عادت هتافات الثورة التونسية إلى شوارع العاصمة، بعدما خرج آلاف المواطنين في تظاهرة حاشدة ضد سياسات الرئيس قيس سعيّد، احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وتراجع الحريات العامة، وسط مطالبات برحيل السلطة والإفراج عن المعتقلين السياسيين، في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي واتساع جبهة المعارضة للحكم القائم.
وردد المتظاهرون شعارات أعادت إلى الأذهان الأيام الأولى للثورة التونسية، وفي مقدمتها «شغل، حرية، كرامة وطنية» و«الشعب يريد إسقاط النظام»، إلى جانب هتافات مباشرة ضد الرئيس قيس سعيّد، من بينها «يسقط يسقط قيس سعيّد» و«يا منظومة الفشل، الرحيل هو الحل».
وجاءت الاحتجاجات بمشاركة قوى نقابية ومهنية وحقوقية وأحزاب معارضة، في تحرك جمع بين المطالب الاجتماعية والسياسية، وأعاد طرح تساؤلات بشأن مستقبل المسار الذي يقوده سعيّد منذ إجراءات 25 يوليو 2021، التي تصفها المعارضة بأنها انقلاب على المسار الديمقراطي ومكتسبات الثورة.
وتكتسب التظاهرة أهمية خاصة بالنظر إلى مشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل، أحد أبرز الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في البلاد، إلى جانب هيئات المحامين ومنظمات حقوقية وممثلين عن المجتمع المدني، بما يعكس اتساع دائرة الاعتراض على سياسات السلطة.
عودة شعارات الثورة إلى شوارع تونس
انطلقت المسيرة من أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، وجابت عددًا من شوارع العاصمة وصولًا إلى شارع الحبيب بورقيبة، الذي ارتبط تاريخيًا بالاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011.
ورفع المشاركون لافتات وشعارات تربط بين المطالب الاقتصادية والحريات السياسية، مؤكدين أن تدهور القدرة الشرائية واتساع الأزمات الاجتماعية لا يمكن فصلهما عن طبيعة الحكم والسياسات التي تنتهجها السلطة.
ومن بين الشعارات التي رددها المحتجون «لا ديمقراطية دون حريات»، و «لا كرامة مع الفقر»، و «لا لتجريم العمل المدني والسياسي»، فضلًا عن «حريات حريات، دولة البوليس وفات»، و«هايلة البلاد، قمع واستبداد».
كما تعالت الهتافات المطالبة برحيل الرئيس قيس سعيّد، في مؤشر على انتقال الاحتجاج من الاعتراض على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى مساءلة السلطة السياسية عن مسؤوليتها عن الأزمات المتراكمة.
وشهدت شوارع العاصمة انتشارًا أمنيًا مكثفًا، مع إغلاق عدد من المداخل والطرق أمام حركة السيارات والمشاة، بالتزامن مع تدفق المشاركين في المسيرة.
ويرى معارضون أن عودة الشعارات التي ارتبطت بثورة 2011 تعكس استمرار المطالب التي خرج من أجلها التونسيون قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
اتحاد الشغل: الاستبداد عمّق الأزمة ونسف مكاسب الحريات
برز الاتحاد العام التونسي للشغل في مقدمة الجهات الداعية إلى التحرك، وسط انتقادات حادة وجهتها قيادات نقابية إلى سياسات الحكم الفردي وغياب الحوار السياسي والاجتماعي.
وقال القيادي النقابي صلاح الدين السالمي، في كلمة أمام المتظاهرين، إن «تونس أكبر من الاستبداد»، مؤكدًا أن الصمت لم يعد حلًا في مواجهة الأزمة التي تمر بها البلاد.
وأوضح أن الأزمة التونسية ليست ظرفية أو عابرة، وإنما تعمقت نتيجة التفرد بالحكم والقرار ورفض الحوار، إلى جانب تبني خيارات فردية وصفها بأنها أنتجت أسوأ ما في الحكم.
واعتبر السالمي أن هذه السياسات أدت إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع التونسي، وتقويض المكاسب التي تحققت في مجالات الحقوق والحريات خلال السنوات التي أعقبت الثورة.
وشدد على أن تجميع السلطات في يد جهة واحدة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء حكم ناجح أو معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بل قد يسهم في تراكم الأزمات وتعقيدها.
وانتقد ما وصفه بتوظيف القضاء وتوجيه الاتهامات والتوسع في الإيقاف التحفظي والتعسف في استخدام القانون، معتبرًا أن هذه الممارسات تتناقض مع مبادئ دولة القانون والمؤسسات.
وتعكس تصريحات القيادات النقابية تصاعد الخلاف بين السلطة والقطاعات النقابية بشأن إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن طبيعة النظام السياسي وحدود الحريات العامة.
المحامون والحقوقيون ينضمون إلى الاحتجاج
لم تقتصر المشاركة في التظاهرة على القوى السياسية والنقابية، بل امتدت إلى هيئات مهنية وحقوقية، من بينها عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب منظمات وجمعيات مدنية.
