من «مصر مش عزبة» إلى «حضرتك تؤمر يا فندم».. صفقة الـ11 تريليون جنيه تفجّر سجالًا حول الإسناد المباشر، وحقوق الدولة، ومصادر التمويل، والضرائب، وحدود الخدمة المجتمعية.
بمجرد الإعلان عن اتفاق تطوير أربعة مشروعات كبرى مع مجموعة طلعت مصطفى بقيمة استثمارية معلنة تبلغ 11 تريليون جنيه، لم يتوقف الجدل عند ضخامة الرقم أو الوعود بملايين فرص العمل وتريليونات الضرائب، بل امتد إلى طريقة إدارة الصفقة نفسها: من اختار المستثمر؟ وعلى أي أساس؟ وأين تفاصيل التمويل والعقود ومقابل الأراضي وحقوق التطوير؟ ثم كيف تحوّل لقاء علني إلى طلب توفير 200 ألف وحدة سكنية للإيجار، وسط ردّ "حضرتك تؤمر يا فندم" وتصفيق الحاضرين؟
في مداخلاتهم على منصة «إكس»، ذهب مراقبون إلى وصف المشهد بأنه تجسيد لإدارة الدولة بمنطق العزبة، وتساءلوا عما إذا كانت الالتزامات الاجتماعية تُحدَّد بالقانون والعقود أم تُطرح بإرادة السيسي أمام الكاميرات.
ورفع آخرون أسئلة أكثر مباشرة عن حقيقة الإسناد بالأمر المباشر، ومصادر تمويل مشروعات بهذا الحجم في اقتصاد مثقل بأعباء الدين، والفارق بين قيمة استثمارية معلنة وأموال مدفوعة فعلًا، وبين حصيلة ضريبية متوقعة وإيرادات تحققت بالفعل.
وفي المقابل، دافع مشاركون عن حق الدولة في استقطاب مستثمر قادر على تنفيذ مشروعات ضخمة، معتبرين أن الخبرة والقدرة على الإنجاز معياران أساسيان في اختيار المطور.
وبين الاتهامات السياسية الحادة والدفاع عن الاستثمار، تتجمع المداخلات حول أسئلة واحدة: ما الذي ستقدمه الدولة، وما الذي ستحصل عليه، ومن يتحمل التكلفة والمخاطر، وأين تنتهي الشراكة الاستثمارية وتبدأ الالتزامات التي لم تُعلن تفاصيلها؟
وبحسب بيان رسمي في 20 أكتوبر 2026، تشمل المشروعات شمال مدينتي، وتطويرًا بمساحة 11.3 مليون متر مربع في الإسكندرية، ومشروعًا صناعيًا ولوجستيًا وعقاريًا في أبو قير، ووجهة ساحلية في الساحل الشمالي على غرار "ساوث ميد"، كما أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي توقعات بحصيلة ضريبية تبلغ 2.4 تريليون جنيه ونحو ستة ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة على مدى تنفيذ المشروعات.
منتدى سرقة مصر» إسناد بالأمر المباشر
ووصف الإعلامي المصري د. حمزة زوبع، ما جرى بأنه «منتدى سرقة مصر»، وكتب عبر (@drzawba)، "إسناد مشاريع لشركة واحدة ب(٢٠٢ مليار دولار) أي ما يعادل ضعف ميزانية الدولة (٩١مليار دولار) وزيادة بالأمر المباشر وعلى الهواء مباشرة ده اسمه فساد رسمي مربع ومضلع وعلى كل لون.. مصر مش عزبة …"فخامتك".
ويضع زوبع في صلب انتقاده اجتماع ثلاثة أمور: ضخامة القيمة المعلنة، وتركيز المشروعات لدى مجموعة واحدة، والإعلان عن الاتفاق أمام الجمهور، ويستخدم وصف «الفساد الرسمي» للتعبير عن موقفه من طريقة إدارة الصفقة، وليس بوصفه حكمًا قضائيًا مثبتًا.
مصر تُدار بـ"حضرتك تؤمر يا فندم"
وانتقد الحقوقي والسياسي د.أسامة رشدي، الطريقة التي طُرح بها طلب توفير الوحدات السكنية خلال اللقاء العلني.
