لتصحيح اختلالات المرحلة السابقة ومواجهة الفساد، بينما ترى المعارضة أن تركيز السلطات في مؤسسة الرئاسة عمّق الأزمة السياسية وأضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة.
تحذيرات من انفجار اجتماعي
تتصاعد التحذيرات داخل الأوساط السياسية والنقابية من أن استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بالتزامن مع إغلاق قنوات الحوار السياسي، قد يدفع البلاد نحو انفجار اجتماعي يصعب احتواؤه.
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، أن مسيرة 17 أكتوبر تختلف عن التحركات السابقة، نظراً إلى قيادتها من جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، ومشاركة منظمات وطنية ذات ثقل تاريخي، من بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين.
وأوضح المغزاوي أن التظاهر حق دستوري مشروع، مشيراً إلى أن الأزمة التي تعيشها تونس لم تعد مقتصرة على قطاع أو فئة اجتماعية بعينها، بل امتدت إلى مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وانتقد ما وصفه بحالة الانغلاق السياسي والتراجع عن الحريات، مؤكداً أن المجتمع التونسي بات مطالباً بالدفاع عن نفسه وعن المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها البلاد خلال الصيف كانت بالغة الصعوبة، في ظل استمرار ملفات عالقة دون حلول واضحة من جانب السلطات.
وشدد المغزاوي على أن مشاركة حركة الشعب في المسيرة تأتي تعبيراً عن رفض استمرار الأوضاع الراهنة، محذراً من أن الصمت الشعبي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
وتوقع أن تتبع هذه المسيرة تحركات احتجاجية أخرى، في إشارة إلى احتمال انتقال المعارضة من الاحتجاجات المتفرقة إلى مسار أكثر تنظيماً واستمرارية.
المعارضة تتوحد.. بداية كسر حاجز الخوف
يمثل اتساع المشاركة السياسية والمدنية أحد أبرز ملامح التحرك الجديد، بعدما باتت قوى متعددة ترى أن العمل المنفرد لم يعد كافياً لتحقيق المطالب أو حماية الحقوق والحريات.
وقال المتحدث باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، إن مسيرة 17 أكتوبر تتميز بثقل المنظمات الداعية إليها وعراقتها التاريخية، فضلاً عن اجتماع قوى تمثل قطاعات وتوجهات مختلفة حول شعارات مشتركة.
واعتبر الصغير أن هذا التقاطع الوطني يشكل مؤشراً مهماً على استعادة المجتمع المنظم لدوره، بعد التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ 25 يوليو 2021، موضحًا أن القضية لم تعد تقتصر على توحيد المطالب الاجتماعية والسياسية، وإنما تتعلق باستعادة القدرة الجماعية على التأثير في مستقبل البلاد.
وأشار إلى أن المسيرة قد تمثل نقطة تحول من مرحلة رد الفعل على قرارات السلطة إلى مرحلة المبادرة والفعل السياسي والمجتمعي.
لكنه شدد على أن نجاح التحرك لا يمكن قياسه بعدد المشاركين وحده، وإنما بقدرة القوى المنظمة على البناء عليه، وتطوير خطة عملية تضمن استمرار التنسيق وتوسيع المشاركة الشعبية.
ورأى الصغير أن تجاوز الخلافات بين القوى السياسية والمدنية وكسر حاجز الخوف يمثلان شرطين أساسيين لتحويل الاحتجاج إلى قوة ضغط حقيقية.
لا أحد يستطيع المواجهة بمفرده
من جانبه، قال عضو تحرك «نَفَس»، حسام الحامي، إن تونس شهدت خلال السنوات الماضية احتجاجات متعددة قادتها تنظيمات سياسية ومهنية ومدنية، لكنها ظلت في معظمها محصورة في مطالب قطاعية.
وأوضح أن الاتحاد العام التونسي للشغل وهيئة المحامين والأطباء الشبان والمعطلين عن العمل، إلى جانب الأحزاب السياسية، خاضت تحركات مختلفة للدفاع عن حقوق منتسبيها، دون أن تحقق الاستجابة المطلوبة من السلطة.
وأضاف أن التجارب السابقة دفعت مختلف الأطراف إلى الاقتناع بأن أي جهة لا تستطيع بمفردها فرض مطالبها أو الدفاع عن الحقوق والحريات.