وأكد عميد المحامين بوبكر بالثابت أن المسيرة تمثل تحركًا سلميًا مفتوحًا أمام جميع التونسيين، بهدف المطالبة باحترام الحقوق الأساسية والحريات العامة.
وقال إن المشاركة لا تقتصر على فئة سياسية أو مهنية بعينها، مشددًا على أن التحرك يستهدف الدفاع عن الحقوق والحريات التي يكفلها القانون.
وأشار إلى أن الجهات المشاركة ستعمل على تقييم نتائج المسيرة والتشاور بشأن الخطوات المقبلة، تمهيدًا لتحديد طبيعة التحركات اللاحقة.
ويعكس انخراط المحامين والمنظمات الحقوقية في الاحتجاجات تصاعد المخاوف بشأن استقلال القضاء وحرية التعبير والعمل السياسي والمدني، وهي ملفات أصبحت في صدارة المواجهة بين السلطة ومعارضيها.
كما شارك في التحرك ممثلون عن النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، في مؤشر على اتساع القضايا التي تجمع الفئات المهنية والاجتماعية المختلفة.
الغلاء والفقر يشعلان الغضب الشعبي
تزامنت التظاهرة مع استمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجه قطاعات واسعة من المجتمع التونسي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية.
ورفع المحتجون شعارات تؤكد أن المطالب الديمقراطية لا تنفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، معتبرين أن الحرية السياسية تفقد جانبًا من معناها في ظل الفقر وتدهور الظروف المعيشية.
وجاء شعار «لا كرامة مع الفقر» ليختصر جانبًا من الرسائل التي سعى المتظاهرون إلى توجيهها للسلطة، في ظل تنامي الاستياء من السياسات الاقتصادية وعجزها، بحسب المنتقدين، عن تحقيق تحسن ملموس في حياة المواطنين.
وتواجه تونس تحديات اقتصادية تتعلق بفرص العمل والأجور والقدرة الشرائية والمالية العامة، وهي مشكلات تزيد من الضغوط على الحكومة وتغذي الاحتجاجات الاجتماعية.
ويربط معارضون بين استمرار الأزمة الاقتصادية وغياب الحوار مع القوى النقابية والسياسية، معتبرين أن تركيز القرار في يد السلطة التنفيذية أضعف فرص التوصل إلى توافقات بشأن الإصلاحات المطلوبة.
وفي المقابل، يقدم الرئيس قيس سعيّد سياساته باعتبارها جزءًا من جهود إصلاح مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد ومواجهة شبكات المصالح التي يتهمها بعرقلة التنمية.
غير أن المحتجين يرون أن هذه المبررات لم تنعكس في صورة تحسن كافٍ في الأوضاع المعيشية، بينما استمرت الخلافات بشأن الحريات والمشاركة السياسية.
المعتقلون السياسيون في قلب التظاهرة
احتل ملف السجناء السياسيين والملاحقات القضائية مساحة بارزة من مطالب المتظاهرين، الذين دعوا إلى الإفراج عن المعارضين المحتجزين ووقف ما تصفه منظمات حقوقية باستخدام الإجراءات القضائية لتقييد النشاط السياسي.
وشارك في المسيرة أقارب لمعارضين مسجونين، إلى جانب شخصيات سياسية وحقوقية طالبت باحترام ضمانات المحاكمة العادلة وإنهاء القيود المفروضة على حرية التعبير والتنظيم.
وتتهم قوى معارضة السلطة بالتوسع في ملاحقة منتقدي الرئيس قيس سعيّد، وتضييق المجال العام منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في يوليو 2021.
وتعتبر هذه القوى أن استمرار احتجاز شخصيات معارضة ومحاكمتها في قضايا ذات طابع سياسي يعكس تراجع الضمانات الديمقراطية التي اكتسبها التونسيون عقب الثورة.
في المقابل، تؤكد السلطة التونسية أن القضاء يمارس اختصاصاته وفق القانون، وترفض اتهامات توظيف المؤسسات القضائية لتصفية الحسابات السياسية.
ويظل ملف المعتقلين أحد أبرز أسباب التوتر بين السلطة والمعارضة، خصوصًا مع مطالبة منظمات حقوقية بضمان استقلال القضاء واحترام الحريات الأساسية.
من إجراءات يوليو 2021 إلى أزمة الحكم الفردي
تعود جذور الأزمة السياسية الراهنة إلى 25 يوليو 2021، عندما أعلن الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، قبل اتخاذ سلسلة من الإجراءات التي أعادت تشكيل النظام السياسي.
وأعقب ذلك حل البرلمان وإجراء تغييرات دستورية ومؤسسية وسعت صلاحيات رئيس الجمهورية، في مسار أثار انقسامًا حادًا داخل المجتمع السياسي التونسي.
واعتبرت قوى معارضة هذه الإجراءات انقلابًا على دستور 2014 والمسار الديمقراطي الذي تأسس عقب الثورة، بينما دافع سعيّد عنها باعتبارها ضرورية لإنقاذ الدولة من الشلل السياسي والفساد.