وكتب عبر (@OsamaRushdi) في منشوره: "ما الذي فعله السيسي مع هشام طلعت مصطفى؟!.. هو فيه كده؟!
العدالة الاجتماعية بالقانون.. وليس بسيف الحياء!"
وفي معرض حديثه عن موافقة هشام طلعت مصطفى أمام الرئيس والكاميرات، قال رشدي: "وأمام هذا الإحراج العلني، جاء الرد: "حضرتك تؤمر يا فندم" وتعالى التصفيق"!
ثم يربط رشدي بين الواقعة وبين غياب الشفافية في تخصيص الأراضي والشراكات مع الدولة، متسائلًا عما إذا كانت الالتزامات الاجتماعية محددة في العقود أم تُطرح بعد الاتفاق.
ويقول: " الفقراء يحتاجون حقوقًا ثابتة وسياسات عادلة، لا انتظار لحظة يتكرم فيها الحاكم بطلب تبرع من رجل أعمال" مضيفا "مصر لا تُدار بـ"حضرتك تؤمر يا فندم".. مصر تحتاج قانونًا يحتكم إليه الرئيس ورجال الأعمال معًا!"
كما يشير رشدي إلى أن قيمة المشروعات ليست ثروة شخصية لصاحب الشركة، وأن تكاليف التمويل والإنشاء والديون وحقوق المساهمين يجب أن تدخل في أي حساب جاد للالتزامات.
غبي منه فيه
وعلى غرار الفيلم الشهير غبي منه وفيه وأشهر مشاهده، لو خدت منك 1% هيبقى 100 مليار (معلقة كشري وطبق كشري).. ركز حساب "حزب تكنوقراط مصر" على العبارة المنقولة عن السيسي خلال حديثه مع هشام طلعت مصطفى بشأن قيمة المشروعات وطلب توفير وحدات سكنية للإيجار.
وقال الحساب (@egy_technocrats): "أنا مجيتش عليك جامد ولو خدت منك 1% هيبقى 100 مليار».. الرئيس السيسي يطلب من رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى 200 ألف وحدة سكنية للإيجار "خدمة مجتمعية" بعد توقيع اتفاقية بقيمة 11 تريليون جنيه.." مشيرا إلى مسألة الفارق بين القيمة الإجمالية للمشروعات وبين الأموال التي يمكن اعتبارها أرباحًا أو موارد متاحة للإنفاق الاجتماعي، فالمشروعات العقارية تتضمن تكاليف تطوير وإنشاء وتمويل، ولا تمثل قيمتها الاستثمارية بالضرورة أموالًا صافية في حوزة المستثمر.
ويضع الحساب الواقعة في سياق التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين السلطة ورجال الأعمال، ومدى وضوح الالتزامات الاجتماعية التي تُطلب منهم.
ودفاعا عن السيسي رأى أحمد الغزالي (@GhazZzali): أن "السيسي مص دمه لصالح المجتمع والشعب"!
وقدّم (@GhazZzali) قراءة مؤيدة للاتفاق، معتبرًا أن طلب الوحدات السكنية يمكن النظر إليه باعتباره مساهمة اجتماعية يتحملها المستثمر، وكتب: "لو فيه حد نفسه المشروعات دي متكملش هو طلعت مصطفى، لأن بصريح العبارة السيسي مص دمه لصالح المجتمع والشعب، ده كفاية أنه هياخد منه ٢٠٠ ألف وحدة سكنية للإيجار على البيعة كده اسمها خدمة مجتمعية".
ويذهب صاحب الحساب إلى أن الالتزام السكني قد يشكل عبئًا إضافيًا على المجموعة، لا مجرد منفعة تحصل عليها من الاتفاق، ويأتي هذا الرأي في مواجهة الاعتراضات التي ترى أن الطلب العلني قد يثير تساؤلات عن حرية التفاوض وطبيعة الالتزام.
وعلى غراره كتب أبو عبدالرحمن (@bwbdlrm74043755): "ما المانع في الإسناد المباشر؟" لاسيما إن كانت "الشركة قوية ومنجزة!".