ووصف الحامي المشهد السياسي الحالي بأنه يتسم بالانغلاق وتراجع الحريات، بالتزامن مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا أن الجديد في مسيرة 17 أكتوبر يتمثل في التقارب الواسع بين القوى السياسية والمدنية حول مطالب مشتركة، معتبراً أن هذا التطور قد يؤسس لمرحلة جديدة من النضال المدني السلمي.
وانتقد الحامي طريقة تعامل السلطة مع الأزمات، متهماً إياها بالهروب إلى الأمام وتحميل مسؤولية الإخفاقات لأطراف تصفها بالمتآمرين والخونة.
وأشار إلى أن هذه الخطابات لم تعد مقنعة لقطاعات واسعة من التونسيين، بما في ذلك بعض الذين سبق لهم تأييد إجراءات 25 يوليو 2021.
وشدد على أن المسيرة ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما محطة أولى قد تتبعها خطوات احتجاجية أخرى، بهدف دفع السلطة إلى الحوار والتراجع عن السياسات التي تعمق الأزمة.
جبهة الخلاص: لا إنقاذ للاقتصاد دون إنهاء الانسداد السياسي
في مؤشر على اتساع دائرة التأييد للتحرك، أعلنت جبهة الخلاص الوطني مساندتها للمسيرة، داعية القوى السياسية والمدنية إلى تجاوز خلافاتها والالتقاء حول الحد الأدنى من المطالب الوطنية.
وأكدت الجبهة، في بيان، أن المسئولية الوطنية تقتضي التخلي عن الاصطفافات الضيقة والتنافس على المواقع، والعمل على إنقاذ البلاد واستعادة الحريات والمؤسسات.
وشددت على أن معالجة الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن معالجة الأزمة السياسية، معتبرة أن استمرار الإقصاء والانغلاق يقوض فرص الاستقرار.
وأوضحت أن تونس لا تحتاج إلى مزيد من تركيز السلطات، وإنما إلى استعادة مؤسسات الدولة لدورها، وضمان حقوق المجتمع، وتمكين الشعب من تقرير مصيره.
ويعكس هذا الموقف توجهاً متنامياً لدى قوى المعارضة نحو الربط بين التدهور الاقتصادي والاجتماعي وبين طبيعة النظام السياسي القائم، بدلاً من التعامل مع الأزمات باعتبارها ملفات منفصلة.
الأحزاب السياسية تدعو إلى النزول بكثافة
كانت أحزاب سياسية متعددة قد أعلنت مشاركتها في المسيرة الوطنية، في خطوة تعكس اتساع دائرة الرفض للسياسات الحالية.
وأكد الحزب الجمهوري أن مشاركته تأتي دفاعاً عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ودعا الحزب مناضليه وأنصاره إلى الحضور بكثافة، معلناً دعمه المبادرات الرامية إلى كسر حالة الانسداد السياسي والاجتماعي، ووقف التراجع عن مكتسبات الثورة.
كما دعت حركة «حق» هياكلها وأنصارها إلى المشاركة الفاعلة والمسؤولة في المسيرة، مؤكدة ضرورة تغليب المصلحة الوطنية.
وأعلنت حركة الشعب مساندتها للتحرك الاجتماعي، وحثت أنصارها على المشاركة الواسعة، فيما أكد تحرك «نَفَس» انخراطه في المسيرة دفاعاً عن العمل والحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية. كذلك أعلن ائتلاف صمود مشاركته في التحرك الذي دعا إليه اتحاد الشغل والمنظمات الوطنية.
وكانت ثمانية أحزاب قد أعلنت، خلال اجتماع عقد في 8 أكتوبر، مشاركتها في المسيرة، وهي: المسار، والقطب، والاشتراكي، والعمال، والتيار الديمقراطي، والجمهوري، وآفاق تونس، والتكتل.
وتشير هذه المشاركة إلى وجود مساحة متزايدة للتنسيق بين قوى سياسية تختلف في مرجعياتها وبرامجها، لكنها تتفق على ضرورة مواجهة حالة الانسداد السياسي والدفاع عن الحريات.
المحامون والأطباء يدخلون على خط الاحتجاج
لم تقتصر الدعوات إلى المشاركة على الأحزاب السياسية، بل امتدت إلى منظمات مهنية وحقوقية ذات تأثير واسع في المجتمع التونسي.
فقد دعا عميد المحامين التونسيين، بوبكر بالثابت، المحامين إلى المشاركة الواسعة في المسيرة، دون تردد أو خوف.