ومنذ ذلك الحين، شهدت تونس سلسلة من الاحتجاجات والتحركات المعارضة، وسط خلافات بشأن استقلال المؤسسات وتوازن السلطات وحرية العمل الحزبي والنقابي.
ويرى منتقدو الرئيس أن تركيز السلطات في مؤسسة الرئاسة أضعف آليات الرقابة والمساءلة، وقلص قدرة القوى السياسية والاجتماعية على المشاركة في صنع القرار.
وتزداد حدة هذه الانتقادات مع استمرار الصعوبات الاقتصادية، حيث تعتبر أطراف معارضة أن غياب التوافق السياسي والحوار الاجتماعي أسهم في تعميق الأزمة بدلًا من احتوائها.
اتحاد الشغل.. لاعب تاريخي يعود إلى واجهة المواجهة
يحمل انخراط الاتحاد العام التونسي للشغل في الاحتجاجات دلالات سياسية واجتماعية تتجاوز المطالب النقابية التقليدية.
فالاتحاد، الذي يتمتع بحضور تاريخي واسع في المجتمع التونسي، كان أحد أبرز الفاعلين في محطات التحول السياسي، ولعب دورًا مؤثرًا خلال الثورة التونسية وما أعقبها من أزمات.
كما شارك ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2015، تقديرًا لدوره في المساهمة في تجاوز أزمة سياسية حادة ودعم الانتقال الديمقراطي.
ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة الاتحاد في تحرك يجمع الأحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية والهيئات المهنية تمنح الاحتجاجات بعدًا أوسع من مجرد المطالب الاقتصادية.
وتشير هذه المشاركة إلى وجود أرضية مشتركة بين أطراف مختلفة بشأن ضرورة معالجة الأزمة المعيشية واحترام الحريات وإعادة الاعتبار للحوار السياسي والاجتماعي.
ومع ذلك، لا تعني المشاركة في التظاهرة بالضرورة وجود تحالف سياسي موحد أو اتفاق كامل بين جميع الأطراف بشأن مستقبل الحكم أو البدائل المطروحة.
هل تتشكل جبهة واسعة ضد قيس سعيّد؟
تكشف التظاهرة عن تزايد مساحات الالتقاء بين القوى النقابية والمهنية والحقوقية والأحزاب المعارضة، بعدما أصبحت الأوضاع الاقتصادية والحريات العامة محورين أساسيين للاحتجاج على سياسات السلطة.
ويعكس الجمع بين شعارات «الخبز والكرامة» والمطالبة بإسقاط النظام حالة من التداخل بين الغضب الاجتماعي والرفض السياسي، وهو ما يمنح التحركات الاحتجاجية أبعادًا متعددة.
غير أن قدرة هذه القوى على تحويل الاحتجاجات إلى مسار سياسي منظم ستظل مرتبطة بمدى استمرار التنسيق بينها، وقدرتها على تقديم مطالب واضحة ورؤية مشتركة لمعالجة الأزمات.
كما أن حجم التظاهرة، رغم أهميته السياسية، لا يكفي وحده للحكم على اتجاهات الرأي العام التونسي أو توقع تطورات المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة.
لكن عودة الاحتجاجات إلى قلب العاصمة، بمشاركة منظمات تمتلك تاريخًا طويلًا من التأثير الاجتماعي والسياسي، تمثل رسالة واضحة بأن الخلاف حول مسار الحكم لم ينتهِ، وأن الأزمة الاقتصادية تضيف إليه مزيدًا من التعقيد.
تونس بين شعارات الثورة وواقع الأزمة
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على اندلاع الثورة التونسية، تعود إلى الشوارع الشعارات نفسها التي رفعها المحتجون ضد نظام زين العابدين بن علي، وفي مقدمتها «شغل، حرية، كرامة وطنية».
وتكشف هذه العودة عن استمرار الفجوة بين تطلعات قطاعات من التونسيين إلى العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، وبين الواقع الاقتصادي والسياسي الذي تعيشه البلاد.
فبينما يرى الرئيس قيس سعيّد أن مشروعه السياسي يستهدف استعادة الدولة ومحاربة الفساد، يعتبر معارضوه أن تونس تسير نحو إعادة إنتاج الحكم الفردي وتقويض المكاسب الديمقراطية التي تحققت بعد الثورة.
وتأتي التظاهرة الأخيرة لتؤكد أن الغضب من الغلاء والفقر لم يعد منفصلًا عن المطالبة بالحريات، وأن قطاعات من المجتمع التونسي باتت تحمل السلطة السياسية مسؤولية معالجة الأزمتين معًا.
وبين هتافات «الشعب يريد إسقاط النظام» و«يا منظومة الفشل، الرحيل هو الحل»، تبدو تونس أمام فصل جديد من الصراع بين سلطة تتمسك بمسارها السياسي وقوى نقابية وحقوقية ومعارضة تطالب بتغييره، في وقت يظل فيه السؤال الأبرز: هل تتحول الاحتجاجات المتصاعدة إلى حركة شعبية أوسع قادرة على فرض مراجعة سياسية، أم تنجح السلطة في احتواء الغضب دون معالجة جذور الأزمة؟