وهو ما يعد تقديما ل"الخبرة والقدرة على التنفيذ" في مقدمة الاعتبارات، في مقابل اعتراضات تركز على المنافسة وتكافؤ الفرص، ولم يرفق صاحب التعليق تفاصيل عن إجراءات اختيار المجموعة أو شروط العقود، وإنما طرح تساؤلًا عن مبدأ الإسناد المباشر نفسه.
وأضاف أشرف (@A_shr5): أن هشام طلعت " يشتري أراضي في الصحراء ويعمرها"، وأضاف "..لو باع لحد خليجي نقول بييع أرض مصر ولو باعها لمواطن مصري نقول عليه خاين، الراجل ده بيشتري أراضي في الصحراء ويعمرها"?!
في حين طالب عابد عابد (@AbdoAbd25627471): النظر لخلفية اختيار هشام طلعت وأن الفساد لن يكون مثمرا بأي حال من الأحوال مشيرا إلى أن السيسي "طلعت مصطفى من السجن إلى القصور إلى سرقة مال الشعب عن طريق القزم الصهيوني الحقير".
كما كتب في رد آخر: "لو كان مصر يحكمها مسلم وجيش محترم وقضاء فعلا، لأعدم هذا المجرم".
وطالبهم عمرو فاروق (@6zfmvv): أن مشروعات السيسي المفاجئة والتي تتضمن تخصيصا مفتوحا يكون للسيسي فيها "عمولة" نسبة كسمسار.
وقال عمرو فاروق سؤالًا ساخرًا ومباشرًا: "عمولة الريس كام؟
واعتبر عبد الرحمن مطر (@AbdElrahma41413): أن الحديث على العام بلا جمارك "طالما أن الكلام مفيش جمرك، قول أي حاجة.. طالما أن محدش يقدر ينتقدهم وينتقد بجاحة الأرقام دي .. قول أي كلام".
ويعكس التعليق غيابًا للمحاسبة في مواجهة الأرقام المعلنة، وهو لا يقدم بيانات مالية بديلة، لكنه يندرج ضمن الردود التي تطالب بإتاحة المعلومات التي تسمح بفحص التصريحات الحكومية.
التشكيك في توزيع الثروة والنفوذ
تضمنت سلسلة الردود كذلك تعليقات تنتقد تركّز الثروة، وتشكك في هوية المستفيدين من المشروعات الكبرى، وتربط بين النفوذ السياسي والفرص الاقتصادية.
ومن بين هذه التعليقات، كتب "أبو الشمقمق" @m69mf، في منشور منفصل، رواية نقلها عن رجل أعمال مصري بشأن ما وصفه بـ«الفترينات»، مستخدمًا المصطلح للإشارة إلى رجال أعمال يظهرون في الواجهة بينما يعتقد أن أطرافًا أخرى (مثل الإمارات التي تتبنى مشروعات هشام طلعت) تملك الحصة الأكبر من الثروة أو النفوذ.
وربط المنشور بين هذه الرواية وبين حديث السيسي عن قيمة مشروعات هشام طلعت مصطفى، لكنه لا يقدم وثائق تثبت نسب الملكية التي يتحدث عنها، ولذلك تظل الرواية منسوبة إلى صاحبها ومن نقل عنه.
التغطيات الاقتصادية
ونشرت «رويترز»، في 20 أكتوبر 2026، خبر توقيع الاتفاق بقيمة 11 تريليون جنيه، أي ما يقارب 202 مليار دولار وفق سعر الصرف الوارد في التقرير، كما نشرت «بوابة الأهرام» أن الاستثمارات المستهدفة يُتوقع أن تحقق حصيلة ضريبية مباشرة وغير مباشرة بنحو 2.4 تريليون جنيه، ونحو ستة ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وفي اليوم التالي، نقلت «الأهرام أونلاين» عن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الاستثمارات ستُضخ على مدار تنفيذ المشروعات، وأن الشراكة تستهدف تحقيق عوائد وأرباح مستمرة للدولة بدلًا من تحصيل ثمن الأرض دفعة واحدة.