وأوضح أن انخراط المحامين يأتي احتجاجاً على رفض الحوار واستهداف قطاع المحاماة وعدد من القطاعات المهنية الأخرى، معتبرًا أن التحرك يعكس وحدة جهود المجتمع المدني للدفاع عن الحق في العيش بكرامة، مؤكداً أهمية الحضور الميداني في مواجهة التحديات الراهنة.
بدورها، أعلنت المنظمة التونسية للأطباء الشبان انخراطها في التحركات المدنية والسلمية المشتركة مع مختلف مكونات المجتمع المدني.
وشددت المنظمة على ضرورة الالتزام بالطابع السلمي والمنظم للمسيرة، واحترام المسار المحدد والشعارات المتفق عليها، بما يضمن وحدة التحرك وحسن سيره.
وتكتسب مشاركة هذه المنظمات أهمية خاصة، نظراً إلى قدرتها على حشد قطاعات مهنية واجتماعية تتجاوز القواعد التقليدية للأحزاب السياسية.
العفو الدولية تحذر من قمع الاحتجاجات
على الصعيد الحقوقي، أعلنت منظمة العفو الدولية، فرع تونس، مشاركتها في المسيرة استجابة لدعوة الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني.
وأكدت المنظمة أن حرية التعبير والتجمع السلمي من الحقوق الأساسية التي يتعين على السلطات احترامها وضمان ممارستها.
وطالبت بوقف قمع التحركات السلمية وملاحقة المشاركين فيها، واحترام حق المواطنين في الاحتجاج والتنظيم والتعبير عن آرائهم بحرية.
ورفعت المنظمة شعار «لا خوف ولا رعب، الشارع ملك الشعب»، في تأكيد أهمية حماية الحق في التظاهر السلمي.
كما أعلن حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد مشاركته في المسيرة، دفاعاً عن الحق في التظاهر والنضال السياسي والاجتماعي والتفاوض، ورفضاً لسياسات التقشف.
وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار الانتقادات الحقوقية لتراجع الحريات العامة في تونس، والمخاوف من استخدام الإجراءات الأمنية والقضائية لتقييد النشاط السياسي والمدني.
النهضة تدعو إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين
من جانبها، دعت حركة النهضة أنصارها إلى المشاركة في تحرك 17 أكتوبر بساحة محمد علي، في العاصمة تونس.
وأكد المتحدث باسم الحركة، عماد الخميري، أن الدفاع عن مطالب العمال والشغالين والمعطلين عن العمل، إلى جانب مطالب القطاعات المهنية المختلفة، لا ينبغي أن يقتصر على التضامن اللفظي، مشددًا على ضرورة الحضور الميداني والنزول إلى الشارع، مع التمسك بالنضال المدني والسلمي.
ودعا الخميري إلى المطالبة بالعمل والحرية والكرامة الوطنية، إلى جانب إطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
وتكتسب مشاركة أنصار النهضة أهمية في ظل استمرار الخلافات الحادة بين الحركة والسلطة، وما شهدته السنوات الماضية من توقيفات وملاحقات قضائية طاولت قيادات سياسية معارضة.
كما تعكس الدعوة اتساع نطاق المشاركة في التحرك ليشمل قوى سياسية كانت على خلافات عميقة خلال مرحلة ما بعد الثورة.
الاتحاد العام للشغل.. عودة القوة النقابية إلى قلب المواجهة
يمثل الاتحاد العام التونسي للشغل أحد أبرز الأطراف في الحراك الجديد، بالنظر إلى مكانته التاريخية ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية.
فالاتحاد لم يكن مجرد منظمة نقابية تدافع عن حقوق العمال، وإنما لعب أدواراً محورية في محطات سياسية مفصلية، من بينها الحوار الوطني الذي ساهم في تجاوز الأزمة السياسية عام 2013.
وقد حاز الاتحاد، ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني التونسي، جائزة نوبل للسلام عام 2015، تقديراً لدوره في دعم الانتقال الديمقراطي.
وتمنح قيادة الاتحاد للتحرك الحالي ثقلاً إضافياً، خصوصاً مع انضمام منظمات وطنية وحقوقية وأحزاب سياسية إلى الدعوة.
ويرى معارضون أن هذا التقارب قد يعيد للمنظمات الوسيطة قدرتها على التأثير في القرار السياسي، بعدما تراجع دورها خلال السنوات الماضية.
غير أن قدرة الاتحاد وحلفائه على تحويل المسيرة إلى مسار مستمر ستظل مرتبطة بمدى اتفاقهم على مطالب واضحة وآليات مشتركة للتحرك، في ظل التباينات السياسية والفكرية بين المشاركين.
أزمة اقتصادية واجتماعية تغذي الغضب الشعبي
لا تنفصل عودة الاحتجاجات عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها تونس، والتي تشكل أحد المحركات الأساسية للغضب الشعبي.
فالمطالب المتعلقة بتوفير فرص العمل وتحسين الأجور وحماية القدرة الشرائية وضمان الخدمات العامة لا تزال تحتل موقعاً متقدماً في الخطاب النقابي والسياسي.
وتتهم قوى معارضة السلطات بالعجز عن تقديم حلول فعالة للأزمات المعيشية، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية على الأسر والقطاعات المهنية.
كما ترى هذه القوى أن غياب الحوار الاجتماعي والسياسي يزيد من صعوبة التوصل إلى تسويات بشأن الملفات العالقة، ويفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان.
ويحذر ناشطون ونقابيون من أن استمرار تدهور الظروف المعيشية، بالتزامن مع تضييق المجال السياسي، قد يدفع قطاعات اجتماعية جديدة إلى الانخراط في الاحتجاجات.
وفي هذا السياق، تحمل عودة شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» دلالة تتجاوز البعد الرمزي، إذ تعكس ارتباط المطالب الاقتصادية والاجتماعية بالحريات السياسية والحقوق المدنية.
هل تكون مسيرة 17 أكتوبر بداية موجة احتجاجية جديدة؟
تطرح المسيرة المرتقبة تساؤلات بشأن مستقبل المشهد السياسي التونسي، ومدى قدرة القوى المشاركة على استثمار هذا التقارب في بناء حركة احتجاجية أوسع.
فنجاح المسيرة في حشد أعداد كبيرة قد يمنح المعارضة والمنظمات الوطنية دفعة معنوية وسياسية، ويعزز قدرتها على الضغط من أجل فتح حوار بشأن الأزمات القائمة.
لكن هذا النجاح، وفق تقديرات عدد من المشاركين في التحرك، لن يكون كافياً بمفرده لإحداث تغيير ملموس، ما لم يتبعه تنسيق مستمر وخطوات عملية ومطالب محددة.
وتواجه القوى المشاركة تحديات تتعلق باختلاف أولوياتها السياسية والاجتماعية، فضلاً عن ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للتحركات وتوسيع المشاركة الشعبية خارج الأطر الحزبية والنقابية.
وفي المقابل، ستشكل طريقة تعامل السلطة مع المسيرة اختباراً مهماً لموقفها من الاحتجاجات ومن مطالب القوى السياسية والمدنية.
فإما أن تتجه إلى فتح قنوات للحوار والاستجابة لبعض المطالب، وإما أن يستمر الانغلاق السياسي، بما قد يزيد احتمالات التصعيد خلال الفترة المقبلة.
تونس أمام مفترق طرق
بعد 15 عاماً من الثورة التي فتحت الباب أمام تجربة ديمقراطية غير مسبوقة في المنطقة العربية، تجد تونس نفسها مجدداً أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بمستقبل الحريات والعدالة الاجتماعية وطبيعة النظام السياسي.
وتكشف العودة الواسعة لشعارات الثورة أن المطالب التي دفعت التونسيين إلى الشوارع قبل عقد ونصف لم تفقد حضورها، وأن قطاعات من المجتمع لا تزال ترى أن تحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية يتطلب تغييراً في السياسات القائمة.
كما يشير اجتماع قوى سياسية ونقابية وحقوقية متعددة تحت مظلة احتجاجية واحدة إلى احتمال تشكل جبهة ضغط أوسع في مواجهة السلطة، رغم استمرار الخلافات بين مكوناتها.
ويبقى السؤال الأهم مرتبطاً بما سيحدث بعد مسيرة 17 أكتوبر، وما إذا كانت القوى المشاركة ستنجح في تحويل هذا التقارب إلى مشروع عمل مشترك قادر على فرض الحوار واستعادة التوازن بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وبين شعارات الثورة التي تعود إلى الشارع، وتحذيرات المعارضة من انفجار اجتماعي، تقف تونس أمام اختبار سياسي جديد، قد تتجاوز تداعياته حدود مسيرة احتجاجية واحدة، ليصبح محطة فاصلة في الصراع على مستقبل البلاد ومسارها الديمقراطي.